قتلوك يا فاطمة – الحلقة ١٢ – قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة ج٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 27 ربيع الثاني 1440هـ الموافق 4 / 1 / 2019م

  • هذا هو الجزء الثاني من إجابتي على مجموعة أسئلةٍ تدورُ مضامينها حول البَداء.. ولِذا سأُعنونُ هذهِ الحلقات مِن الحلقةِ السابقة وهذهِ الحلقة والحلقات الآتية بهذا العنوان: “قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة” قطعاً بِحَسَب ما يصلُ إليهِ فَهْمي المحدود.

  • إذ أنّنا لا نملكُ صُورةً واضحةً شديدةَ الوضوح حولَ هذا الموضوع.. فالمُعطياتُ المُتوفّرة بين أيدينا ليستْ كاملةً وإنّما تتناولُ جانباً يسيراً مِن الموضوع.. نعم هُناك نُصوص تتناول نُصوصاً عامّة لقانون البَداء، أمَّا التفاصيلُ الدقيقةُ فلا نملكُ مُعطياتٍ كاملةٍ حولها وبخُصوصها.
  • ● في الحلقةِ الماضية بدأتُ الإجابة بعرض ما قاله كبارُ مراجعنا وعلمائنا ومُفسّرينا. (وقفة سريعة أعرض لكم فيها بشكلٍ سريع ما مرَّ في الحلقةِ الماضية.. وبعدها أُكمِلُ لكم مِن حيثُ وقفت).

  • وقفة عند كتاب [البيان في تفسير القرآن] للسيّد الخوئي

  • في صفحة 385 السيّد الخوئي يعقد فصلاً كاملاً عنوانه: “البداءُ في التكوين” يبدأ من صفحة 381 ويستمرّ.. يقول في صفحة 385 تحت عنوان: “موقعُ البداءِ عند الشيعة” يقول:
  • (ثُمَّ إنَّ البَداء الذي تقولُ به الشيعةُ الإماميّة إنّما يقعُ في القضاءِ غير المحتوم، أمّا المحتوم منه فلا يتخلّف – أي لا يقعُ فيه البداء – ولابُدَّ أن تتعلّق المشيئةُ بما تعلّق به القضاء، وتوضيحُ ذلك أنَّ القضاء على ثلاثة أقسام: أقسامُ القضاء الالهي:
  • الأوَّل: قضاءُ الله الذي لم يطلع عليه أحداً مِن خلقه، والعلمُ المخزون الذي استأثر به لنفسهِ، ولا ريبَ في أنَّ البداءَ لا يقعُ في هذا القسم، بل ورد في رواياتٍ كثيرة عن أهل البيت أنّ البداء إنّما ينشأ من هذا العلم…)
  • ● قولهِ: (قضاءُ الله الذي لم يطلع عليه أحداً مِن خلقه) يعني حتّى مُحمّداً وآل مُحمّد لم يُطلعهم على هذا القضاء.. وهذا المعنى أخذهُ السيّد الخوئي مِن روايات وأحاديث عندنا في كُتُبنا بهذا الّلسان.
  • ● ثُمَّ ينقل السيّد الخوئي رواية مِن الروايات نقلها عن كتاب [عيون أخبار الرضا] للشيخ الصدوق، وهي:
  • (عن الحسن بن محمّدٍ النوفلي أنَّ الرضا “عليه‌ السلام” قال لسُليمان المروزي: رويتُ عن أبي عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” أنّه قال: إنَّ لله عزَّ وجل عِلْمين علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمهُ إلّا هو مِن ذلك يكون البداء، وعِلْماً علَّمهُ ملائكتَهُ ورُسُلَه، فالعُلماءُ مِن أهل بيتِ نبيّك يعلمونَهُ)
  • يعني أنَّ العِلْم الأوّل خاصٌّ بهِ سُبحانه وتعالى، ومِثْلُ هذا الّلسان جاء في جُملةٍ وفي عديدٍ من الأحاديثِ والروايات، وكُلُّ الأقوالِ المُتقدّمة التي ذكرتُها ابتداءً مِن الشيخ الصدوق وانتهاءً إلى هذا القول وحتّى الأقوال الأُخرى التي لم أذكرها أو التي سأذكرها بعد قول السيّد الخوئي تبتني في مضمونها على هذهِ الروايات التي تتحدّث عن علمين:
  • العلم الأوّل: عِلْمٌ خاصٌّ بالله لم يُطلعْ عليه أحداً مِن خلقه.. حتّى أنّهُ لم يُطلعْ عليه مُحمّداً وآل مُحمّد..! هذا هو لسانُ تلكَ الروايات التي وردتْ في كُتُبنا والتي اعتُمدتْ مِن قِبَل هؤلاء الأعلام.
  • العلم الثاني: عِلْمٌ أطلعَ عليهِ ملائكتَهُ وأنبياءهُ ومُحمّدٌ وآل مُحمّد يعلمون ذلك العِلْم.
  • فالرواية التي أوردها السيّد الخوئي تشتمل على هذا المضمون: أنَّ عِلْمَ مُحمّدٍ وآل مُحمّد يُساوي عِلْم الملائكةِ والرُسُل، وذلك حين تقول الرواية:
  • (وعِلْماً علَّمهُ ملائكتَهُ ورُسُلَه، فالعُلماءُ مِن أهل بيتِ نبيّك يعلمونَهُ) فإنَّ المُراد مِن “العُلماء مِن أهل بيتِ نبيّكَ” هم الأئمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • وسؤالٌ يطرح نفسه أيضاً: وهو أنَّ لسانَ هذهِ الرواية وأشباهها تُرجِعُ البَداء إلى عِلْم الله سُبحانه وتعالى.. فهل يصحُّ هذا الكلام؟!
  • إذاً هناك حقيقتان:
  • الحقيقة (1): هي أنَّ علم محمّدٍ وآل مُحمّد عِلْمٌ جزئي، فَهُم يعلمون ما تعلمهُ الملائكةُ والأنبياء والرُسُل.
  • الحقيقة (2): أنَّ البَداءُ يكون من العِلْم الخاصِّ بالله سُبحانه وتعالى.
  • ألا تُلاحظون أنَّ هذا المعنى معنىً مُرتبك بشكلٍ واضحٍ جدّاً..؟!
  • — ثُمَّ يقول السيّد الخوئي وهو يتحدّث عن المُستوى الثاني مِن مُستويات القضاء الإلهي: (الثاني: قضاءُ الله الذي أخبر نبيّه وملائكتَهُ بأنّه سيقعُ حتماً، ولا ريبَ في أنَّ هذا القسم أيضاً لا يقعُ فيه البداء وإنْ افترقَ عن القسم الأوَّل بأنَّ البداء لا ينشأُ منه…)
  • إلى أن يقول: (الثالث: قضاء الله الذي أخبر نبيّه وملائكتَهُ بوقوعه في الخارج إلّا أنّه موقوفٌ على أن لا تتعلّق مشيئةُ اللهِ بخلافه. وهذا القِسْم هُو الذي يقعُ فيه البداء..). ثُمَّ يذكر الآية: {يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثْبت وعندهُ أمُّ الكتاب للهِ الأمرُ مِن قبلُ ومِن بعد} إلى آخر ما ذكر مِن أحاديثَ ومِن آياتٍ لكنَّ الذي قرأتهُ عليكم هو زُبدةُ قوله.
  • — إلى أن يقول السيّد الخوئي في صفحة 389:
  • (وخلاصةُ القول: إنَّ القضاء الحتمي المُعبّر عنه بالّلوح المحفوظ وبأُمّ الكتاب وبالعلم المخزون عند الله يستحيلُ أن يقعُ فيه البداء. وكيف يُتصوَّر فيه البداء؟ وأنَّ اللهَ سبحانهُ عالم بجميع الأشياء مُنذ الأزل، لا يعزبُ عن علمهِ مثقالُ ذرّةٍ في الأرض ولا في السماء..)
  • ومرَّ الكلامُ فيما ذَكَره الشيخ المجلسي مِن أنَّ هناك “الّلوح المحفوظ” وهناك “لوحُ المحو والإثبات”.. ومرَّ الكلامُ أيضاً فيما ذَكَره ابنُ أبي جمهور الإحسائي أنَّ هناك عالم الكُلّيات وعالم الجُزئيّات.. وكلُّ هذهِ الأقوال يُمكن أن نجدَ لها أثراُ، أن نجد لها علامةً في أحاديث العترة الطاهرة.. ولكنّني كما بيّنتُ لكم أنَّ هذهِ الأقوال بِحَسَب فَهْمي تقعُ في حاشية موضوع البَداء.
  • — قول السيّد الخوئي: (وبالعلم المخزون عند الله يستحيلُ أن يقعُ فيه البداء) هذا هو الذي تعتقدهُ الشيعة، مِن أنَّ البَداءَ لا يقعُ في عِلْم اللهِ سُبحانَهُ وتعالى.. هذهِ القضيّةُ بديهيّةٌ.. لا يُمكن لِمُوحّدٍ ولا يُمكنُ لعاقلٍ يعتقدُ بالألوهيّة الكاملة أن يعتقدَ أنَّ البَداء يحدثُ في عِلْمهِ سُبحانه وتعالى.. هذا الكلام ليس مقبولاً بالمُطلق.
  • — إلى أن يقول السيّد الخوئي في صفحة 392 وهو يُبيّن خلاصةُ قولهِ:
  • (وعلى الجُملة فإنَّ البداء بالمعنى الذي تقولُ به الشيعةُ الإماميّة هو مِن الإبداء الإظهارُ حقيقةً، وإطلاقُ لفظِ البداء عليه مبنيٌّ على التنزيل والإطلاق بعلاقة المشاكلة. وقد أُطلِقَ بهذا المعنى في بعض الروايات مِن طُرُق أهل السنّة).
  • — قولهِ: (وإطلاقُ لفظِ البداء عليه مبنيٌّ على التنزيل) يعني أنَّ الإظهار نُزّل منزلةَ البَداء.. باعتبار أنَّ البَداء في أصلهِ هو تبدّلٌ وتغيّر.. (بدا لي شيءٌ بعد أن كُنتُ أعتقدُ أنَّ هذا الشيء بنحوٍ آخر، لكن الآن تجدّد لي فِكْرٌ، ظهرتْ لي صُورةٌ فَحَدثَ تبدّل.. هذا هو المعنى الحقيقي الّلغوي للبداء).. وقوله: (والإطلاق بعلاقة المشاكلة) يعني هناك مُشاكلةٌ ومُشابهةٌ بنحوٍ وآخر فيما بين معنى الإظهار ومعنى البَداء.. لأنَّ البَداء في جانبٍ مِن جوانبهِ إظهارٌ، إلّا أنّهُ إظهارٌ بعد إظهارٍ سابق.. هُناك تبدّل، هناك تغيّر حقيقي.
  • السيّد الخوئي يُحاول أن يجمعَ ما بين ما يدلُّ عليه العقل وحتّى النقل في صِفاتهِ سُبحانه وتعالى وفي عِلْمهِ بشكلٍ خاص وبين المعنى الّلغوي للبَداء والمعنى الاصطلاحي.. يُحاولُ أن يفرَّ مِن الإشكالات.. وقد مرَّ هذا الأمرُ بنفسهِ فيما تحدّث بهِ الشيخُ الصدوق والشيخُ المفيد بالذات، فإنَّ الشيخ المفيد حاول أن يفرَّ مِن نفس هذا الإشكال ولكنّه لم يتمكّن، ولِذلكَ جاء كلامهُ مُرتبكاً، وكلامُ السيّد الخوئي مُرتبكٌ هو الآخر وإنْ كان ارتباكهُ أقل مِن كلام الشيخ المُفيد.
  • — ثُمَّ يُشير السيّد الخوئي إلى روايةٍ عن أبي هريرة ويستمرّ في الكلام إلى أن يقول في صفحة 339:
  • (أمَّا ما وقعَ في كلمات المعصومين عليهم‌ السلام مِن الإنباء بالحوادث المُستقبلة فتحقيقُ الحال فيها: أنَّ المعصوم متى ما أخبر بوقوع أمرٍ مُستقبل على سبيل الحتم والجزم ودُون تعليق – من دون أن يقول مثلاً: إنْ شاء الله – فذلك يدلُّ أنَّ ما أخبر به ممَّا جرى به القضاء المحتوم، وهذا هو القسمُ الثاني الحتمي مِن أقسام القضاء المُتقدّمة. وقد علمتَ أنَّ مثلهُ ليس موضعاً للبداء، فإنَّ الله لا يُكذّب نفسهُ ولا نبيّه. ومتى ما أخبرَ المعصوم بشيءٍ مُعلّقاً على أن لا تتعلّق المشيئةُ الإلهية بخلافه ونصَبَ قرينةً مُتّصلةً أو مُنفصلةً على ذلك فهذا الخبر إنّما يدلُّ على جريان القضاء الموقوف الذي هُو موضعُ البداء. والخبرُ الذي أخبرَ به المعصوم صادقٌ وإنْ جرى فيه البَداء وتعلَّقت المشيئةُ الإلهيَّة بخلافه، فإنَّ الخبر – كما عرفت – منوط بأن لا تُخالفه المشيئة).
  • هذا أهمّ ما ذكرهُ السيّد الخوئي في تفسيرهِ البيان.

  • مِن جُملة الأسئلة التي وُجّهت للسيّد الخوئي في آخر سنّي عُمره في كتاب [صراط النجاة في أجوبة الإستفتاءات: ج2]
  • في صفحة 454 رقم السؤال 1554:
  • ● نصّ السؤال: (ما هو أفضل كتاب في أصول الدّين حسب رأيكم؟ وما رأيكم بكتاب (عقائد الإماميّة) للشيخ المُظفّر؟)
  • ● جواب السّؤال: (كتاب الشيخ المُظفّر كتابٌ نفيس في موضوعه، لا بأس بأن يُستفاد منه).
  • الميرزا جواد التبريزي لم يُعلّق على جواب السيّد الخوئي بشأن كتاب [عقائد الإماميّة] وهذا يعني أنّ رأيهُ في هذا الكتاب نفس رأي السيّد الخوئي.. فهذا الجواب هو جوابُ مرجعين من كبار مراجع الشيعة: جواب السيّد الخُوئي، وجواب تلميذهِ المِيرزا جواد التبريزي.. وهذا هو رأيُّ المراجع المُعاصرين أيضاً، فإنَّ السيّد الخُوئي هو مرجعُ المراجع المُعاصرين.. وقد مرَّ الحديث في برنامج [إطلالةٌ على هالة القمر] بخُصوصِ كتاب عقائد الإماميّة وأنّني أُطلِقُ عليه هذا الوصف “عقائد الأمويّة” وبيّنتُ ذلك في تفصيلٍ طويل، لا أُريد أن أُعيد الكلام.

  • وقفة عند ما جاء في كتاب [عقائد الإماميّة] للشيخ محمّد رضا المُظفّر. في صفحة 18 الفصل (11) تحت عنوان: القولُ في البداء.. يقول:

  • (البداءُ في الإنسان: أن يبدو لهُ رأيٌ في الشيء لم يكنْ لهُ ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدَّل عزمهُ في العمل الذي كان يُريد أن يصنعه، إذْ يحدثُ عنده ما يُغيِّر رأيهُ وعلمهُ به، فيبدو لهُ تركهُ بعد أن كان يُريدُ فعله، وذلكَ عن جهلٍ بالمصالح وندامةٍ على ما سبق منه. والبداءُ بهذا المعنى يستحيلُ على الله تعالى. لأنّهُ مِن الجهل والنقص، وذلكَ مُحالٌ عليه تعالى، ولا تقولُ به الإماميّة. قال الصادقُ “عليه السلام”: «مَن زعم أنَّ الله تعالى بدا لهُ في شيء بداء ندامةٍ فهو عندنا كافرٌ بالله العظيم». وقال أيضاً: «مَن زعم أنَّ الله بدا لهُ في شيءٍ ولم يعلمهُ أمس فأبرأُ منه».
  • غير أنّه وردتْ عن أئمتنا الأطهار روايات تُوهم القول بصحّة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادق “صلواتُ اللهِ عليه”: «ما بدا للهِ في شيء كما بدا لهُ في اسماعيل النبي» ولذلكَ نَسَبَ بعض المؤلّفين في الفِرَق الإسلاميّة إلى الطائفةِ الإماميّة القولَ بالبَداء طعناً في المذهب وطريق آل البيت، وجعلوا ذلكَ مِن جملةِ التشنيعات على الشيعة.
  • والصحيحُ في ذلك: أن نقول كما قال اللهُ تعالى في مُحكم كتابه المجيد: {يمحو اللهُ ما يَشاءُ ويُثبِتُ وعندهُ أمُّ الكتابِ} ومعنى ذلك: أنّه تعالى قد يُظهر شيئاً على لسان نبيِّه أو وليِّه، أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الاِظهار، ثمَّ يمحوه فيكونُ غير ما قد ظهر أولاً، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصّة اسماعيل لمَّا رأى أبوه إبراهيم أنّه يذبحهُ، فيكونُ معنى قول الامام “الصادق عليه السلام”: أنّه ما ظهر لله سبحانه أمرٌ في شيء كما ظهر لَهُ في اسماعيل ولده، إذ اخترمه قبلهُ – يعني أنّهُ مات قبل أن يُستشهد إمامنا الصادق – ليعلم الناس أنّهُ ليس بإمام، وقد كان ظاهرُ الحال أنّهُ الاِمام بعده؛ لاَنّه أكبر ولده. وقريبٌ مِن البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبيِّنا “صلّى الله عليه وآله”، بل نسخُ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا “صلّى الله عليه وآله”).
  • هُناك ارتباكٌ واضحٌ في التعابير حين تحدّث عن قصّة اسماعيل، فمُباشرةً ومِن دُون توضيحٍ وبيان انتقل الكلام من إسماعيل بن إبراهيم النبي إلى إسماعيل ابن الإمام الصادق، إذْ وردتْ رواياتٌ عنهُ “صلواتُ اللهِ عليه” بهذا الخُصوص. علماً أنّني سأعودُ إلى قصّة إسماعيل ولكن في الحلقاتِ القادمة.
  • ● قوله: (بل نسخُ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا..) مِثلما نُسِختْ القِبَلة وغُيّرتْ مِن بيت المقدس إلى الكعبة، ومِثلما جاء الأمرُ بدفع الصدقةِ لمُناجاةِ رسول الله وبعد ذلك أُزيل هذا الحُكْم. هذا تمامُ ما ذكرهُ الشيخ المُظفّر في كتابهِ عقائدُ الإماميّة.

  • وقفة عند كتاب لمُفكّرٍ وكاتب عراقي مُعاصر وهو: رعد عبد السادة علي.. في كتابهِ الذي يحمل عنوان: (البداء محوٌ أم إلغاءٌ أم تغيير “سؤالٌ ملغوز وجوابٌ مُشفَّر”). بحثٌ في عقيدة البَداء ورؤيةٌ جديدة مِن خلال الروايات وتعدّد العوالم وقوانين الاحتمالات وفيزياء الكم.

  • هذا الكتاب هو محاولةٌ مُعاصرة تختلفُ عن المُحاولات السابقة التي أشرتُ إليها.. وأنا هُنا لستُ بصدد التقصّي والاستقصاء لكلّ قولٍ ولكلّ بحثٍ مطروح، وإنّما آتيكم بأمثلةٍ مِن هُنا ومِن هُناك، أُحاولُ أن أُغطّي ما هو مذكورٌ وما هو موجودٌ وما هو مُصنّفٌ في ساحة الثقافة الشيعيّة.
  • ● يقول المؤّلف رعد عبد السادة علي في صفحة 11:
  • (ونحن هُنا لا نُريد أن نؤسّس لفَهْمٍ خاصٍّ في العقائد، ولكنّنا نرى أن جوانب كثيرة في حيثيات الكون (الكتاب التكويني) ينطبقُ بشكلٍ واضح على (الكتاب التدويني) الذي هو القرآن وكلام المعصومين “عليهم السلام” وبالتالي فإنَّ ما نقولُهُ هو رؤيةٌ شخصيّةٌ لموضوع البداء، فنحنُ لا نتكلّمُ نيابةً عن الشيعةِ بل نتكلّمُ بما نفهمهُ..)
  • فهذهِ رؤيةٌ ومحاولةٌ مُعاصرةٌ لفَهْم البداءِ وفقاً لما يفهمُهُ الكاتبُ مِن نُصوص الكتاب وأحاديثِ العترة الطاهرة مع مُمازجةٍ مع النظريّات الفيزيائيّة التي وصل إليها البحثُ العلمي، ولِذلك هو مِن صفحة 101 يبدأُ بحثهُ تحتَ هذا العنوان: “البداء وفيزياء الكم”.. وما بين النظريّةِ النسبيّة وميكانيكا الكم وتعدّد الأكوان إلى بقيّة التفاصيل التي حاول أن يُزاوج وأن يُمازج بين مُعطياتها، وبين ما استطاعَ أن يستخلصهُ – بِحَسَب فَهْمه – مِن آياتِ الكتاب ونُصوص العترة الطاهرة.
  • وبشكلٍ عام.. هذا الكتاب هو محاولة جيّدة.. قد لا أتّفق مع كثيرٍ ممّا جاء فيها، لكنّها مُحاولةٌ تستحق الاهتمام.. قد أجدُ المؤلّفَ يقتربُ مِن الحقيقةِ شيئاً فشيئاً ثُمَّ يعود أدراجه بعيداً عن أن يصِلَ إلى هدفه.. هذهِ رؤيتي.
  • لا يستطيعُ أحدٌ أن يحكمَ على هذهِ الرؤية وعلى الآراءِ التي مرَّ ذِكْرها ابتداءً مِن الشيخ الصدوق وانتهاءً بما قرأتهُ عليكم مِن كتاب [عقائد الإماميّة] للشيخ المُظفّر.. لا يستطيعُ أحدٌ أن يقول أنَّ هذهِ الأقوال تُجانبُ الحقيقة مُطلقاً.. أبداً.. هذهِ الرُؤيةُ التي جاءتْ في هذا الكتاب هي أيضاً تُشكّلُ جانباً، تُشكّلُ جهة بهذهِ المُحاولة لفَهْم بعض أسرار البداء.. ولكنَّ المُشكلةَ ستبقى قائمةً لأنَّ البداءَ حقيقةٌ عميقةٌ جدّاً وواسعةٌ جدّاً ولا نمتلكُ مِن معطياتِ أسرارها إلّا النز اليسير.
  • إلى هنا تقريباً قد عرضتُ لكم أهمَّ الأقوال وأهمَّ الصُور التي التقطها مَن التقطها مِن علماء الشيعةِ ومراجعها ومُفسّريها ومُفكّريها.
  • ● إذا أردنا أن نُدقّق النظر في كلُّ تلكَ الأقوال التي عرضتُها بين أيديكم عرْضاً إجمالياً، فإنّنا سنجدهم جميعاً يعتمدون بشكلٍ واضح على مجموعةٍ مِن الأحاديث التي وردتْ في كُتُبنا تجعلُ عِلْم مُحمّدٍ وآل مُحمّدٍ منقوصاً، وبالتالي فإنَّ هذهِ المعطيات منقوصة.. وإذا كانتْ المعطياتُ منقوصةً فإنَّ النتائجَ ستكونُ منقوصةً هي الأُخرى إذْ أنَّ النتائج تتبعُ المُقدّمات.. وها هُو منطقُ الإنسان ومنهجُ العقل في التفكير.

  • للفائدة: وقفة أُشير فيها إلى أهمّ مصادر الأحاديث والروايات التي تناولتْ موضوع البداء.

  • المصدرُ (1): أهمُّ مصادر حديث العترة في هذا الموضوع هو [كتابُ الكافي: ج1]
  • في كتاب التوحيد في الجزء الأوّل مِن كتاب الكافي باب عُنوانه: “بابُ البداء” وقد اختار فيه الشيخ الكليني أهمَّ النصوص.. يبدأ مِن الرواية (1- 16).
  • اختار الشيخ الكليني هذهِ الأحاديث بعنايةٍ فائقة، فإنَّ أهمَّ المضامين التي غطّتها أحاديثُ لعترة الطاهرة موجودةٌ في هذا الباب مِن الكافي الشريف.
  • المصدرُ (2): كتابُ [التوحيد] للشيخ الصدوق.
  • الباب (54) عُنوانه: بابُ البداء ويبدأ مِن الرواية (1 – 11) وتقريباً الرواياتُ هي هي موجودةٌ في كتاب [الكافي] فما ذَكَرهُ الشيخ الكليني أكملُ وأجمع.
  • المصدرُ (3): كتاب [بحار الأنوار: ج4] للشيخ المجلسي.
  • في صفحة 92 البابُ الثالث تحت عنوان: “بابُ البداء والنسخ”.. ويستمرُّ هذا الباب مِن صفحة 92 إلى 134 لكن ما ذَكَرهُ مِن أحاديث يبدأ مِن صفحة 94 وينتهي في صفحة 122.. ذَكَر سبعين حديثاً.
  • بحارُ الأنوار موسوعةٌ حديثيّةٌ معروفة غنيّةٌ عن التعريف.. هناك مصادر أخرى، لكنّني أجدُ أنَّ أهمَّ مصادر الحديث المعصوم في كُتُبنا هي هذهِ المصادر.
  • — الأحاديثُ التي اعتمدها العُلماء والمراجع والمُفسّرون والمُفكّرون التي مرّتْ الإشارةُ إلى أسمائهم وإلى أقوالهم وآرائهم، الرواياتُ التي اعتمدوها موجودةٌ في هذهِ المصادر.. ومِثلما أشرتُ قبل قليل فإنَّ هذهِ الروايات تجعلُ عِلْم مُحمّدٍ وآل محمّد عِلْماً منقوصاً مُنتقصاً.. وهذا يُخالفُ بديهيّات منطقِ القُرآن ومنطقِ العترة الطاهرة.
  • — هُناك مُشكلةٌ موجودةٌ بين عُلمائنا.. المُشكلةُ واضحةٌ جدّاً.. قد يُنكرها البعضُ لو سمِعَها مِنّي لأنّني أنا قُلتُها مِن جهةٍ، ومِن جهةٍ ثانيةٍ بسبب الصنميّة التي تُسيطرُ على العقل الجمعي الشيعي.
  • هُناك قضيّةٌ واضحةٌ جدّاً يعرفُها طُلّابُ العِلْم وهي: أنَّ الرواياتِ التي فيها شيءٌ مِن الانتقاصِ والتقليل مِن شأن مُحمّدٍ وآل مُحمّد لا تُثارُ عليها الإشكالاتُ لا في الأسانيدِ ولا في المُتونِ مِن قِبَل مراجع الشيعة الكبار.. الإشكالاتُ تُثارُ على الأسانيد وعلى المتون اذا كانتْ الرواياتُ والأحاديثُ تتحدّثُ عن مقاماتهم العاليةِ القُدسيّةِ الغَيبيّة.. هذهِ القضيّةُ واضحةٌ وضوحَ الشمس – على الأقل بالنسبة لي –
  • فالذي يُقال عنهُ مُحقّق مُدقّق.. هُجومهُ دائماً على أسانيد ومُتون الأحاديث والروايات التي تدورُ مضامينُها حولَ مقاماتهم وشُؤونهم الغَيبية.. أمَّا إذا كانتْ هُناك روايات فيها انتقاصٌ منهم ولكن ليس انتقاصاً واضحاً.. مِثل هذهِ الأحاديث التي بنى السيّد الخُوئي وسائرُ المراجع أبحاثهم وأفكارهم وآراءهم في البداء عليها.. مجموعة مِن الأحاديثِ والروايات تُظهِرُ لنا بشكل واضح أنَّ عِلْم مُحمّدٍ وآل مُحمّد عِلْم مُنتقص.. لأنَّ الروايات جاءتْ بهذا الّلسان أنَّ هُناك علمان: عِلْمٌ خاصٌّ باللهِ وهو العِلْم المُستأثر، وعِلْمٌ للأنبياء والملائكة وهو عِلْمُ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.
  • لكن هذا المنطق وهذا الّلسان يُخالفُ القُرآنَ ويُخالفُ بديهيّات ثقافةِ وفِكْر العترة الطاهرة.. ولِذا قول: أنَّ جميع الأقوالِ هذهِ وجميع الرؤى هذهِ وجميع الأفكارِ هذهِ بُنيتْ على مُعطياتٍ منقوصة.

  • مِن أُصولِ وقواعدِ آل مُحمّد في التعامل مع الأحاديث والروايات هذهِ القاعدةُ الواضحةُ جدّاً في كتاب [الكافي الشريف: ج1]
  • في باب الأخذ بالسُنّة وشواهد الكتاب – الحديث الثاني:
  • (عن ابن أبي يعفور: قال: سألتُهُ – أي الإمام الصادق – عن اختلاف الحديث يرويه مَن نثِقُ به ومنهم مَن لا نثقُ به، قال: إذا وردَ عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو مِن قول رسول اللّه، وإلّا فالذي جاءكم به أولى به)
  • الإمامُ لم ينظرْ إلى السَنَد ولم ينظرْ إلى أيّ شيءٍ وإنّما أرجعنا إلى قاعدةِ المعلومات التي تتألّفُ مِن آياتِ الكتاب الكريم وحديثِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • فما وافق القُرآن فخذوهُ وما خالفهُ فهو زُخرف.. هذا المضمون واضحٌ جدّاً في قواعدِ وأصولِ التعامل مع حديثِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد.
  • ● نحنُ إذا جئنا إلى هذهِ الأحاديث التي ذُكرتْ في [الكافي الشريف: ج1] أو في كتاب [التوحيد] للشيخ الصدوق، أو في كتاب [بحار الأنوار: ج4] هذهِ هي المصادر الأهمّ لرواياتِ وأحاديث البَداء.. إذا ما قرأناها فإنّنا سنجدُ جانباً منها يتحدّثُ بلسانٍ عن عِلْمِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد أنّهُ عِلْمٌ مُنتقص منقوص.. وقرأتُ عليكم مِثالاً الرواية التي ذَكَرها السيّد الخوئي في تفسيرهِ البيان، وعديدٌ مِن أمثالِ هذه الرواية.
  • بالنسبةِ لي لا أعتمدُ على هذهِ الأحاديث، لأنَّ هذهِ الأحاديث تتعارضُ مع الكتاب الكريم، ولِذا لا أعتمدُ عليها.. فحينما أُشكّلُ رؤيتي عن البَداء إنّني أُشكّلُ رؤيتي عن البَداء بعيداً عن هذهِ الأحاديث.. لأنَّ هذهِ الأحاديث تجعلُ عِلْم مُحمّدٍ وآل مُحمّد عِلْماً منقوصاً مُنتقصاً.. إنّني أعرضُ هذهِ الأحاديث على الكتاب الكريم.
  • ● في الآية الأخيرة مِن سورة الرعد: {ويقولُ الذين كفروا لستَ مُرسلاً قُلْ كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومَن عنده عِلْم الكتاب}
  • في بديهيّاتِ ثقافتنا الشيعيّة أنَّ الّذي عندهُ عِلْمُ الكتاب إنّهُ عليٌّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” ولا أُريدُ أن أُثبتَ هذا بالروايات.. فحتّى مِن دُون الروايات فإنَّ الذي يكونُ شهيداً لرسول الله وشهادتُهُ مُساويةٌ لِشهادة الله هو عليٌّ.. الآية تتحدّثُ نظريّاً وعمليّاً عن أنَّ عِلْم عليٍّ هو علم الله.. نظريّاً الآية تقول: {ومَن عنده عِلْم الكتاب} وعمليّاً جُعلتْ شهادتهُ مُساويةً لشهادة الله.. والشهودُ على موضوعٍ واحد عِلْمهم يكونُ واحداً مُتساوياً.
  • الحديثُ هُنا عن حقيقةٍ غيبيّة، عن أوسعِ حقيقةٍ.. إنّنا نتحدّثُ عن مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله” وعن رسالته، وهذهِ الرسالةُ ليستْ نصوص وليستْ ألفاظ فقط.. القضيّةُ كبيرةٌ جدّاً.
  • وبالمُناسبة الآية {يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثبتْ وعندهُ أُمّ الكتاب} هي من آيات سُورة الرعد أيضاً.. فالمحو والإثبات واقعٌ تحت سُلطةِ أُمّ الكتاب.
  • — فكُلُّ هذهِ الروايات التي جاءتْ في الكافي وفي التوحيد للشيخ الصدوق وفي البحار وفي غير هذهِ الكُتُب.. وعلى سبيل المِثال في كتابُ [بصائر الدرجات].. هذهِ الكُتُب وردتْ فيها أحاديث إنّها بلسان المُداراة والبيان التدريجي، فلا يُمكن أن تكونَ مُعطياتٍ أساسيّةٍ في البحثِ لموضوعٍ بهذا الحجم وبهذهِ السعةِ وهذه الأهميّة.. إنّهُ البداء القانونُ الأعلى والأوسع، فإذا أردنا أن ندرسَهُ لابُدّ أن ندرسَهُ عِبْر المعطياتِ الموائمةِ لهذه الحقيقة.. أمَّا أن نعتمدَ على مجموعةِ أحاديث تنتقصُ مِن عِلْمهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” فستكونُ النتائجُ منقوصةً.
  • فتلكم الروايات التي تحدّثتْ عن عِلْم خاصٍّ باللهِ لا يعلمهُ مُحمّدٌ وآل مُحمّد، وتَحدَّثتْ عن عِلْمٍ خاصٍّ بالملائكةِ والرُسُل هُم يعلمونه، وجعل الباحثون منها أساساً للتوغّل في موضوع البداء، هذهِ الرواياتُ معارضةٌ للكتاب الكريم.
  • فقولهِ تعالى: {قُلْ كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومَن عنده عِلْم الكتاب} الآيةُ تتحدّثُ عن عِلْمٍ جامعٍ كاملٍ مُطلَقٍ بحيث أنَّ شهادةَ عليٍّ مُساويةٌ لشهادةِ الله سُبحانه وتعالى.
  • ● في الآية 89 مِن سورة النحل قولهِ تعالى: {..ونزّلنا عليكَ الكتاب تبياناً لكلّ شيء..}
  • نحنُ لا نتحدّثُ هُنا عن المُصحف، المُصحفُ رموزٌ.. المصحفُ شِفْراتٌ ومفاتيح تُوصِل إلى ذلكَ الكتاب.. الحديثُ هُنا عن الكتاب المُحيط. {يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثبتْ وعندهُ أُمّ الكتاب}.. {قُلْ كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومَن عنده عِلْم الكتاب}.. {..ونزّلنا عليكَ الكتاب تبياناً لكلّ شيء..}
  • — وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في [تفسير البرهان: ج4] في صفحة 471:
  • (بسنده عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام” يقول: قد ولدني رسولُ الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” وأنا أعلمُ كتاب الله، وفيه بَدءُ الخلق وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وفيه خبرُ السماء وخبرُ الأرض، وخبرُ الجنّة وخبرُ النار، وخبرُ ما كان وخبرُ ما هو كائن، أعلم ذلك كما أنظرُ إلى كفّي، إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: فيه تبيانُ كلّ شيء).
  • الحديثُ ليس عن المُصحف، المُصحَفُ رُموز.. مثلما {ألم}هي رموزٌ جيء بها على سبيل المثال.. المُصحف مِن أوّلهِ إلى آخرهِ رموزٌ وشِفْرات، ولذِلكَ هذا الكتابُ بحاجةٍ إلى تراجمة.. هُم تراجمةُ الوحي، وهُم يُترجمونَ الوحي في عددٍ لا ينتهي مِن الآفاق.. فما جاءَ مِن تفسيرٍ وتأويلٍ عنهم هذا أُفُقٌ بِحَسبنا.. أ فليسَ القُرآنُ نزل على العبارةِ والإشارة والّلطائف والحقائق.. والحقائقُ لا حدَّ لها ولا حصْر.
  • — قوله: (وفيه بدءُ الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة) يعني يدخلُ فيه ما يشملُهُ البَداء وما لا يشملُهُ البَداء.. فكيف لا يكونُ ذلكَ جُزءاً مِن علمهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. وهذهِ الصيغةُ “وما هو كائن” تتحدّث عن الحاضر والمُستقبل، فصيغةُ الفاعل هي صِيغةُ الفعل المُضارع.. فإنَّ “كائن” معناها في العربيّةِ: يكون، والفعلُ المُضارع يتحدّثُ عن حاضر الأمر وعن مُستقبله.. وقولهِ: (أعلم ذلك كما أنظرُ إلى كفّي) إنّهُ علمُ إحاطة.
  • — في صفحة 472 رواية أخرى وهي منقولةٌ عن كتاب [بصائر الدرجات]:
  • (عن عبد الله بن الوليد السمّان، قال: قال لي أبو جعفر “الباقر عليه السلام”: يا عبد الله، ما تقولُ الشيعة في عليٍّ وموسى وعيسى؟ قال: قلتُ: جُعلتُ فداك، وعن أيّ حالات تسألني؟ قال: أسألكَ عن العِلْم. قلت: يقولون: إنَّ موسى وعيسى أفضل من أمير المؤمنين. قال: هو – والله – أعلمُ منهما، أ ليس يقولون: إنَّ لعليٍّ ما لرسول الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” من العلم؟ قال: قلت: بلى. قال: فخاصمهم فيه، إنَّ الله تبارك وتعالى قال لموسى: {وكتبنا لهُ في الألواح من كلّ شيء} فأعلَمَنا أنّهُ لم يُبيّن لهُ الأمر كلّه، وقال الله تبارك وتعالى لمُحمَّدٍ “صلّى الله عليه وآله”: {وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزّلنا عليكَ الكتاب تبياناً لكلّ شيء}).
  • فهذهِ الرواياتُ التي اعتمد عليها الأعلام الذين تقدّم ذكرهم مُعارضةٌ لمنطق الكتاب الكريم بتأويل آل مُحمّد.. وحتّى مِن دُون الرجوع إلى هذه الأحاديث المُأوّلةِ والمُفسّرة والشارحةِ لآياتِ الكتاب الكريم.. فإنّنا إذا ذهبنا إلى الآية 12 مِن سُورة يس قولهِ تعالى: {.. وكُلّ شيءٍ أحصيناهُ في إمامٍ مُبين}
  • أحاديثُ العترة الطاهرة واضحةٌ جدّاً في أنَّ الإمامَ المُبين عليٌّ وآل علي “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. عليٌ هو الإمام المُبين.. إنّهُ الحجّةُ بن الحسن العسكري، وهذا الموضوع يأخذنا إلى سُورة القدر.. قولهِ تعالى: {تنزّل الملائكةُ والروح فيها بإذن ربّهم من كُلّ أمر..} وما يُتنزّلُ في ليلةِ القدر إنّهُ تقديرٌ مِن السنةِ إلى السنة، وفيهِ ما هو الذي يجري عليه حُكْم البَداء وفيه ما هو الذي لا يجري عليه حُكْم البَداء.
  • فقولهِ تعالى: الآيةُ واضحةٌ لا تحتاجُ إلى شرحٍ أو إلى بيانٍ.. فهذهِ الرواياتُ التي اعتمدَ عليها مراجعنا ومُفكّرونا ومُفسّرونا تتعارضُ مع منطق الكتاب الكريم بشكلٍ واضح، ومِن هُنا فإنّني وضعتُها جانباً، ووجدتُ أنَّ ما توصَّل إليهِ هؤلاء الأعلام هو شيءٌ في حاشية البحث لا علاقةَ لهُ بجوهر الموضوع مِن أوّلهم إلى آخرهم لأنّهم لم يعودوا إلى الأصول الواضحةِ التي وضعها لنا أئمتُنا في التعامل مع حديثِ العترة الطاهرة وفي فَهْم الكتاب وحديث المعصومين.
  • ● في سورة الجنّ الآية 26 و27 قولِه تعالى: {عالمُ الغيب فلا يُظهرُ على غَيبهِ أحداً * إلّا مَن ارتضى مِن رسول..}
  • وكلماتُ نبيّنا وكلماتُ أئمتنا تُبيّن أنَّ المُراد مِن قولهِ تعالى: {إلّا مَن ارتضى مِن رسول} هو نبيّنا “صلّى اللهُ عليه وآله” وآله الأطهار.
  • الآيةُ الوحيدةُ في القرآن التي نسبتْ الغَيب إلى الله، إنّهُ الغَيبُ الخاصّ بالله، لا يُظهِرُ عليه إلّا مُحمّداً وآل مُحمّد.. وإلّا فالكتابُ الكريم مِن أوّلهِ إلى آخره تُردّد فيه غيبُ السماواتِ والأرض، تردّد فيهِ عُنوان “الغُيوب” علّام الغيوب، تردّد فيه “الغائبةُ مِن شأن السماواتِ والأرض”، تردّد فيه عِلْم الغَيب، أنباءُ الغَيب.. كُلُّ التفاصيل المُحتملة وردتْ في آياتِ الكتاب الكريم في ذِكْر الغَيب.
  • الآيةُ الوحيدةُ التي تحدّثتْ عن غَيبٍ خاص وهو غيبُ الله هي قولهِ تعالى: {عالمُ الغيب فلا يُظهرُ على غَيبهِ أحداً * إلّا مَن ارتضى مِن رسول…}
  • هذا الغيبُ بحَسَب هذهِ الإضافة، وبحَسَب هذا التخصيص، وبحَسَب السياق، وبحَسَب تفرّدهِ في التعبير عن كُلّ التعابير عن الغَيب في القرآن مِن أوّلهِ إلى آخره يُنبئُنا عن غيب الغُيوب، إنّهُ الغَيب الخاصُّ به سُبحانه وتعالى.. يُظهرهم عليه. (“ومَن عندهُ عِلْمُ الكتاب”، “وكُلّ شيءٍ أحصيناهُ في إمامٍ مُبين”) هؤلاء هُم مُحمّدٌ وآل مُحمّد.
  • الرواياتُ التي اعتمدَ عليها عُلماؤنا ومراجعنا ومُفكّرونا تتعارضُ مع منطق القرآن.. أنا لا أُنكِرُ صُدورها عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” لكنّها جاءتْ بلسانِ التقيّة في بعض الأحيان، وبلسان المُدارة والبيانِ التدريجي في أحيانٍ أُخرى.. جمعوها واستنتجوا منها ما استنتجوا ولِذلك كانتْ الاستنتاجاتُ مُرتبكةً.
  • — الخلاصة بعد هذا العرض الموجز وبعد هذا الفحص الواضح حين عرضنا هذهِ الأحاديث على قاعدةِ المعلومات في الجزء الأوّل منها وهو: “آيات الكتاب” وبعد ذلكَ نعرضُها على المعاني الواضحة والصريحةِ والبيّنة في دستورنا الشيعي في الزيارة الجامعةِ الكبيرة وفي سائر النُصوص الأخرى التي نعتقدُ بصحّتها وصدورها عنهم “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم”.
  • — قاعدة عرض الحديث هي:
  • أنّنا نعرضُ الحديثَ على الكتاب الكريم وعلى الثابتِ مِن حديث مُحمّدٍ وآل مُحمّد.

  • وقفة نعرضُ فيها الروايات السابقة التي اعتمدَ عليها عُلماؤنا ومراجعنا ومُفكّرونا – والتي تتعارضُ مع منطق القرآن – نعرضُها الآن على مضامين الزيارة الجامعة الكبيرة.

  • في الزيارة الجامعة الكبيرة إذا قرأنا ونَحنُ نُسلّم عليهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” هذهِ العبارة: (وخُزّان العلم) كلمةُ عِلْم جاءتْ معرّفةً بالألف والّلام.. إنْ أُريد بالألف والّلام الحقيقيّة فهُم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” خزّانُ العِلْم الحقيقي، إنّه العلم الإلهي.
  • ● نحنُ نبدأ الزيارة الجامعة الكبيرة بالتكبير، وكلمة “اللهُ أكبر” تعني أنّه أكبرُ مِن الوصف، وهؤلاء وجهه، والزيارةُ صرّحتْ أيضاً أنّهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” أكبرُ مِن الوصف.. ونحنُ نقرأ في نفس الزيارة الجامعة الكبيرة: (مَن أرادَ اللهَ بدأ بكم، ومَن وحّدهُ قبل عنكم، ومَن قصدهُ توجّه إليكم، مواليَّ لا أُحصي ثناءَكم، ولا أبلغُ مِن المدح كُنهَكم، ومِن الوصْف قدْركم…) وفي مقطعٍ آخر نقرأ: (بأبي أنتم وأُمّي ونفسي كيف أصفُ حُسنَ ثنائكم وأُحصي جميلَ بلائكم..)
  • العبارات واضحة جدّاً.. فكما أنَّ الله أكبر مِن أن يُوصف، فهم أيضاً كذلك، لأنّهم وجهه.
  • وإنْ كانتْ الألف والّلام في كلمة (وخُزّان العلم) هي ألف ولام الإستيعاب، فهو استيعابٌ لكلّ العلم الإلهي.. وإنْ كانتْ ألف ولام العهد (سواء العهد الذهني أو العهد الذكري) فإنَّ ما ذُكِرَ من المعاني السابقة والّلاحقة ومن المعهود في الأذهان إنّه العلم الإلهي ولا يُوجد شيء آخر.. والعبارة التي بعدها هي قرينةٌ واضحة، حين تقول الزيارة: (ومُنتهى الحِلْم) فالعِلْم والحِلْم في الأجواء الإلهيّة يسيرانِ معاً.. والعِلْم بقدْر الحِلْم والحِلْمُ بقدْر العِلْم.. كما نقرأ في دعاء الافتتاح: (الحمدُ لله على حلْمهِ بعد علمه، والحمدُ لله على عفوه بعد قدرته).
  • فحِلْمهُ مُساوٍ لعِلْمه.. فلا يُمكن أن يكونَ عفوهُ دُون قُدرته، ولا يُمكن أن يكونَ حِلْمهُ دُون عِلْمه.. فالحِلْم والعِلْم يسيرانِ معاً، يكونانِ معاً بالتطابقِ والتوافقِ والاتّساق.. والعباراتُ هذهِ قاصرةٌ، ولكنّني ماذا أصنع هذهِ هي الّلغة..!
  • المضمون هو هو في الذي جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: (وخُزّان العِلْم) إذاً العِلْم في مُنتهاه كما أنَّ الحِلْم في مُنتهاه.
  • فهذهِ الرواياتُ التي تتحدّثُ عن عِلْمٍ مُنتقصٍ عند مُحمّدٍ وآل محمّد لا تنسجمُ مضامينها مع مضامين الزيارة الجامعة الكبيرة.
  • ● وحينما نأتي ونقرأ أيضاً في بداياتِ الزيارة الجامعة الكبيرة: (والمَثَل الأعلى) المثلُ الأعلى للهِ سُبحانهُ وتعالى هُم مُحمّدٌ وآلُ محمّد، ولذلكَ حين خَلَقَهم جَعَلَهم في ظلّهِ تعالى كما نقرأ في دُعاء ليلة المبعث ويوم المبعث: (وبإسمكَ الأعظم الأعظم الأعظم الأعزّ الأجلّ الأكرم الذي خلقتَهُ فاستقرَّ في ظِلّكَ فلا يخرجُ مِنكَ إلى غيرك..)
  • هم المَثَل الأعلى لله سُبحانه وتعالى في كُلّ شيء، والعنوان الأوّل: العِلْم.. عِلْمهم هُو العِلْم الأعلى.
  • ● أيضاً حين نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: (وحَفَظة سرّ الله..) هُناك أسرارُ الوجود تعرفُها الملائكة كُلٌّ بِحَسَب اختصاصهِ، وهُناك أسرارٌ للشرائع والديانات يعرفها الأنبياء كُلٌّ بِحَسَبهِ.. أمَّا سِرّ الله فلا يُطلعُ عليه إلّا الحبيب.. فالحبيبُ هو عيبةُ السرّ، والحبيبُ هو مُحمّدٌ وآل مُحمّد كما نقرأ في زيارة آل ياسين: (وأنَّ مُحمّداً عبده ورسوله لا حبيبَ إلّا هو وأهله..)
  • سرُّ الله عندهم فقط “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” فكيف تنسجمُ هذهِ المضامين التي تتحدّثُ عن عِلْمٍ مُنتقصٍ عند مُحمّدٍ وآل محمّد مع هذا المنطق..؟!
  • ولِذا فإنّني قُمتُ بوضع هذهِ الأحاديث وهذهِ الروايات على جنب، ومِن هُنا ستختلفُ المُعطياتُ حينئذٍ التي أبني عليها رؤيتي في حقيقة البداء وإنْ كانتْ مجزوءةً بِحَسَب المُعطياتِ المحدودة التي بين يدي، لكنّها ستختلفُ كثيراً عن الرؤى والآراء التي طُرحتْ لأنّها اعتمدتْ على أحاديث لا يصحُّ أن يُعتمَد عليها في استنتاج الفكرة ورسم الصورة، لأنّها تنتقصُ مِن عِلْم مُحمّدٍ وآل مُحمّد.
  • ● وإذا قرأنا في الزيارة الجامعة الكبيرة: (والمُظهرين لأمْر اللهِ ونهيه) كيف يكونون مُظهرين لأمر الله ونهيه وليس عندهم الإحاطةُ الكاملة بكلّ العلم الإلهي..؟! علماً أنَّ الحديث هُنا ليس عن الشرائع الدينيّة وليس عن الشرائع والأحكام.. (إيابُ الخلق إليكم وحسابهم عليكم) الخَلْق كلُّ الخَلْق مِن أوّلهِ إلى آخره.. مَصائرُ الخَلْق إليكم في كلّ طبقةٍ مِن طبقاتِ الوجود.
  • هو في الحقيقةِ كلُّ هذهِ الأوصاف واضحةٌ فيما أقول، ولكنّي أأخذُ منها ما هو جليٌّ جدّاً للمُتلقّي وللذي يُتابعني في هذا البرنامج.
  • هُم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” عَيبةُ علم الله، والعَيبةُ: الوعاء، الصُندوق، الحافظةُ، المخزنُ، الذي تُحفَظ فيه أثمنُ الجواهر.
  • ● حين تقول الزيارة الجامعة الكبيرة: (وحفظةً لسرّه، وخزنةً لعلمهِ، ومُستودعاً لحكمتهِ، وتراجمةً لوحيه، وأركاناً لتوحيدهِ…) هؤلاء هُم أركان التوحيد، فكيف تكونُ هذه الأركان مهزوزةً بنقصِ عِلْمها؟! إنّها الأركانُ الثابتة بتمام العِلْم وبكلّ الحقائق.
  • هذهِ المعاني كيف تستقيمُ والعِلْم مُنتقَص؟! إنّهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” أصحابُ الإحاطة الكاملة.
  • ● وحين نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: (وأمرهُ إليكم) كيف أتصوّرُ هذا المعنى مع علْمٍ مُنتقَصٌ؟! هذا الأمر الذي هو فيما وراء الخَلْق (ألا لهُ الخَلْق والأمر).
  • ● وحين نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة (فجعلكم بعرشهِ مُحدقين) لكم الإحاطةُ والإحداق الكامل بالعرش الذي فيه كُلُّ شيء.. (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم) كيف أتصوّر أنَّ كُلَّ شيءٍ يذلُّ لهم وعلمهم مُنتقصٌ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • ● في دُعاء الندبة الشريف نقرأ في أوائله هذه العبرات:
  • (إلى أن انتهيت بالأمر إلى حبيبك ونجيبك محمّد “صلّى الله عليه وآله” فكان كما انتجبته سيّد مَن خلقته، وصفوة مَن اصطفيته، وأفضل مَن اجتبيته، وأكرمَ من اعتمدته، قدّمته على أنبيائكَ، وبعثته إلى الثقلين مِن عبادك، وأوطأتَهُ مشارقكَ ومغاربك، وسخّرتَ لهُ البراق، وعرجتَ بروحه إلى سمائك، وأودعتَهُ علم ما كان وما يكون إلى انقضاء خلقك – بحَسَب مشيئتك وإلّا فالخَلْق لا ينقضي -).
  • الدعاء بدأ بذكر الحبيب لأنَّ الحبيب سيكونُ مُطّلعاً على كُلّ الأمر.. وحين يقول الدعاء: (وعرجتَ بروحه إلى سمائك) يعني عرجتَ بكلّه، بروحهِ وجسده.
  • ● نقرأ في زيارة الحُسين المُطلقة الأولى وهي من أوثق الزيارات، نقرأ فيها: (إرادةُ الربّ في مقادير أُموره تهبطُ إليكم وتصدرُ مِن بيوتكم والصادرُ عمَّا فُصّل مِن أحكام العباد..)
  • وهو نفس المعنى الذي جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة حين تقول: (إيابُ الخلق إليكم وحسابهم عليكم وفصْلُ الخطاب عندكم)

  • وقفة عند روايةٍ جميلة في كتاب [بصائر الدرجات] الباب 14 الحديث (3) وهي لقطةٌ عبارةٌ نشمّ منها عَبَقاً من إمامنا صادق العترة “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”.

  • (عن أبي بصير: قال: دخلتُ على أبي عبد الله “عليه السلام” فقلتُ لهُ: إنّي أسألكَ جُعلتُ فداك عن مسألة ليس ههنا أحد يسمع كلامي؟ فرفع أبو عبد الله “عليه السلام” ستراً بيني وبينَ بيتٍ آخر- أي غرفة ثانية – فاطّلعَ فيه ثمَّ قال: يا أبا مُحمَّد سلْ عمّا بدا لكَ، قال: قلتُ جعلتُ فداك.. إنَّ الشيعة يتحدّثون أنَّ رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” علّم عليّاً باباً يفتح منه ألف باب، قال: فقال أبو عبد الله “عليه السلام”: يا أبا مُحمّد علَّم والله رسول الله عليَّاً ألفَ بابٍ يُفتح لهُ مِن كلّ بابٍ ألف باب، قال: قلتُ له واللهِ هذا لَعِلم، فنكت ساعةً في الأرض – أي مقدار من الوقت – ثمَّ قال: إنّه لَعِلم وما هُو بذلك، ثمَّ قال: يا أبا مُحمّد وإنَّ عندنا الجامعة وما يُدريهم ما الجامعة، قال: قلتُ: جعلتُ فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفةٌ طُولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” وإملاءٌ مِن فَلَقِ فيه وخطّ عليٍّ بيمينه، فيها كلُّ حلالٍ وحرام وكلُّ شيءٍ يحتاجُ الناس إليه حتّى الأرش في الخدش – أي الديّة في الخدش الصغير – وضرب بيده إليَّ ، فقال: تأذن لي يا أبا مُحمّد؟ قال: قلتُ: جعلتُ فداك.. إنّما أنا لكَ اصنع ما شئتَ، قال: فغمزني بيدهِ – ضغطني بيده – فقال حتّى أرش هذا كأنّهُ مُغضب، قال: قلتُ: جُعلتُ فداك هذا واللهِ العِلْم، قال إنّهُ لَعِلم وليسَ بذلكَ، ثُمَّ سكتَ ساعةً، قال: إنَّ عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ مسكُ شاة – أي جلد شاة – أو جلد بعير ، قال: قُلتُ: جُعلتُ فداك، ما الجفر ؟ قال: وعاءٌ أحمر أو آدم أحمر – أي جلد أحمر – فيه علم النبيّين والوصيّين، قُلتُ: هذا واللهِ هو العِلْم، قال: إنّه لَعِلم وما هو بذلكَ، ثمَّ سكت ساعةً ثمَّ قال: وإنَّ عندنا لمصحف فاطمة، وما يُدريهم ما مُصحف فاطمة، قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله ما فيه مِن قرآنكم حرفٌ واحد، إنّما هو شيءٌ أملاها الله وأوحى إليها، قال: قلتُ: هذا والله هو العلم، قال: إنّهُ لعلمٌ وليس بذاك، قال: ثمَّ سكتَ ساعةً ثمَّ قال: إنَّ عندنا لعلمُ ما كان وما هو كائنٌ إلى أن تقوم الساعة، قال: قلتُ: جعلتُ فداك هذا واللهِ هو العِلْم، قال: إنّهُ لَعِلم وما هُو بذاك، قال: قلتُ: جُعلتُ فداك فأيُّ شيءٍ هو العِلْم؟ قال: ما يَحدثُ بالّليل والنهار الأمرُ بعد الأمر والشيءُ بعد الشيء إلى يوم القيامة).
  • هذهِ صورةٌ جزئيّةٌ لا قيمة لها بالمُقايسة إلى ما جاء عن حديثٍ عن علمهم في الزيارة الجامعة الكبيرة.. ودُعاء شهر رجب الوارد عن إمام زماننا يختصرُ الطريق عليَّ وعليكم حين يقول إمامُ زماننا: (لا فرقَ بينكَ وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك..).

تحقَق أيضاً

الحلقة ٣٥ والأخيرة – بين منهجين، منهج رجل الدين الإنسان ومنهج رجل الدين الحمار ج٧

وصل المطافُ بنا إلى السُؤال الأخير، وهذا هو الجُزء السابع وهُو الجُزء الأخيرُ أيضاً مِن أج…