قتلوك يا فاطمة – الحلقة ١٣ – قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 28 ربيع الثاني 1440هـ الموافق 5 / 1 / 2019م

  • هذا هو الجزءُ الثالث من إجابتي على الأسئلةِ التي يدورُ مضمونها حول البداء.. تقدّم الجزء الأوّل والثاني في هذا الخُصوص، وهذا هُو الجزء الثالث.

  • مِن أهمّ المطالب التي تحدّثتُ عنها في الجزئين السابقين:
  • أولاً: عرضٌ للعديد مِن آراء مراجعنا وعُلمائنا منذ بدايات عصْر الغَيبة الكبرى وإلى يومنا هذا.
  • ثانياً: في طوايا حديثي بيّنتُ أنَّ الآراء التي ذكرتها والرُؤى والمقاربات كانتْ في حاشية الموضوع، وقد أشرتُ إلى أنّهم اعتمدوا على مجموعةٍ من الأحاديث تتعارضُ مع منطق الكتاب وحديث العترة، ومِن هُنا جاءتْ رُؤاهم منتقصةً لأنّهم اعتمدوا على مُعطياتٍ تنتقصُ مِن عِلْم مُحمّدٍ وآل مُحمّد وإن كانتْ الأحاديث جاءتنا عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” بحَسَب مصادرنا.. إلّا أنّنا بحَسَب قاعدة العَرْض على الكتاب وعلى الثابت مِن أحاديث العترة الطاهرة فإنَّ تلكَ الأحاديث لا يصحُّ الاعتمادُ عليها لأنّها جاءتْ في سياق المُدارة، أو في سياق البيان التدريجي وربّما في سياق التقيّة أيضاً.
  • هناك بعضُ الأحاديثِ وردتْ في سياق التقيّة وفي أجواء المُحاجاتِ والنقاشاتِ الإقناعيّة مثلما جرى مع إمامنا الرضا في مجالس “المأمون العبّاسي”.
  • ● وقضيةٌ ستبقى تُلاحقنا إلى آخر حلقةٍ مِن هذهِ الحلقاتِ التي يتمّ فيها الحديث عن قانون البداء، وهي:
  • “قلّةُ المُعطيات”.. فما بأيدينا مِن المُعطياتِ لا يجعلُنا نتسامى إلى معرفةِ الحقيقة ولو مِن بعيد، ولو في مُستوى أن ندورَ في فَلَكها.. فكُلُّ حديثي هو مُقاربةٌ.
  • مثلما وصفتُ آراء العلماء والمراجع والمُفسّرين والمُفكّرين أنّها مُقاربات ورُؤى في حاشية الموضوع، فبالنسبة لي أيضاً ما أطرحهُ لن يكون في عُمقهِ وسعته أكثر مِن ذلك.. إنّه حديثٌ في الحواشي، كلّما حاولتُ أن أقترب فإنّني أفتقد للمعطيات.

  • وقفة عند روايةٍ عن سيّد الأوصياء في كتاب [التوحيد] للشيخ الصدوق

  • في صفحة 372 – بابُ القضاء والقدر والفتنة والأرزاقِ والأسعار والآجال – الحديث (32)
  • (عن الأصبغ بن نباتة ، قال: قال أميرُ المؤمنين “صلواتُ الله وسلامهُ عليه” في القدر: ألا إنَّ القَدَر سرٌّ مِن سرّ الله، وسترٌ مِن ستر الله، وحِرزٌ من حِرز الله مرفوعٌ في حجاب الله، مطويٌّ عن خَلْق الله، مختومٌ بخاتم الله – في خزانة أسراره، وخزانة أسراره محمّد وآل محمّد – سابقٌ في عِلْم الله، وضعَ اللهُ العباد عن علمهِ – وضعهم عن علم هذا السرّ – ورفعهُ فوقَ شهاداتهم ومبْلغِ عُقولهم لأنّهم لا ينالونهُ بحقيقة الربانيّة، ولا بقدرة الصمدانيّة ولا بعظمة النورانيّة ولا بعزّة الوحدانيّة ، لأنّه بحرٌ زاخرٌ خالصٌ لله تعالى، عُمقهُ ما بين السماء والأرض، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسودُ كالّليل الدامس – الشديد الظلمة – كثيرُ الحيّات والحِيتان، يعلو مرّةً ويسفلُ أُخرى، في قعره شمسٌ تُضيء، لا ينبغي أن يطّلع إليها إلّا الله الواحد الفرد ، فمَن تطلّع إليها فقد ضادّ الله عزَّ وجلَّ في حُكمه ونازعَهُ في سُلطانه ، وكشفَ عن سترهِ وسرّه ، وباء بغضبٍ مِن الله ومأواهُ جهنّم وبئس المصير).
  • هذهِ العناوينُ: (المشيئةٌ، الإرادةُ، القضاءُ، القَدَرُ، الإمضاء، الأجلُ، الكتابُ…) هذهِ العناوين إذا ما ذهبنا إلى مجموعةِ الأحاديثِ التي بين أيدينا حول موضوع البداء – وهناك أحاديثُ تدورُ في فَلَك الموضوع كأحاديثِ القضاء والقَدَر – فإنّنا سنجدُ ترابطاً واضحاً بين هذه العناوين وبين هذا العنوان: “البَداء”.
  • ● قولهِ: (ألا إنَّ القَدَر سرٌّ مِن سرّ الله، وسترٌ مِن ستر الله، وحِرزٌ من حِرز الله…) الأئمةُ حين يتحدّثون بهذهِ الطريقة يُريدون أن يقولوا لنا أنَّ الّلغة عاجزة، ولِذا يحشدون هذهِ العناوين التي تتقاربُ في المعنى.. إنّهم يُشيرون إلى هذهِ القضيّة أنَّ الّلغة عاجزةٌ، ولكن هذا هو الذي يتوفّرُ بين أيدينا بِحَسَب الّلغة وبِحَسَب المُخاطَب.
  • ● قولهِ: (مطويٌّ عن خَلْق الله) مُحمّدٌ وآل مُحمَّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” هُم الخَلْق الأوّل، والحديثُ هُنا عن الخَلْق الثاني، لأنَّ الخَلْق الثاني صَدَر مِن فيض الخَلْق الأوّل.. فكُلُّ الحديثِ عن البداء إنْ كان في عالمِ الطبيعة وفي عالم التُراب أو عن البَداءِ في العوالم العُلويّة بما يُناسبها.. إنهُ حديثٌ عن الخَلْق الثاني، أمَّا الخَلْق الأوّل فهو محمّدٌ وآل مُحمّد، ومِن أنوار حقائقهم القُدسيّة الأولى صَدَر الكون “خلقكم اللهُ أنواراً فجعلكم بعرشهِ مُحدقين” كما تُحدّثنا الزيارة الجامعة الكبيرة.. إنّهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” الخَلْقُ الأوّل وما دُونَهُ الخلق الثاني.
  • وحين يقول سيّد الأوصياء: (مطويٌّ عن خَلْق الله) أي مطويٌّ عن الخَلْق الثاني الذي صَدَر فيضهُ مِن الخَلْق الأوّل.
  • الخَلْق الأوّل هو الذي عبَّر عنهُ إمامُ زماننا في دعاء شهر رجب: (لا فَرْقَ بينك وبينها إلّا أنّهم عبادُكَ وخلقك..) فالخَلْقُ الأوّل شأنهُ شأنُ الله سُبحانه وتعالى.. أمَّا الخَلْقُ الثاني بكلّ المراتب “العرش وما دُونهُ وحتّى ما بعد العرش..” فهو مِن فيض الخَلْق الأوّل.
  • ● قولهِ: (ورفعهُ فوقَ شهاداتهم ومبْلغِ عُقولهم لأنّهم لا ينالونهُ بحقيقة الربانيّة….) الحديثُ هُنا عن سيّد الأوصياء يتناولُ المراتب العالية مِن عُظماء الملائكة ومن عُظماء الأنبياء والرُسُل.. وقوله: (بحقيقة الربانيّة، ولا بقدرة الصمدانيّة ولا بعظمة النورانيّة ولا بعزّة الوحدانية) هذهِ المراتبُ التي يصِلُ إليها عُظماء الملائكة وعُظماء الأنبياء والرُسُل.. وبرغم كُلّ هذه المنازل العالية إلّا أنّهم في مرتبةٍ وضيعةٍ بالنسبةِ لِمنزلةِ تلكَ الأسرار التي أُودعتْ في الخُزانةِ الإلهيّة.
  • ● قولهِ: (لأنّه بحرٌ زاخرٌ خالصٌ لله تعالى، عُمقهُ ما بين السماء والأرض…) هو مثالٌ مِن بحار الأرض لتقريب الصورة.. والأمثلةُ تُقرّب من جهةٍ وتُبعّدُ من جهات.
  • ● قولهِ: (في قعره شمسٌ تُضيء، لا ينبغي أن يطّلع إليها إلّا الله الواحد الفرد…) الجزءُ الأخير مِن كلام أمير المؤمنين هُو بمثابة تحذيرٍ للذين يتحدّثون في موضوعاتٍ دقيقةٍ لابُدَّ أن يتحرّكوا بشكلٍ سليم.. كما يقول سيّد الأوصياء لكُميل: (يا كُميل ما مِن حركةٍ إلّا وأنتَ مُحتاجٌ فيها إلى معرفة) والمعرفةُ منهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • الروايةُ التي قرأتُها عليكم قبل قليل واضحةٌ جدّاً وهي تتحدّث عن أسرار القَدَر.. القَدَر، القضاءُ.. هذهِ العناوينُ مع المشيئةِ والإرادةِ والأجلِ والكتابِ.. هذهِ العناوينُ التي هي الأُخرى مِن العناوين المُتحرّكة في ثقافة العترة الطاهرة.. وسأشيرُ إلى هذهِ القضيّة “المُصطلح المُتحرّك أو العنوان المتحرّك”.

  • إذا ما دقّقنا النظر في أحاديثِ العترةِ الطاهرة فإنّهم في بعض الأحيان يستعملون القضاءَ بمعنى القَدَر، وفي بعض الأحيان يستعملون القَدَر بمعنى القضاء.. وهذا الحالُ يجري في سائر المُصطلحات الأخرى.. هُناك مصطلحاتٌ متحرّكة والسببُ في ذلك واضحٌ جدّاً: الّلغةُ محدودةٌ وهذهِ المعاني معاني واسعة جدّاً.. الّلغةُ مِن عالم التراب، مِن عالمِ الطبيعةِ ومِن عالم الشهادة، بل مِن عالمنا الدنيوي المحدود والمحدود جداً.. بينما هذهِ الحقائقُ التي نُشيرُ إليها بهذهِ الألفاظ عميقةٌ جدّاً، واسعةٌ جدّاً، غيبيّةٌ جدّاً.. بعيدةٌ عن منطقنا الترابي وعن ذوقنا المحسوس الأرضي، ولذا فإنَّ أحد السُبُل لتقريب هذهِ المضامين هو استعمالُ المُصطلح المُتحرّك.
  • ● أنا هُنا لا أُريد أن أخوضَ كثيراً في هذهِ القضيّة، لكنّني حين قرأتُ الرواية عن أمير المؤمنين عن أسرار القَدَر أردتُ أن أُؤكد لكم ما قلتهُ في الحلقتين المُتقدّمتين وهُو أنّنا لا نُحيطُ بأسرار موضوع البَداء، إنّما نقوم بمُحاولةٍ ومُقاربةٍ لرسم صُورةٍ عن هذا الموضوع بقدْر ما نتمكّن بالّلجوءِ إلى المعطياتِ التي وصلتنا عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • جولةٍ بين آياتِ الكتاب كي أبحثَ عن الخُطوط العامّة لموضوع البَداء في آياتِ القرآن.

  • ● أبدأ مِن الآية 64 بعد البسملة مِن سورة المائدة: {وقالتْ اليهودُ يدُ الله مغلولة غُلّتْ أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداهُ مبسوطتان يُنفقُ كيف يشاء}.
  • المُراد مِن قولهم: {يدُ الله مغلولة} أي: أنّه خَلَق الخَلْق وليس هُناك مِن تغيّرٍ في أحوالِ الخَلْق، ليس هُناك مِن بَداء.. فأجابهم القرآن: {غُلّتْ أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداهُ مبسوطتان يُنفقُ كيف يشاء} وهو تعبيرٌ جميلٌ جدّاً.
  • الآيةُ خطيرةٌ جدّاً، إنّها تلعنُ الذين لا يعتقدونَ بالبداء.. وحين تقول الآية: {بل يداهُ مبسوطتان} مُحمّدٌ وعليٌّ.. الحقيقةُ المُحمّديّةُ العلويّة.. كما نُخاطِبُ سيّد الأوصياء في زيارتهِ المُطلقة السادسة، نقرأ فيها: (السلامُ عليك يا عين الله الناظرة، ويده الباسطة) اليدُ الباسطة هُنا تتجلّى بصورةٍ واضحةٍ جدّاً.. معاني ما أفاضَ اللهُ سُبحانهُ وتعالى على الحقيقةِ المُحمّديّة العَلَويّة بعد أن خَلقها.
  • ● في سُورة الرعد الآية 38 – 39: {ولقد أرسلنا رُسُلاً مِن قبلكَ وجعلنا لهم أزواجاً وذُريّة وما كان لرسولٍ أن يأتي بآيةٍ إلّا بإذن الله لكلّ أجلٍ كتاب * يمحو الله ما يشاءُ ويثبت وعندهُ أم الكتاب}.
  • الآيةُ واضحةٌ وصريحةٌ جدّاً في موضوع البَداء ولا أحتاجُ إلى تعليقٍ أو شرْحٍ أو تفسير.. وسأعودُ إلى هذا العنوان “أُمّ الكتاب” فهذا العُنوان عُنوانٌ أساسيٌّ فيما يرتبطُ بِفَهْمنا لحقيقةِ البَداء.
  • ● الآية 106 مِن سورة البقرة: {ما ننسخُ مِن آيةٍ أو نُنْسها نأتِ بخيرٍ منها أو مِثلها ألم تعلم أنَّ الله على كلَّ شيءٍ قدير}.
  • هذهِ قراءةُ المُصحف.. أمَّا في قراءة العترة الطاهرة فتُقرأ هكذا: {ما ننسخُ مِن آيةٍ أو نُنْسها نأتِ بخيرٍ منها مِثلها} علماً أنّنا أُمرنا أن نقرأ القرآن في عصْر الغَيبة كما يقرؤهُ المُخالفون لأهل البيت.. ولكنّنا نرجع إلى قراءة أهل البيت في تفسير القرآن، لأجل أن نفهم القرآن بفَهم آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • — وقفة عند ما يقولهُ إمامُنا الصادق في معنى الآية 106 من سورة البقرة في [تفسير البرهان: ج1]
  • في صفحة 304 الحديث (3) في ذيل الآية 106 من سورة البقرة، جاءتْ هذه الرواية:
  • (عن عُمر بن يزيد، قال: سألتُ أبا عبد الله “عليه السلام”، عن قول الله: {ما ننسخُ من آيةٍ أو نُنسها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلها}؟
  • فقال: كذبوا.. ما هكذا هي، إذا كان ينسخها ويأتي بمِثلها لِمَ ينسخها. قلتُ: هكذا قال الله – يعني هكذا هو في المُصحف – قال: ليس هكذا قال تبارك وتعالى. قلتُ: فكيف؟ قال: ليس فيها (ألف) ولا (واو) قال: {ما ننسخُ من آيةٍ أو نُنسها نأتِ بخيرٍ منها مثلها} يقول: ما نُميتُ مِن إمامٍ أو نُنْسِ ذِكْرهُ – أي نُؤخّر ذِكْرهُ بسبب الموت – نأتِ بخيرٍ منهُ – أي بخيرٍ صادرٍ منه – مِن صُلبهِ مثله).
  • الآيةُ هُنا تتحدّثُ عن نسْخٍ في التشريع ونسْخٍ في التكوين في أشرفِ المعاني.. فالحديثُ هُنا عن الأئمة المعصومين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين” فبعد موت كُلّ إمامٍ يأتِ إمام.. وقد جاء الحديثُ عن موتِ الأئمة بهذا الأسلوب “أسلوب النسخ” لأنَّ الإمام المعصوم أساساً بحَسَب تكوينهِ الأصل المُتكامل لن يموت.. وإلى هذهِ الحقيقة يُشير سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حين يقول: (إنَّ ميّتنا لم يمتْ وغائبنا لم يغبْ وإنَّ قتلانا لن يقتلوا)
  • التراكيبُ المُتكاملة للمعصومين الأربعة عشر في المُستوى المادّي وفي المستوى المعنوي، في المستوى الظاهري لنا وفي المُستوى الغيبي الذي لا نراه ولا نُدركهُ بحواسّنا إنّهم في حالةٍ من التكامل.. فلابُدَّ أن تطرأ عليهم الطوارئ، ولذلك كلّهم قتلوا ما بين السُموم والسيوف.
  • الآيةُ هي في أجواء البَداء.. نسْخُ التشريع بَداء ونسْخ التكوين بَداء.
  • ● الآية 2 بعد البسملة مِن سورة الأنعام: {هو الذي خلقكم من طينٍ ثُمَّ قضى أجلاً وأجلٌ مُسمّى عنده ثُمَّ أنتم تمترون} تعدّدٌ في الآجال.
  • هُناك مجموعةٌ مِن الأحاديثِ والروايات يُوردها المُفسّرون الذين جمعوا أحاديث أهل البيت في تفسير القرآن في ذيل هذهِ الآية، لكن تلكَ الأحاديث واضحٌ الارتباكُ عليها.. هذا الارتباكُ نشأ مِن تحريفٍ، مِن تصحيفٍ، مِن عدم دقّةٍ في نقلِ الرواة.. هذا أمرٌ يُناقشُ في حينهِ.. سأعودُ إلى تلكَ الروايات في الحلقاتِ القادمة حتّى أُغطّي لكم الموضوع مِن أكثر الجهات.. لكنّني أقفُ عند الآية بإجمالها، بمعناها الواضح.. هُناك تعدّدٌ في الآجال.. تعدّد الآجال واضح جدّاً في أجواء موضوع البَداء.
  • ● في الآية 11 بعد البسملة من سورة فاطر: {واللهُ خلقكم مِن ترابٍ ثمَّ مِن نُطفةٍ ثمَّ جعلكم أزواجاً وما تحملُ من أنثى ولا تضعُ إلّا بعلمهِ وما يُعمَّر مَن مُعمَّر ولا يُنقصٌ مِن عُمره إلّا في كتاب إنَّ ذلك على الله يسير}
  • — وقفة عند ما جاء عن العترة الطاهرة في ذيل هذه الآية من سُورة فاطر في [تفسير البرهان: ج6]
  • في صفحة 359 الحديث الأوّل: (في قولهِ تعالى: {وما يُعمَّر مَن مُعمَّر ولا يُنقصٌ مِن عُمره إلّا في كتاب} يعني يُكتَبُ في كتاب، وهو ردٌّ على مَن يُنكرُ البداء)
  • مثلما مرَّ في الآية 2 من سورة الأنعام، هُناك أجلٌ وهُناك أجلٌ مُسمّى.. تعدّد الآجال، وكذلك التعميرُ والتنقيص في عُمر الإنسان كُلُّ هذا يُحدّثنا عن البداء.
  • ● في الآية 142 مِن سورة الأعراف: {وواعدنا مُوسى ثلاثينَ ليلةً وأتممناها بعَشْرٍ فتمَّ ميقاتُ ربّه أربعين ليلة..}.
  • موسى أخبر قومهُ أنّه بعد ثلاثين ليلة سيعودُ إليهم مِن الميقات، ولكن حدث البداء.. {وأتممناها بعَشْرٍ فتمَّ ميقاتُ ربّه أربعين ليلة} فهناك بداء.
  • ● في الآية 98 مِن سورة يونس فيما يرتبطُ بالعذابِ الذي كاد أن ينزل على قوم يُونس، ثمَّ جاء البداء ورُفِعَ ذلك العذاب: {فلولا كانتْ قريةً آمنتْ فنَفَعَها إيمانُها إلّا قومَ يونس لمَّا آمنوا كشفنا عنهم عذابَ الخزي في الحياةِ الدُنيا ومتّعناهم إلى حين}.
  • الروايةُ طويلةٌ عن آل مُحمّد.. لو وجدتُ وقتاً في مناسبةٍ أُخرى فإنّني سأُحدّثُكم بتفصيلٍ كاملٍ عن هذه الواقعة.. فهُناك روايةٌ مٌفصّلةٌ في بيان مضمون هذه الآية وردتْ عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” جميلةٌ جدّاً جدّاً.
  • كان العذابُ نازلاً على قوم يونس ولقد رأوا ذلك بأُمّ أعينهم.. بدأتْ علائمُ العذاب، وهم لجأوا إلى الله فتحرّك قانونُ البَداء.. هُنا فُعّل قانونُ البَداء فرُفِعَ العذاب عن قوم يونس. صُورةٌ واضحةٌ وتطبيقٌ عمليٌّ صريحٌ لقانون البداء.

  • أعودُ إلى سُورة الرعد.. سورةُ الرعد اشتملتْ على عدّة آياتٍ ترتبطُ مضامينها بموضوع البداء:

  • ● الآية 39: {يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثبتْ وعندهُ أُمّ الكتاب}
  • ● الآية 38: {لكلِّ أجل كتاب}
  • ● الآيةُ الأخيرة في سُورة الرعد: {قُلْ كفى باللهِ شهيداً بيني وبينكم ومَن عنده علم الكتاب} وهي الآيةُ التي تتحدّثُ عن الإحاطةِ الكاملةِ لهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. ومرَّ الكلامُ بهذا الخُصوص في حلقةِ يوم أمس.
  • ● الآية 11 مِن أهمّ الآياتِ التي تُخبرنا عن ثمار قانون البداء لو تعبّدْنا الله به.. فالرواياتُ تُحدّثنا عن أنَّ أفضل ما يُتعبّد بهِ إلى الله هُو البداء.. وهذه الآيةُ تتحدّث عن هذا المضمون، وهي: {لهُ مُعقّباتٌ مِن بين يديهِ ومِن خلفهِ يحفظونَهُ مِن أمر الله إنَّ الله لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم وإذا أرادَ اللهُ بقومٍ سُوءاً فلا مردَّ لهُ وما لهم مِن دُونهِ مِن وال}.
  • هُناك تقديرٌ لهم، ولكن إذا ما غيّروا فإنَّ الله يُغيّر وهذا هو البداء بعينه.
  • النصُّ الواضحُ الصريح الذي يرتبطُ بموضوعنا هو هذا الجزء مِن الآية: {إنَّ الله لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم} تلكَ هي حكمةٌ واضحةٌ جليّةٌ تتجلّى لنا في حياتنا الدينيّة والدنيويّة.. هذا القانون يتناولُ الجانبَ الدنيوي والجانبَ الديني.. فهذهِ الدُوَلُ المُتحضّرةٌ دنيويّاً هي مصداقٌ مِن مصاديق هذا القانون، والدُوَلُ المُتخلّفةُ حضاريّاً مِصداقٌ مِن مصاديق هذا القانون، المُجتمعاتُ المُتمدّنةُ دُنيويّاً مصداقٌ مِن مصاديق هذا القانون، المُجتمعاتُ المُتخلّفةٌ دنيويّاً مصداقٌ مِن مصاديق هذا القانون.. وكذاك الحالُ إذا أردنا أن نبحثَ في مصاديق الواقع الديني.
  • فحينما يركض عُلماؤنا ومراجعنا إلى الفِكْر الناصبي فإنَّ الإمام الحُجّة يرفعُ يده عنّا، وهذا هو الذي حدث.. مثلما جاء في رسالة إمام زماننا إلى الشيخ المُفيد وهو يُخاطبُ مراجع الشيعة: (مُذ جنحَ كثيرٌ منكم إلى ما كان السَلَفُ الصالحُ عنهُ شاسعا، ونبذوا العهد المأخوذ عليهم وراء ظُهورهم كأنّهم لا يعلمون).
  • فحينما تكونُ الرؤوسُ الكبيرةُ في الواقع الشيعي هذا حالها فإنَّ الأتباع سيكونون في أسوأ حال..! حينما يرفعُ إمامُ زماننا يد لُطفهِ وتسديده عنّا (عن المراجع والعلماء بشكلٍ خاصّ وعن عامّة الشيعة بشكلٍ عام) هذا القانون هو القانون.. ولِذا علينا أن نعود إلى العيون الصافية وأن نلتزم بالعهد المأخوذ علينا، حينئذٍ سيأتي التسديدُ والّلطف ونتواصلُ مع إمام زماننا ومع مشروعهِ العظيم.

  • إذا ما رجعنا إلى أحاديثِ العترة الطاهرة والتي ترتبطُ بتفسير وتأويل الكتاب الكريم.. وفي الحقيقةِ مُشكلتنا هُنا، فلو أنَّ علماءنا ومراجعنا تمسّكوا بحديث العترة الطاهرة في فَهْم القرآن وهُم بذلك يُنفّذون ما قاموا بهِ مِن بيعةٍ لِرسول الله (إنّها بيعة الغدير) فإنَّ أوّلَ خطوةٍ في الوفاءِ ببيعة الغدير لرسول الله، لأمير المؤمنين، لكلّ المعصومين، لإمام زماننا.. أوّلُ خُطوةٍ عمليّةٍ أن نأخذ تفسير القرآن مِن عليٍّ وآل علي.

  • لو أنَّ مراجعنا فعلوا ذلك لكانتْ الثقافة القرآنيّة في الوسط الشيعي (في الفضائيّات، على المنابر، في الجوّ العام، على الانترنت، في المكتباتِ والكُتُب، في الدراساتِ الحوزويّة..) لكانتْ ثقافتنا بشكلٍ آخر ولَتغيّرتْ أُمورنا بالكامل على جميع المُستويات (على المُستوى العقائدي، على المُستوى الفتوائي، وحتّى على المُستوى السياسي والاجتماعي). إنّنا في واقعٍ ثقافيٍّ عقائديٍّ بعيدٍ تمام البُعد عن منهج عليٍّ وآل عليّ.

  • المُصطلحات مُتحرّكةٌ في ثقافةِ العترةِ الطاهرة، فإنَّ العَرش قد يُعبّرُ به عن الحقيقةِ المُحمّدية، وقد يُعبّرُ به عن الحقيقة العَلَويّة، وقد يُعبَّرُ بالعرش عن الحقيقةِ الجامعةِ للخلق الثاني الصادر من الخلق الأوّل.

  • فإنَّ الله سُبحانهُ وتعالى كان ولم يكنْ معهُ شيء، ثمَّ تكلّم بكلمة، وهي “الكلمة الأولى” ذلك هو الخَلْق الأوّل، ومِن الكلمة الأولى كانتْ المخلوقات مع تفاصيلٍ ذُكرتْ في الروايات والأحاديث، ولستُ بصددِ الحديث عن هذا الموضوع. فالعَرشُ هو الحقيقةُ المُحمّديّة، والعَرشُ هو الحقيقةُ العَلَويّة، والعَرشُ هو الحقيقةُ الجامعةُ للخلق الثاني.. العَرشُ هو مركزُ الاستعلاء الإلهي {الرحمنُ على العرش استوى}.
  • العَرْشُ عنوانٌ لعقل مُحمّد “صلّى الله عليه وآله”، عُنوانٌ لِعلْم الحقيقةِ المُحمّديّة، العرشُ، كُلُّ هذا في أحاديثهم الشريفة، وكذاك القَلَم، الّلوح المحفوظ، وهكذا..

  • وقفة عند حديثٍ لسيّد الأوصياء في معنى (القضاء) في الكتاب الكريم.. هذا الحديث هو مثالٌ على المُصطلحات المُتحرّكة في ثقافة العترة.. والحديث في [تفسير النعماني]. علماً أنّني جئتكم بهذا المِثال لأنّني أُريد أن أُحدّثكم عن المشيئة، إذْ لا أستطيعُ أن أحدّثكم عن البداء مِن دُون أن أُحدّثكم عن المشيئة.. فالمشيئةُ في حديث العترة هي الأخرى مُصطلحٌ مُتحرّك.

  • ● ممّا جاء عن أمير المؤمنين في معنى القضاء في الكتاب الكريم، قال:
  • (هو عشرةُ أوجهٍ مُختلفةَ المعنى، فمنهُ قضاءُ فراغ، ومنهُ قضاءُ عهد، ومنهُ قضاءُ إعلام، ومنهُ قضاءُ فِعْل، ومنه قضاءُ إيجاب، ومنهُ قضاءُ كتاب، ومنهُ قضاءُ إتمام ، ومنهُ قضاءُ حُكْمٍ وفصْل، ومنهُ قضاءُ خَلْق، ومنهُ قضاءُ نزول الموت) ثُمَّ يبدأ الأمير يُفصّل فيقول:
  • (أمَّا تفسيرُ قضاء الفراغ مِن الشيء فهو قوله تعالى: {وإذْ صرفنا إليكَ نَفَراً مِن الجنّ يستمعونَ القُرآن فلمّا حضروهُ قالوا أنصتوا فلمّا قُضي ولّوا إلى قومهم} معنى {فلمّا قضي} أي فلمّا فرغ، وكقوله {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله}.
  • أمّا قضاءُ العهد فقولهُ تعالى: {وقضى ربّك ألّا تعبدوا إلّا إيّاه} أي عَهِد، ومثلهُ في سُورة القصص {وماكنتَ بجانب الغربيّ إذا قضينا إلى موسى الأمر} أي عهدنا إليه.
  • أمّا قضاءُ الإعلام فهو قولهُ تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أنَّ دابر هؤلاء مقطوعٌ مُصبحين} وقولهُ سبحانه: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتُفسدُنَّ في الأرض مرّتين} أي أعملناهم في التوراة ما هُم عاملون.
  • وأمّا قضاءُ الفِعل فقوله تعالى في سورة طه {فاقضِ ما أنتِ قاض} أي افعل ما أنتَ فاعل، ومنهُ في سورة الأنفال: {ليقضي اللهُ أمراً كان مفعولا} أي يفعلُ ما كان في علمه السابق، ومثلُ هذا في القرآن كثير. ومنهُ قضاءُ الإيجاب للعذاب كقوله تعالى في سورة إبراهيم: {وقال الشيطانُ لمّا قُضي الأمر} أي لمّا وجبَ العذاب، ومِثلهُ في سُورة يوسف: {قضي الامر الذي فيه تستفتيان} معناه أي وجب الأمرُ الذي عنه تسائلان.
  • وأمّا قضاءُ الكتاب والحتم فقولهُ تعالى في قصّة مريم {وكان أمراً مقضيّا} أي معلوماً.
  • وأمّا قضاءُ الاتمام فقوله تعالى في سورة القصص {فلمّا قضى موسى الأجل} أي فلمّا أتمّ شرطهُ الذي شارطهُ عليه، وكقول موسى: {أيّما الأجلين قضيتَ فلا عُدوان عليَّ} معناهُ إذا أتممت.
  • وأمَّا قضاءُ الحُكْم فقوله تعالى: {وقضي بينهم بالحقّ وقيل الحمدُ لله ربّ العالمين} أي حُكِم بينهم، وقوله تعالى: {واللهُ يقضي بينهم بالحقّ والذين يدعون مِن دونه لا يقضون بشيء إنَّ الله هو السميع العليم}…) ثُمَّ يُورد آياتٍ أُخرى، وبعدها يقول:
  • (وأمَّا قضاء الخلق فقولهِ سبحانه {فقضاهنَّ سبع سموات في يومين} أي خلقهنَّ.
  • وأما قضاء إنزال الموت فكقول أهل النار في سُورة الزخرف {وقالوا يا مالك ليقض علينا ربّك قال إنّكم ما كثون} أي لينزل علينا الموت…) ثُمَّ يُوردُ الأمير عدداً وأمثلةً مِن آياتِ الكتاب الكريم…)
  • هذا النصُّ واضحٌ وصريحٌ في أنَّ المُصطلح القرآني وكذلك المُصطلحُ في حديثِ العترة الطاهرة مُصطلح متحرّك مثلما جئتُكم بمثالٍ “مُصطلح العرش”.. هذهِ القضيّةُ واضحةٌ وواضحة جدّاً إذا ما أردنا أن نعود إلى الأحاديث التفسيريّة في تفسير وتأويل القرآن، وواضحة جدّاً في أحاديثِ العترة الطاهرة حينما يتحدّثون في باب التوحيد، أو في باب مقاماتهم الغيبيّة القُدسيّة أو في باب بداية الخَلْقِ ونُشوء الكون أو حينما يتحدّثون عن الملأ الأعلى وعن العوالم العُلويّة النوريّة.

  • مِن العناوين المُلاصقة بل هي الأصل في حديثنا في أجواء البداء “المشيئة”.. هذا العنوان إذا أردنا أن نتتبّعهُ في أحاديثِ العترة الطاهرة فلهُ أكثر مِن دلالة.

  • الدلالة (1): المشيئةُ في أُفق التكوين إنّها المخلوق الأوّل، إنّها “الحقيقة المُحمّديّة”.
  • — وقفة عند حديث الإمام الصادق في [الكافي الشريف: ج1] – في صفحة 121 باب الإرادة أنّها من صفات الفعل.. الحديث (4)
  • (عن عُمر بن أذينة: عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” قال: خَلَقَ اللهُ المشيئةَ بنفسها، ثمَّ خلقَ الأشياء بالمشيئة).
  • المشيئةُ هُنا هي الكلمةُ الأولى، المشيئةُ هُنا مُصطلحٌ في أُفُق التكوين، هي الكلمة الأولى، هي الصادر الأوّل – كما يُعبّر الفلاسفة العرفاء – إنّها الحقيقةُ المُحمّديّة.
  • — قولهِ: (خَلَقَ اللهُ المشيئةَ بنفسها) هو نفس المضمون الذي تتحدّثُ عنه الأدعية.. عن الإسم الأعظم الذي خلقتَهُ فاستقرَّ في ظِلّكَ فلا يخرجُ منكَ إلى غيرك.. فهو مخلوقٌ بنفسهِ لم يخلقهُ مِن شيءٍ آخر.. خلقَهُ لحبّه له.. (يا أحمد خلقتك لأجلي) وأمّا الأشياء فهذهِ آثار الحبيب وهذهِ الأشياء صدرتْ مِن الحبيب بحُبٍّ منهُ لِما يُريدهُ سُبحانه وتعالى.
  • هذا هو المعنى الأوّل للمشيئة، وفي الحقيقةِ فإنَّ البداء يرتبطُ هُنا، يرتبطُ بهذهِ الحقيقةِ وبهذا العنوان الذي يتحدّث عن أُفُقٍ تكويني.. فهُنا المشيئةُ حقيقةٌ تكوينيّةٌ، بل هي أصلُ التكوين.
  • الدلالة (2) للمشيئة في أحاديث العترة الطاهرة: إنّها مفهومٌ اعتباريٌّ مِن المفاهيم الاعتباريّة التي ينتزعها العقل ويصطنعها العقل ويعتبرها الإدراك البشري لأجل أن يتمكّن الإنسان مِن الفَهْم والتفهيم، مِن العِلْم والتعليم.. هو يتعلّم ويُعلّم الآخر.
  • وحتّى نتمكّن ترتيب المعلومات في أذهاننا حول الواقع الذي نعيش فيه أو ما وراء هذا الواقع – إذا كان الحديث عن الغيب – نحن بحاجةٍ إلى مفاهيم، إلى مضامين.. هذهِ المضامين تُوضَعُ في قوالب فكريّة تترتّبُ بشكلٍ تارةً بعُنوان مُصطلح وأُخرى بعُنوان دليل، وأُخرى بعُنوان فكرةٍ ما، وأُخرى بعُنوان نظريّةٍ ما وهكذا.. (وقفة توضيح لهذه الفكرة).

  • هناك رواياتٌ تُحدّثنا عن أنَّ المشيئة هي الإرادة والتي هي من صفات الأفعال الإلهيّة.. على سبيل المثال هذه الرواية من [الكافي الشريف: ج2]:

  • (عن بكير بن أعين، قال: قلتُ لأبي عبد الله “عليه‌ السلام”: عِلْمُ اللهِ ومشيئتهُ هُما مُختلفان أو مُتّفقان؟ فقال: العلمُ ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعلُ كذا إنْ شاء الله ولا تقول سأفعلُ كذا إنْ علم الله، فقولكَ: “إنْ شاء الله” دليلٌ على أنّهُ لم يشأ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، وعِلْمُ الله السابقُ للمشيئة). المشيئةُ هُنا هي الإرادةُ التي تتحدّثُ عنها أحاديث العترة الطاهرة، مثلما جاء في الحديث الثالث من نفس الباب في [الكافي الشريف: ج1] حين يقول الإمام “عليه السلام”: (فإرادةُ اللهِ الفِعل لا غيرُ ذلك..)
  • وهذا المضمون هو الذي تحدّث عنه إمامنا الرضا كما في الرواية التي ذكرها الشيخ الصدوق في كتاب [التوحيد] – الباب (55): باب المشيئة والإرادة صفحة 329 الحديث (5): (عن سُليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضا “عليه‌ السلام”: المشيئةُ والإرادةُ مِن صفاتِ الأفعال، فمَن زعم أنَّ الله تعالى لم يزلْ مُريداً شائياً فليسَ بمُوحّد).
  • الطامّة الكبرى أنَّ مراجع الشيعة يقولون أنَّ الإرادة مِن صِفات الذات، والأئمة يقولون أنَّ الذي يقول أنَّ الإرادة مِن صِفات الذات هو مُشرك..! وقد مرَّ الحديثُ في هذا الموضوع.. يُمكنكم أن تعودوا إلى برنامج [إطلالةٌ على هالةِ القمر] فهُناك مِن الحلقاتِ ما تحدّثتُ فيه عن هذا الموضوع وبالمصادر والوثائق والحقائق، وعرضتُ بين أيديكم الرسائل العمليّة للمراجع المُعاصرين الذين يُثبتون أنَّ الإرادة مِن صفاتِ الذات بينما هي من صفات الأفعال.. ومَن يعتقد أنَّ الإرادة مِن صفات الذات فهو مُشرك، ومراجعنا أكثرهم يعتقدون بذلك بسبب جهلهم بأحاديث العترة الطاهرة..!
  • ● المشيئة هُنا هي مِن المفاهيم الاعتباريّة لأنّنا حين نتحدّثُ عن صفات الأفعال إنّنا نتحدّث بألفاظٍ تتألّف من حروفٍ وأصوات عن مضامين هي في أذهاننا، وهذهِ المضامين التي في أذهاننا لا تُمثّل حقيقة هذه الصفات التي نتحدّث عنها (سواء كانت من صفات الذات أم من صفاتِ الأفعال) وإنّما تُشيرُ إليها مِن بعيد.. بمثابةِ إشاراتٍ في غاية البُعْد عن الحقيقة.. فهذهِ مفاهيم اعتباريّة عُقلائيّة.. المشيئةُ هُنا في هذا المُستوى.
  • الدلالة (3) للمشيئة في أحاديث العترة الطاهرة: مرتبةٌ ومرحلةٌ من مراحل صدور الفيض فإنَّ الفيض لا يتحقّق إلّا بهذه المراتب، لا يكون شيءٌ في الأرض ولا في السماء إلّا بمشيئةٍ، وإرادةٍ، وقَدَرٍ، وقضاءٍ، وإذنٍ، وكتابٍ، وأجل.
  • — على سبيل المثال:
  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في [الكافي الشريف: ج1] – بابٌ في أنّه لا يكون شيءٌ في الأرض ولا في السماء إلّا في سبعة – الحديث (1):
  • (عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام”، أنّه قال: لا يكونُ شي‌ءٌ في الأرض ولا في السماء إلّا بهذهِ الخصال السبع: بمشيئةٍ، وإرادةٍ، وقَدَرٍ، وقضاءٍ، وإذنٍ، وكتابٍ، وأجل، فمَن زعم أنّه ُيقدر على نقضِ واحدةٍ، فقد كفر) هذهِ مراتبُ صدور الفيض.
  • وقوله: (لا يكونُ شي‌ءٌ في الأرض ولا في السماء) يدلُّ على أنَّ قانون البداء ليس في الأرض فقط وإنّما في السماء أيضاً.. ولكن في الأرض بِحَسَب الأرض وفي السماء بِحَسَب السماء.. ولِذا نحنُ نقرأ في أحاديث العترة الطاهرة أنَّ الملائكة لهم أعمار ولهم آجال ويموتون، ونقرأ أيضاً في أحاديثنا أنَّ بعض الملائكة عُوقبوا وأُنزلوا إلى الأرض، ونقرأ في أحاديثنا أيضاً أنَّ الملائكة الذين نزلوا لنُصرة الحسين والحُسين منعهم عن أن يشتركوا في عاشوراء بقوا في الأرض في حرمهِ مُنتظرين.. ونقرأ أيضاً أنَّ إمامَ زماننا سينصبُ من المؤمنين قُضاةً بين الملائكة، وووو..
  • هذهِ أمثلةٌ تُشيرُ إلى أنَّ قانون البداء يتحرّك في العوالم العلوية بِحَسَبها ويتحرّك في الأرض بِحَسَبها.. وهذهِ الخِصال السبع هي المراحل والمراتب التي يُبيّنها لنا أئمتنا في تقريب فكرة الفيض المحكوم بقانون البداء.. إنّهُ القانون الأوسع.
  • — رواية أُخرى عن إمامنا مُوسى بن جعفر “صلواتُ الله وسلامه عليه” أيضاً في نفس الباب:
  • (قال الإمام الكاظم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”: لا يكونُ شي‌ءٌ في السماواتِ ولا في الأرض إلّا بسبع: بقضاءٍ، وقَدَرٍ، وإرادةٍ، ومشيئةٍ، وكتابٍ، وأجلٍ، وإذنٍ، فمَن زعمَ غير هذا فقد كذب على الله أو ردّ على الله عزَّ وجلَّ).
  • لكن لو دقّقنا النظر في هذه الرواية سنجد أنّ الترتيب ليس مُنسجماً مع الحديث السابق.. فإمَّا أنَّ الإمام أساساً ذكر هذهِ العناوين ولم يكنْ قاصداً الترتيب، وإمّا أنَّ الراوي أخلَّ بذكر الترتيب.. لأنَّ الرواية السابقة هي التي تنسجمُ مع مجموع الأحاديث بهذهِ الخُصوص.. أو أنَّ القضيّة تدخلُ تحتَ دائرة المُصطلحاتِ المُتحرّكة.
  • قانون البداء يرتبطُ ارتباطاً مُباشراً بالمعنى الأوّل للمشيئة وهي المشيئةُ التي خلقها الله بنفسها.. ارتباطٌ بالحقيقةِ المُحمّديّة، إنّها أُمّ الكتاب.

  • الآيةُ الأم في موضوع البداء هي الآية 39 من سورة الرعد {يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أُمّ الكتاب} هذهِ هي المشيئة، أمّ الكتاب.. إنّها المشيئةُ الحاكمةُ في كُلّ العوالم، المُحيطةُ بكلّ شيء.. إنّها المخلوق الأوّل.. إنّها المشيئةُ التي خلقها اللهُ بنفسها ومنها صدرتْ كُلُّ الأشياء

  • الآية 39 من سورة الرعد: {يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أُمّ الكتاب} أُمّ الكتاب مُحيطة بكلّ شيء.
  • ● سُورة آل عمران جاء الحديثُ عن “أُمّ الكتاب” في مظهرٍ مِن مظاهرها: {هو الذي أنزل عليكَ الكتاب منه آياتٌ مُحكماتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وأُخَرُ مُتشابهات…}
  • هذا تجلٍّ مِن تجلّياتِ أُمّ الكتاب التي هي المشيئة، وإنّما اصطُلِح عليها المشيئة لأنَّ ما يُريدهُ الله سُبحانه وتعالى يتحقّق في ذاتِ المشيئة وفي صفاتها وفي أفعالها.. فحين خَلَقها بنفسها خَلَق إرادتَهُ.. ما يُريدهُ سُبحانَهُ وتعالى تجلّى في المخلوق الأوّل.. المخلوق الأوّل هو فعلُ اللهِ المُباشر.. أمَّا ما دُون المخلوق الأوّل هو فعل الله ولكن ليس مُباشراً.. ولِذا ليس فيه مِن الكمال كما في المشيئة الأولى.. فِعْل الله هو الإسم الأعظم الأعظم الأعظم كاملٌ في جميع الاتّجاهات وليس بنحوٍ مُقيّد إلّا مِن جهة أنّه مخلوق (لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك) القيد الذي يُقيّد هذه الحقائق هو قيدُ العبوديّة والمخلوقيّة ولا مِن قيدٍ آخر.. بينما ما صَدَر عن المشيئةِ فإنَّ المخلوقات قد قُيّدتْ بقيودٍ كثيرةٍ جدّاً وكانتْ ناقصةً جدّاً وكانتْ بعيدةً جدّاً عن الله.. المخلوق الأقرب هو المشيئةُ الأولى.
    مشيئتهُ فعله سُبحانه وتعالى، ولِذا فإنَّ عقيدة التوحيد عند آل مُحمّد أنَّ المشيئة والإرادة فعل، خَلْق.
  • ● المشيئةُ هي الحقيقةُ المُحمّديّة الأعظم، ولهذهِ الحقيقةِ تجلّيات، ومِن هذهِ التجلّيات: القُرآن، وفي القُرآن هُناك تجلٍّ خاص كما جاء في سُورة الزخرف في الآية 3، 4 قولهِ تعالى: {إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون* وإنّهُ في أمّ الكتاب لدينا لعليٌّ حكيم}.
  • فقوله: {إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون} هذا تجلٍّ مِن تجلّيات المشيئة الأولى جُعِل في هذا الّلباس الّلفظي.. أمّا حقيقةُ هذا الجعل وجودٌ عليٌّ حكيمٌ يتجلّى بحقيقتهِ في أُمّ الكتاب. (الحقيقةُ العَلَويّة هي الوجه المُتجلّي الفاعل مِن الحقيقة المُحمّديّة)
  • فالقُرآن بكلّه تجلٍّ مِن أُمّ الكتاب، ولِذا نُعبّر عنهُ أنّه الكتاب الصامت ونُعبّر عن عليٍّ أنّهُ الكتاب الناطق.. وكُلّها تجلّياتٌ من أُمّ الكتاب.. وفي داخل هذا التجلّي هناك تجلٍّ آخر وهو أنَّ مُحكماتُ هذا الكتاب هي أُمّ الكتاب، فمُحكماتُ هذا الكتاب هي تجلٍّ خاصّ مِن أمّ الكتاب.. وِلذا ورد في تأويلها أنَّ الآيات المُحكمات هم مُحمّدٌ وآل مُحمّد “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم”.. وأمَّا المُتشابهات فإنّها رموزٌ لأعدائهم.. فمردُّ الحقائق إلى أُمّ الكتاب.
  • ● المشيئة التي هي أصلنا.. المشيئةُ التي هي المظهر الأتمُّ الأكملُ الأجملُ الأجلُّ الأعظم لإرادتهِ سُبحانه وتعالى نحنُ مِن شُؤونها وما يجري علينا مِن شُؤون شؤونها وذلك هو البداء.
  • ● في الآية الأخيرة مِن سُورة التكوير: {وما تشاءُون إلّا أن يشاء الله ربُّ العالمين}.
  • من قواعد التفسير عند آل مُحمّد أنَّ ما يرتبط من حديثٍ في الشؤون الإلهيّة ويأتي بصيغةِ الخطاب وخُصوصاً إذا جاءَ بصيغة “الخطاب المجموع” إنّه خطابٌ بالأصالةِ خاصٌّ بآل مُحمّد، وبالتفرّع لغيرهم ذلك أمرٌ آخر.. هذهِ مِن قواعد التأويل عند آل مُحمّد.
  • فالآيةُ الأخيرة مِن سورة التكوير تشتملُ على خطابٍ إلهي وبصيغة الجمع فهذا الخطاب بالأصالةِ سيكونُ موجّهاً لِمُحمّدٍ وآل مُحمّد.. ولِذا جاء في [الكافي الشريف: ج1] في باب مولد النبيّ ووفاته – الحديث (5):
  • (عن محمّد بن سنان قال: كنتُ عند أبي جعفر الثاني فأجريتُ اختلاف الشيعة – في عقائدهم – فقال: يا محمّد إنّ الله تبارك وتعالى لم يزلْ مُتفرّداً بوحدانيته ثمَّ خلق مُحمّداً وعليّاً وفاطمة فمكثوا ألف دهر – هذه تعابير لتقريب الفكرة – ثمَّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أُمورها إليهم فهم يُحلّون ما يشاءون ويُحرّمون ما يشاءون ولن يشاءوا إلّا أن يشاء الله تبارك وتعالى. ثمّ قال: يا مُحمّد.. هذهِ الديانة التي مَن تقدّمها مَرَق ومَن تخلّف عنها مُحِق ومَن لزمها لَحِق، خُذها إليك يا مُحمّد)
  • — قولهِ: (فهم يُحلّون ما يشاءون ويُحرّمون ما يشاءون ولن يشاءوا إلّا أن يشاء الله تبارك وتعالى) الحديث هُنا عن التكوين وليس التشريع، وهذا هو نفس المضمون الذي جاء في سُورة التكوير: {وما تشاءُون إلّا أن يشاء الله ربُّ العالمين} فهم “صلواتُ الله عليهم” مشيئةُ اللهِ ربّ العالمين.
  • هذا مثالٌ يسيرٌ جدّاً ممّا جاء في الكافي الشريف.
  • ● وقفة عند ما جاء عن إمامنا الكاظم “عليه السلام” في [تفسير القُمّي] في ذيل الآية الأخيرة مِن سورة التكوير: عن إمامنا الكاظم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” يقول: (إنَّ الله جعلَ قلوبَ الأئمة مورداً لإرادتهِ فإذا شاء الله شيئاً شاؤوهُ وهو قولهُ وما تشاؤون إلّا يشاء الله ربّ العالمين)
  • ● وقفة عند ما جاء عن إمامنا الهادي “عليه السلام” في [تفسير البرهان: ج8] في صفحة 227 الحديث 13:
  • (عن أبي الحسن “عليه السلام” قال إنَّ الله عزَّ وجلَّ جعلَ قلوبَ الأئمة مورداً لإرادته، فإذا شاء اللهُ شيئاً شاءوه، وهو قوله: {وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله رب العالمين}). هذهِ الروايات تتحدّثُ عن أنَّ المشيئة في كُلّ تجلّياتها هي هي في برنامجها، في قضائها، وفي قَدَرها وفي بدائها.. هي هي
  • ● وقفة عند مقطع من حديث إمامنا السجّاد في [بحار الأنوار: ج26] في صفحة 14 الإمام السجّاد يقول لجابر الجعفي وهو يُحدّثهُ عن مُحمّد وآل مُحمّد:
  • (وأمّا المعاني فنحنُ معانيه ومظاهره فيكم، اخترعنا مِن نور ذاته، وفوّض إلينا أمور عباده، فنحنُ نفعل بإذنه ما نشاء، ونحن إذا شِئنا شاء الله، وإذا أردنا أراد الله، ونحنّ أحلّنا الله عزّ وجلّ هذا المحلّ واصطفانا مِن بين عباده وجعلنا حُجّته في بلاه). هم الحقائق الأعلى وهم التجلّيات الأعظم.
  • وهو نفس المعنى الذي جاء في دعاء إمام زماننا في شهر رجب حين يقول: (الّلهمَّ إنّي أسألكَ بمعاني جميع ما يدعوك بهِ ولاةُ أمرك المأمونون على سرّك…)


  • صورةٌ أقرّبُ لكم فيها ما أريد.. (نظام الإصلاح الذاتي في منظومة الخلق الثاني..) وسأُبيّن لكم في حلقةِ يوم غد أنَّ قانون البداء هو المُحرّك والمُفعّل لهذه المنظومة العجيبة.

تحقَق أيضاً

الجزء ٢ والأخير

تقدّمَ الجُزءُ الأوّل حيثُ ناقشتُ بيانَ المرجعيّةِ الدينيّةِ العُليا في النجف الأشرف الذي …