قتلوك يا فاطمة – الحلقة ١٤ – قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة ج٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 29 ربيع الثاني 1440هـ الموافق 6 / 1 / 2019م

  • هذا هو الجزءُ الرابع مِن إجابتي على مجموعةٍ مِن الأسئلة التي يدورُ مضمونها حول البداء، وقد عنونتُ هذهِ الحلقات بهذا العنوان:

  • “قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة”.
  • وصلتُ معكم في الحلقة الماضية إلى رسْم صُورةٍ تشبيهيّةٍ لتقريبِ فكرة قانون البداء.. وأتحدّث هُنا عن الفكْرة التي في أذهاننا والتي نستنتجها مِن المُعطيات التي بين أيدينا ما بين الكتاب والعترة الطاهرة.
  • ● بدأتُ بالحديث المعروف: (مَن عرف نفسهُ فقد عرفَ ربّه) وقلتُ: لو أجلنا الفكْر في طبيعةِ أجسامنا وفي خصائص عقولنا، لوجدنا أنَّ أجسامنا فيها نظامٌ للإصلاح الذاتي، وتحدّثتُ عن هذا الجانب وأشرتُ إلى جهاز المناعةِ في جسم الإنسان وحتّى في جسم الحيوان وما يمتلكهُ الجسمُ البشري مِن قدرةٍ على إصلاح نفسهِ بنفسهِ في حدودٍ مُعيّنةٍ يُحفظ فيها كيان الجسم الإنساني.. وكذا الأمرُ فيما يرتبطُ بعقولنا، فهُناك الاعتبارُ بالعِبَر والاتّعاظُ بالمواعظ والاصغاءُ إلى النصيحةِ الحكيمة وإلى المشورة الصادقة وكذاك هو التفهّم والتدبّر والتفكّرُ والتذكّرُ.. كلُّ هذا هو إصلاحٌ ذاتي لعقولنا.. للجانب المعنوي في كياننا الإنساني. وهذهِ الحالةُ موجودةٌ في كلّ ما حولنا في الحيواناتِ في النباتاتِ وإلى بقيّة الأشياء.. فهُناك نظامُ الإصلاح الذاتي.. يمتلكهُ الأفراد جميعاً مِن كلُّ الأصناف والأجناس والأنواع في عالمنا هذا وفي العوالم العلويّة النوريّة.
  • الكونُ كلّه فيه هذا النظام، وما عندنا مِن نظامٍ للإصلاح الذاتي ما هو إلّا صورةٌ مِن نظام الاصلاح الذاتي للكون، فهُناك نظامٌ كبيرٌ يتناسبُ وهذا الكونُ الكبير، وهُناك نظامٌ صغير يتناسب مع كلّ كائنٍ مِن كائنات هذا الكون.
  • قانونُ البداء هو القانونُ الذي يُنظّم وبسبب تنظيمه يتفعّلُ هذا القانون.. هذا القانون تُفعّلهُ الملائكة، تُفعّلهُ طبائع الأشياء، تُفعّلهُ القوانينُ الكونيّة التي تتحرّك وتشتغل ما إنْ يُنظّم قانون البداء ما يُنظّمهُ مِن تقدير أوضاعنا أو مِن تقدير أوضاع الكون بشكلٍ كامل.

  • وقفة عند صورةٍ سريعةٍ مِن الكتاب الكريم.

  • في الآية 56 من سورة الأعراف، قوله تعالى: {ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوهُ خوفاً وطَمَعاً إنَّ رحمةَ اللهِ قريبٌ مِن المُحسنين}

  • هُناك إفسادٌ مباشر، وهُناك إفسادٌ غير مباشر.. الإفسادُ المباشر أن يصدر مِن الإنسان بنحوٍ مُباشرٍ ما يُفسدُ الأرض، والإفسادُ في الأرض بالدرجة الأولى هو إفسادٌ في حياةِ أهلها، وهُناك أيضاً إفسادٌ في طبيعةِ هذهِ الأرض وخصائصها وجماليّاتها.
  • أنا لا أُريد أن أتحدّث عن كُلّ شيءٍ وإنّما أُريدُ أن أرسم لكم صورةً ما بين آياتِ الكتاب وأحاديثِ العترة لتقريب موضوع قانون البداء.
  • ● قولهِ: {وادعوه خوفاً وطمعاً} هذا الدعاء هو جزءٌ مِن إصلاحِ ما يصدرُ من فسادٍ وإفسادٍ مِن بني البشر.
  • ● أقفُ عند العبارة الأولى مِن الآية: {ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} لنرى ما قالهُ آلُ مُحمّدٍ في معنى هذه الآية.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الباقر “عليه السلام” في كتاب [الكافي الشريف: ج8] في صفحة 54 الحديث 20:
  • (عن ميسر، عن أبي جعفر “الباقر عليه‌ السلام” قال: قلت: قولُ الله عزَّ وجل: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}؟ فقال: يا مُيسّر، إنّ الأرض كانتْ فاسدة – يعني فاسدةً بأهلها قطعاً – فأصلحها الله عزَّ وجلَّ بنبيّه “صلّى الله عليه وآله”، فقال: {ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها})
  • مرحلةُ ما قبل ولادتهِ “صلّى الله عليه وآله” الأرضُ فاسدةٌ، وهُنا تحرّك نظامُ الإصلاح الذاتي، فتجلّى رسول الله.. إنّهُ الإسمُ الأعظم للمشيئةِ العُظمى، المشيئةُ التي خلقها سُبحانهُ وتعالى بنفسها، ثُمّ خَلَق الأشياء بالمشيئة.. والمشيئةُ التي خَلَقها بنفسها هي الحقيقةُ المُحمّديّة العُظمى.
  • محمّدٌ “صلّى الله عليه وآله” في عالمنا سيّد الأنبياء، سيّد المُرسلين هُو الإسمُ الأعظمُ الأعظمُ الأعظمُ لتلكَ المشيئة.. هُنا المشيئةُ تجلّت باسمها الأعظم لإصلاح ما فسَدَ في هذا العالم، والأرضُ عنوان، فليسَ العالمُ حصوراً فقط في الأرض.
  • الأرضُ كانتْ فاسدةً فتمّ إصلاحُها بنظام الإصلاح الذاتي.. فهذه الأرضُ مِن عالم الخَلْق الثاني، فتجلَّى فيها مُحمّدٌ مَجلىً مِن عالم الخَلْق الأوّل لإصلاح ما فَسَد في هذا العالم.

  • في الآية 41 مِن سورة الروم: {ظهر الفسادُ في البرّ والبحر بما كسبتْ أيدي الناس ليُذيقهم بعضَ الذي عملوا لعلّهم يرجعون}

  • ● وقفة عند ما جاء عن آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” في معنى هذهِ الآية مِن سُورة الروم
  • جاء [في تفسير القُمّي] في صفحة 518 هذا الحديث: (عن مُيسّر عن أبي جعفر “الباقر عليه السلام” قال: قلتُ: {ظهرَ الفسادُ في البرّ والبحر بما كسبتْ أيدي الناس} قال: ذلك واللهِ يوم قالتْ الأنصار منّا رجلٌ ومنكم رجل)
  • الإمام يتحدّث عن النقاشُ المعروفُ في سقيفةُ بني ساعدة، حين قالوا: مِنّا رجل – أي من الأنصار- ومنكم رجل – أي مِن المُهاجرين.. باعتبار أنَّ الذين تصدّوا لنقض بيعة الغدير في سقيفة بني ساعدة الرؤوس من المُهاجرين (أبو بكر وعُمر والذين معهم) فدخل الأنصارُ على هذا النقاش.
  • وأمّا سبب حديث الإمام عن الأنصار فلأنَّ الأنصار قد أُخذتْ عليهم العهود والمواثيق بنُصرة النبي وأهل بيتهِ حتّى قبل أن يُهاجر رسول الله.. والنبيُّ “صلّى اللهُ عليه وآله” كان يُعاملُ الأنصار مُعاملةً خاصّة.
  • — قوله: (ذلك واللهِ يوم قالتْ الأنصار منّا رجلٌ ومنكم رجل) هذا هو الظُهور الفعليُّ الواقعيُّ للفساد.. وإلّا فإنَّ القضيّةَ تعودُ في جذورها إلى الصحيفة، يوم كَتَب القوم تلك الصحيفةَ المشؤومة الملعونة.. وما جرى في سقيفة بني ساعدة إنّما هو تطبيقٌ لتلك الصحيفة المشؤومة.. لكنَّ الفساد ظهر عَلَنيّاً فعليّاً واقعيّاً وانتشر، فخرج مِن طوايا الصحيفة وتبيّن وتجلّى فيما فعلهُ الصحابةُ مِن المهاجرين ودخل الأنصارُ على الخط فاكتملتْ دائرة الفساد.. فحينما قال الأنصارُ مّنا رجلٌ ومنكم رجل لقد نقض الجميعُ بيعةَ الغدير..!
  • المُهاجرون أساساً نقضوها حينما شرعوا في سقيفة بني ساعدة، وحين جاء الأنصارُ نقضوا بيعة الغدير.. فمِن هُنا ظهر الفسادُ حينما نُقضتْ بيعة الغدير.
  • — وظهرَ الفسادُ في ساحةِ الثقافة الشيعيّة والعقائديّة حينما نقضَ مراجعُنا بيعةَ الغدير حين فسّروا القرآن بمناهج النواصب.
  • — قطعاً هذا الفسادُ سيترك آثاراً في كُلّ مكان.. كما في حديثِ صادق العترة في [تفسير القمّي] في أجواء الآية 41 مِن سورة الروم.
  • قال “عليه السلام”: (في قول الله عزَّ وجلَّ: {ظهرَ الفسادُ في البرّ والبحر بما كسبتْ أيدي الناس} في البرّ فسادُ الحيوان إذا لم يُمطر، وكذلك هلاك دواب البحر بذلك).
  • دوابّ البحر تهلك إذا لم يُمطر لأنَّ المطر يأتي بأملاح ومعادن ومُركّبات كيميائيّة يُضيفها إلى الماء إذا اختلط بالماء ويُضيفُها إلى التراب إذا اختلط بالتُراب، وهناك عمليّاتٌ مُعقّدةٌ مِن الأكسدةِ والنترجة.. علماً أنّني لا أُريدُ أن أُفسّر كلام الأئمة بهذه المعلومات، إنّما جئتُ بها مثالاً كي أُقرّب مُراد الإمام حين يقول: (في البرّ فسادُ الحيوان إذا لم يُمطر، وكذلك هلاك دواب البحر بذلك)
  • ● وقال الصادق “عليه السلام”: (حياةُ دوابّ البحر بالمطر، فإذا كفَّ المطرُ ظهر الفسادُ في البرّ والبحر، وذلك إذا كثرتْ الذنوبُ والمعاصي)
  • الإمام هُنا يتحدّث عن فسادٍ ماديٍّ، وذلك إذا كثرت الذنوب والمعاصي.. فإذا كانتْ المعصيةُ بهذا الحجم: نقضُ بيعة الغدير.. فما الذي سيترتّب على ذلك؟ الموضوع أكبر مِن أن نتخيّله.. الموضوع كبيرٌ جدّاً..!
  • ● وفي كتاب [الكافي الشريف: ج8] في صفحة 54 الحديث (19) يقول الإمام الباقر “عليه السلام”: (في قوله عزَّ وجلَّ: {ظهرَ الفسادُ في البرّ والبحر بما كسبتْ أيدي الناس} قال: ذاكَ والله حين قالتْ الأنصار: منا أمير ومنكم أمير).
  • حين أرادوا أن يتقاسموا السُلطة والخلافةَ بعد أن نقضوا البيعة الغديريّة العَلَويّة.
  • الأرضُ كانتْ فاسدةً فأصلحها اللهُ بمُحمّد، فأفسدها أصحابُ الصحيفة كما يقول إمامنا صادق العترة في [الكافي الشريف: ج8] وهو يتحدّث عن يوم كتابة الصحيفة المشؤومة، يقول: (إذا كُتِب الكتاب قُتِل الحُسين) الفسادُ من هناك بدأ.
  • — يوم كُتِبتْ الصحيفة قُتِل مُحمّدٌ قتلوه مسموماً.. ويوم كُتِبتْ الصحيفة حاولوا قتل النبيّ وقتل عليٍّ في وقتٍ واحد، وقد قتلوا عليّاً بعد ذلك، وقتلوا فاطمة.. وكُلُّ ذلك أوصلنا إلى أن قُتِل الحُسين. (فالويلُ للعُصاةِ الفُسّاق، لقد قتلوا بقتلك الإسلام) حين قُتِل الإسلام بقتلهِ ترتّبتْ سائرُ تفاصيل الفساد التي تحدّثتْ عنها زيارةُ الناحية المُقدّسة وأخبرتنا الأحاديثُ والروايات.. وانعكس ذلك على الجانب التكويني وعلى الجانب التشريعي.. عمليّةُ تفاعلٍ لإخراج القذارةِ مِن هذا الواقع، وفي نفس الوقت لابُدَّ مِن وجود حاضنةٍ حُسينيّة.. وقد حدّثتكم في برامج سابقة عن المشروع الحُسيني وعن ترابط هذا المشروع مع الإصلاح الأكبر والأعظم والذي سيكونُ في مرحلة الرجعة.. حينما تصِلُ الدُنيا إلى قمّة ما يُمكن أن تصِل إليه في مرحلة جنّة الدُنيا التي هي دولةُ مُحمّد المُصطفى “صلّى الله عليه وآله” إلى أن ينتهي عُمر الدنيا.. حين ينتهي عُمْر الدُنيا يُرفَعُ حُجّة الله مِن الأرض وتبدأُ أشراط الساعة ويبدأ هذا العالم الترابي بالتهاوي، فلذا لا حاجة للإصلاح الذاتي، ولذا تُرفَعُ حجّة الله من الأرض بانقطاع الفيض الذي يؤدّي إلى إصلاحها وإلى نمائها وإلى بقائها على أحسن حال.. وكُلُّ هذه التصاريف إنّما تجري في أجواء قانون البداء
  • — فسادٌ لابُدَّ لهُ مِن إصلاح فأُصلِحَ بولادة مُحمّد، وعلائمُ فاعليّة الإصلاح ظهرتْ مع ولادة مُحمّدٍ بتلك العلائم والتغييراتِ الكونيّة، فلقد بدأتْ التفاعلات “التي رُصدتْ” وإلّا فالقضيّةُ أكبرُ مِن ذلك..!
  • حين وُلد مُحمّدٌ “صلّى اللهُ عليه وآله” فإنَّ التفاعل كان في كلّ شيء، لكنّنا لا نستطيعُ أن نرصد كُلّ شيء.. وإنّما رصدَ الناسُ بعض الأشياء، تلكَ التي سُمّيت بالعلامات، بالآيات، بالبراهين.. وكان الذي كان، وظهر الفسادُ في البرّ والبحر حين قالتْ الأنصارُ: (منّا أميرٌ ومنكم أمير).. وذهبتْ الزهراء مُسرعةً لتنفيذ مُراد المشيئةِ الأصل.. ففاطمةُ روحُ محمّدٍ التي بين جنبيه، والحقيقةُ الفاطميّةُ هي روحُ الحقيقةِ المُحمّدية العُظمى.

  • في سورة الإسراء في الآية 4 نقرأ: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتُفسدنَّ في الأرض مرَّتين ولتعلُنَّ عُلوَّاً كبيرا}

  • “بنو إسرائيل” عنوانٌ قد يُطلقُ على بني إسرائيل، وقد يُطلَق على أُمّة رسول الله، وقد يُطلَق على شيعة عليّ.. وتلك هي مجاري القرآن ومطالعُ تفسيرهُ وتأويله.
  • ● قولهِ: {لتُفسدنَّ في الأرض مرَّتين} المرَّةُ الأولى في قتل عليّ، وما جرى على الأمير هو عنوانٌ يُجمِل ما جرى على مُحمّدٍ وما جرى على فاطمة.. والمرّةُ الثانية في الإفساد فيما جرى على إمامنا الحسن، وقولهِ: {ولتعلُنَّ عُلوَّاً كبيرا} إنّهُ قتل الحُسين.. هكذا حدّثتنا الروايات.
  • ● ما جرى عليهم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم” كان بإرادتهم، بل كان بشوقٍ منهم إلى ذلك.. إنّهُ فرحُ الوالد في إصلاح ولدهِ حتّى ولو كان بما يُؤذيه.. ومُحمّدٌ وعليٌّ أبوا هذه الأُمّة.
  • الحقيقةُ المُحمّديةُ والحقيقةُ العَلَويّة والدا هذا الوجود.. هذهِ الصُورةُ في عالمنا الأرضي: (مُحمّدٌ وعليٌّ أبوا هذه الأُمّة) وما جاء مِن ذِكْر الوالدين في الكتاب الكريم في العديد مِن المواطن بِحَسَب تأويل العترة الطاهرة في البُعْد العميق لهذهِ الآيات إنّهما محمّدٌ وعليّ “صلّى الله عليهما وآلهما”.
  • فكما قلت لكم فيما تقدّم أنَّ الوجود في بُعدهِ التكويني وفي بُعده التشريعي، في كُلّ أبعاده (في أبعاده الترابيّة وفي أبعاده النورانيّة) يبتني على تعدّد المظاهر وعلى توالي التجلّيات بحيث أنَّ التجلّي الأوّل لن يتكرّر.. فالذي يأتي بعده هو التجلّي الثاني، ثُمّ الثالث.. وهكذا.. إلى المالانهايات.. {وإن تعدّوا نعمة الله لا تُحصوها} وحالة التجلّي هي جارية فينا أيضاً. (وقفة توضيح لهذه النقطة – قضيّة تقسيم الثواني).
  • ● (شاء الله أن يراني قتيلاً وشاء الله أن يراهنَّ سبايا، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي) ألا تلاحظون أنَّ العناوين هي العناوين؟!
  • الأخبار تُحدّثنا عن أنَّ الحُسين كان يتوهّجُ نُوراً وجمالاً وحُسناً.. وكان الذين حولَهُ مِن أصحابه وحتّى الذين يتمكّنون مِن النظر إليهِ مِن أعدائهِ كانوا يرون هذا الحُسْن الذي يشعُّ جمالاً بعد جمال.. كانتْ علائمُ ارتياحٍ وفرحٍ على وجهه.. إنّهُ شوقُ الإسم الأعظم للمشيئة التي هي الإسمُ الأعظم لله.. إنّهُ شوقهُ لِمُرادها لأنّ مُرادها الذي هُو مرادُ الله سُبحانهُ وتعالى هو تفعيلُ نظام الإصلاح الذاتي في هذا الوجود.. والبرنامجُ المرسومُ لهذهِ الأرض أن تخرجَ قذاراتُها، فإذا ما خرجتْ قذاراتها في بُعدها المادي والمعنوي، فإنّها ستُخرجُ للحجّة بن الحسن أفلاذ أكبادها.. حينئذٍ تُخرجُ كُنوزها.
  • هُناك إنسجامٌ.. هُناك اتّساقٌ.. فيما بين منطق التشريع ومنطق التكوين.. فيما بين ما يُريدهُ الخَلْقُ الأوَّل وما سيظهرُ في الخَلْق الثاني بسبب مَجالي الخَلْق الأوَّل (مُحمّدٌ وآل مُحمّد) الذين سيكونون في هذا العالم (عالم الخَلْق الثاني) حتّى ينتهي عُمْر الدُنيا وتنتهي صلاحيّةُ وُجودها ويتلاشى نظامُ الإصلاح الذاتي وهُنا ستفسد، والفسادُ هُنا سيكونُ فساداً كونيّاً وشرعيّاً.. فقد انتهى عُمْرها وبدأتْ أشراطُ الساعة.
  • قطْعاً هُناك مِن التفاصيل الكثيرة التي لم أذكرها أنا موجودةٌ ما بين الآياتِ والأحاديثِ والروايات، وهُناك ما هو أكثرُ مِن ذلك بملياراتِ المرّات لم يذكرهُ لنا محمّدٌ وآلُ محمّد لأنَّ الخطابَ بحَسَب بيان المُداراة وبحَسَب قُدرة المُتلقّي على التصوّر والتفهّم والتعلّم.
  • ● (شاء الله أن يراني قتيلاً وشاء الله أن يراهنَّ سبايا) والشعارُ هو هو: (إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي) اجمعوا بين هذهِ المُعطيات، تجدون الصورة واضحةً جدّاً.
  • هذهِ المعطياتُ ترسمُ لنا صورةً واضحة.. نزل النصْرُ على الحُسين وأوقفهُ الحسين..! ونزلتْ الملائكةُ لنُصرة الحُسين فلم يأذن لها الحُسين..!
  • وإنّما نزلتْ الملائكة لأنَّ هُناك فسادٌ بِحَسَبهم وهو ما يجري على الحُسين.. ولكن بِحَسَب الحسين هُناك فسادٌ أعظم وأعظم وأعظم مِن هذه الصُورة التي وصلتْ إلى الملائكة ووصلتْ إلى منظومة إنزال النصر، فأوقف الحُسين النصْر وتركَ الملائكة في أرضهِ يستغفرون لزوّراه.. إنّهم الملائكةُ الذين ينتظرون، وهذا الاستغفارُ لزوّاره هو جُزءٌ مِن صناعةِ الحاضنة الحُسينيّة التي شغّل الحُسينُ كُلَّ الامكانيّاتِ المُتاحةِ في هذا الجوّ المحدود لأجل أن تُنشأ هذهِ الحاضنة.. لأنَّ الاستغفار للزوّار هو عمليّة تنظيف وعمليّةُ إخراج للقذارات.. فهل نحنُ مُستعدّون أن نكون جُزءاً مِن هذا البرنامج؟! هذا هو برنامجُ التمهيد للحُجّة بن الحسن، وهذا هو معنى التعبّد بقانون البَداء.. أن نتحرّك في الاتّجاهاتِ التي تخدمُ هذا المشروع في ظلال قانون البَداء.

  • في سورة القلم الآية الأولى بعد البسملة: {ن* والقلم وما يسطرون} نون في لغة العرب محبرة، هي الدواةُ التي فيها المِداد.. لأنَّ القلم بحاجةٍ إلى مِداد، والمِدادُ موجودٌ في المِحبرة فالمِحبرةُ تمدّ القلم بالمداد والقلم يكتب ويرسم.. فكُلُّ ما كتبه القلم ورسمه كان موجوداً في المِحبرة.. الجوهرُ في المحبرة، والقلمُ نفّذ ما في المِحبرة.

  • نون هو اسمُ رسول الله، والقلم اسمٌ لأمير المؤمنين.. وسُورة القلم سُورة عليّ.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الكاظم في [تفسير البرهان: ج8] في بيان معنى قوله تعلى: {ن* والقلم وما يسطرون}
  • (عن مُحمَّد بن الفضيل، عن أبي الحسن موسى “عليه السلام”، قال: سألتهُ عن قول الله عزَّ وجلَّ: {ن* والقلم وما يسطرون}: فالنون اسمٌ لرسول الله “صلّى اللهُ عليهِ وآله) والقلم اسم لأمير المؤمنين)
  • إنَّ القلم يسطرُ ما هو ثابتُ لا يتغيّر، وإنَّ القلم يسطرُ أيضاً ما هو ثابتٌ يُمكن أن يتغيّر، وإنَّ القلم يسطرُ أيضاً ما هو مُهيّئٌ لأن يتغيّر أساساً بسبب المُلابسات التي تدورُ حوله. (وقفة توضيح لهذه النقطة).
  • فالأمرُ كُلّه إليهم إلى النون والقلم.. مثلما نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: (وأمرهُ إليكم) أمرُ الله هنا ما بين النون والقلم.. مُحمّدٌ وعليٌّ وما يسطرون.
  • ● وقفة عند ما جاء في الزيارة الجواديّة في [بحار الأنوار: ج99] في صفحة 54 جاء في هذه الزيارة:
  • (السلامُ على مَن لم يقطع الله عنهم صلواتهِ في آناء الساعات، وبهم سكنتْ السواكن وتحرّكتْ المُتحرّكات..)
  • لا يُوجد فاصلٌ بينهم وبينه (لا فرق بينكَ وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك) وحتّى هذهِ العُبوديّة تتسامى.. فقد وردَ في بعض الأحاديثِ أنَّ العبوديّة جوهرةٌ كُنهها الربوبيّة.. عبوديّتهم تتسامى.. والعبوديّةُ الحقيقيّةُ لله سُبحانه وتعالى ليستْ إلّا فيهم.. أمّا ما فينا مِن عبوديّة فهناك جانبٌ منها حقيقيٌّ وهي العبوديّة القهريّة (إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. رغم أنوفنا) لكن العبوديّة الاختياريّة التي لنا دخلٌ فيها ليستْ عبوديّةً حقيقيّة، إنّها عبوديّة مجازيّة.
    العبوديّة الحقيقيّة لله سُبحانه وتعالى ما تجلّت في كُلّ الوجود إلّا في مُحمّدٍ وآل مُحمد، لأنَّ الله سُبحانه وتعالى قد أعطاهم كُلّ شيء فهم عبيده في كُلّ شيء.. نحنُ أُعطينا بعض شيء، فنحنُ عبيدٌ بهذا العنوان (عنوان: بعض شيء)
  • — قوله: (وبهم سكنتْ السواكن وتحرّكتْ المُتحرّكات) هذا هو قانون البداء.. ما نتحدّثُ عنهُ مِن بداءٍ يرتبطُ بشُؤوننا إنّها لقطةٌ صغيرةٌ من قانونٍ واسع هو أوسعُ القوانين بسعة الوجود.. فإنّما تسكنُ السواكنُ ثُمَّ تتحرّك وتتحرّك المُتحرّكات ثُمّ تسكن.. هذا هو البداء، تغيّر الأحوال وتبدّلها.. وهذا شاملٌ للعوالم العلويّة والعوالم السُفليّة. (وذلّ كُلُّ شيءٍ لكم).
  • ● في زيارة الندبة، في صفحة 92 نقرأ:
  • (قد آتاكم اللهُ يا آل ياسين خلافته، وعِلْم مجاري أمره فيما قضاهُ ودبّره ورتّبه وأرادهُ في ملكوته – في عالم الأمر – فكشف لكم الغطاء، وأنتم خَزَنَتهُ وشُهداؤهُ وعُلماؤهُ وأُمناؤهُ، وساسةُ العباد، وأركانُ البلاد، وقُضاةُ الأحكام – إنّها أحكام الوجود – وأبوابُ الإيمان، وسلالةُ النبيّين، وصفوةُ المُرسلين، وعترةُ خِيَرةِ ربّ العالمين.. ومِن تقديره منائحُ العطاء بكم، إنفاذهُ محتوماً مقروناً، فما شيءٌ منّا إلّا وأنتم لهُ السبب وإليه السبيل – السبيل هو المجرى الذي ظهر من خلالهِ فيض السبب – خيارهُ لوليّكم نعمة، وانتقامهُ مِن عدوّكم سخطة، فلا نجاةَ ولا مفزع إلّا أنتم، ولا مذهب عنكم يا أعينَ الله الناظرة، وحملةَ معرفته، ومساكنَ توحيده في أرضهِ وسمائه، وأنتَ يا مولاي ويا حُجّةَ اللهِ وبقيّتهُ كمالُ نعمتهِ، ووارثُ أنبيائهِ وخُلفائهِ، ما بلغناهُ مِن دهرنا، وصاحبُ الرجعة لوعد ربّنا التي فيها دولةُ الحقّ وفرجنا ونصْرُ الله لنا وعزّنا)
  • — قولهِ: (قد آتاكم اللهُ يا آل ياسين خلافته) الخلافةُ الحقيقيّةُ هي خلافتهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. وما خلافةُ آدم في الأرض إلّا صُورةٌ مُصغّرةٌ تُشيرُ إلى خلافتهم، ولقد سجدَ الملائكةُ لآدم لأنَّ قبساً مِن نُورهم شعَّ في آدم.
  • — حينما نقول: آتاهم “عِلْم مجاري أمرهِ” هذا عِلْمٌ ليس كعِلْمنا.. هذا شيءٌ آخر.. هذا ليس صُورٌ تنطبعُ في الأذهان، تلكَ حقيقةٌ تكونُ الأشياءُ حاضرةً عندهم بنفسها حضور إحاطةٍ.. مِثلما نفوسنا حاضرةٌ عندنا. (وقفة توضيح لهذه النقطة).
  • — ما يرتبط بقانون البداء هُو في هذهِ العبارة: (قد آتاكم اللهُ يا آل ياسين خلافته، وعِلْم مجاري أمره فيما قضاهُ ودبّره ورتّبه وأرادهُ في ملكوته) ملكوتُ الله هُو عالمُ أمرهِ، ما وراءَ الوجود، ما وراء صفحة وجود عالم الخلق الثاني الذي خَلَقهُ اللهُ سُبحانهُ وتعالى بالمشيئةِ التي خَلَقها بنفسها.
  • — ومِن العبائر أيضاً التي ترتبطُ بنفس موضوع البداء: (ومِن تقديره منائحُ العطاء بكم، إنفاذهُ مَحتوماً مقروناً) مقروناً بإرادتكم، مقروناً بولايتكم، مقروناً بعزّتكم وسُلطانكم (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم) فكُلّ العطاء مقرونٌ بفيضكم، مردُّ الأمر إليكم، فأنتم مشيئةُ اللهِ التي خلقها بنفسها.. أنتم نون الفيض وأنتم مِحبرة الله.
  • ● وفي نفس الزيارة الشريفة زيارة النُدبة التي نزورُ بها إمامَ زماننا، جاءَ في بعض فقراتها ونحنُ نُخاطبُ إمام زماننا:
  • (وأنتَ يا مولاي فاشهد بما أشهدتكَ عليه، تخزنهُ وتحفظهُ لي عندك، أموتُ عليه، وأُنشَرُ عليه، وأقفُ به – في مواقف يوم القيامة – وليّاً لكَ، بريئاً من عدوّك، ماقتاً لِمَن أبغضكم، وادّاً لِمَن أحببتم، فالحقُّ ما رضيتموه، والباطلُ ما أسخطتموه، والمعروفُ ما أمرتم به، والمنكرُ ما نهيتم عنه، والقضاءُ المثبَت ما استأثرتْ بهِ مشيئتكم – ما اختارته وانتجبته – والممحو ما لا استأثرتْ به سُنّتكم)
  • هُناك نُسخةٌ يتحدّث عنها الشيخ المجلسي جاءتْ فيها هذه الصيغة: (والممحو ما استأثرتْ به سُنّتكم) وما هو بكلامٍ صحيح، وعلّق تعليقاً لا أجدهُ سليماً ودقيقاً.. وليس أمراً مُهمّاً.. مَن أراد أن يراجع ذلك في صفحة 122 كلامٌ مُختلٌّ ليس دقيقاً ولا سليماً.. النصّ الذي أثبتهُ الشيخ المجلسي في المتن هو هذا النصّ السليم وموجودٌ في مصادر أُخرى.
  • — أعتقد أنّ المثال القرآني “نون والقلم وما يسطرون” يُقرّب الفكرةَ والصُورةَ إلى حدٍّ بعيد بِحَسَب المعطياتِ المُتوفّرة بين أيدينا.. فنَحنُ لا نتحدّثُ عن الحقيقةِ بما هي هي وإنّما بما نستطيعُ أن نستشفّه مِن معنىً ومِن مضمونٍ ومِن ظلالٍ لحقيقةِ هذهِ المعارف الواسعة جدّاً والعميقة جدّاً والتي لا نملكُ عنها إلّا النزر اليسير.

  • في الحقيقةِ كُلُّ البياناتِ المُتقدّمةِ عن قانون البداء مِن بداية الجُزء الأوّل وإلى هذهِ الّلحظة كانتْ مُقدّمةً كي أصِل إلى روايةٍ رُويتْ عن إمامنا الجواد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” فأكثرُ الأسئلة التي وردتني تدورُ حولها.. وهي هذهِ الروايةُ الموجودةُ في كتاب [الغَيبة] للشيخ النعماني:

  • في صفحة 314 الحديث 10:
  • (حدّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال‌: كُنّا عند أبي جعفر مُحمّد بن علي الرضا “عليهما السلام” فجرى ذكْرُ السفياني وما جاء في الرواية مِن أنَّ أمرهُ من المحتوم، فقلتُ لأبي جعفر “عليه السلام”: هل يبدو للهِ في المحتوم ؟ قال: نعم، قُلنا لهُ: فنخافُ أن يبدو للهِ في القائم، فقال: إنَّ القائم من الميعاد، واللهُ لا يُخلف الميعاد).
  • أبو هاشم سأل الإمام هذا السُؤال لأنّه وردَ في الروايات أيضاً أنَّ خروجَ القائم مِن المحتوم أيضاً.
  • الروايةُ واضحةٌ جدّاً – على الأقل مِن وجهة نظري – إنّني أتحدّثُ عن خبرتي الشخصيّة بحديثِ العترة الطاهرة.
  • الروايةُ بِحَسَب خبرتي الشخصيّة في حديث العترة بنحوٍ عام وفي الأحاديث التي تتناول شُؤون إمام زماننا بنحوٍ خاصّ.. أقول: إنَّ هذهِ الرواية روايةٌ مُحكمةٌ وحاكمةٌ على بقيّة الروايات.. لسانُها، تراكيبُها، تعانقها مع الكتاب الكريم ومع أحاديث العترة الطاهرة.. فلا يُمكن أن تُوصَف هذهِ الرواية بأنّها مُتشابهة بأيّ وجهٍ من الوجوه.. فبالنسبة لي لا أحتاجُ لِعرضها على الكتاب الكريم، ولا أحتاجُ لعرضها على الأصول الثابتةِ من أحاديثِ العترة الطاهرة، ولكنّني سأقوم بهذا الأمر بين أيديكم.

  • وقفة أعرض فيها الرواية على الكتاب الكريم.

  • الرواية تشتمل على مِفصلين مُهمّين: هناك القائم الذي هو من الميعاد، والله لا يُخلف الميعاد.
  • ● في سُورة النُور الآية 55 هذهِ الآيةُ هي التي يتجلّى فيها وعد الله وميعاده لإمام زماننا “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”.. قولهِ تعالى:
  • {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلفَ الذين مِن قبلهم وليُمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضىٰ لهم وليبدلنَّهم مِن بعد خَوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومَن كفر بعد ذلك فأُولٰئكَ هُم الفاسقون}
  • هذه آية الميعاد.. الآية الصريحة الواضحة بهذا الخصوص في كلّ الكتاب الكريم.. ها هو القرآن ينطقُ بهذا الوعد.
  • — قولهِ: {وليُمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضىٰ لهم} هذا يعود بنا إلى الآية 3 بعد البسملة من سُورة المائدة، قولهِ تعالى: {اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا} بعد أن بايعوا عليّاً في الغدير.
  • فهُنا قد عُدنا إلى الإصلاح.. وإنّما يستقيمُ الأمرُ ويكونُ في مرحلة الإصلاح والصلاح بظُهورهِ “صلواتُ الله وسلامه عليه”.
  • فهُنا قد عُدنا إلى الإصلاح.. وإنّما يستقيمُ الأمرُ ويكونُ في مرحلة الإصلاح والصلاح بظُهورهِ “صلواتُ الله وسلامه عليه”.
  • وأمَّا الذين وعدهم الله فهم شيعةُ المهدي، ويتحقّقُ الوعد بوجههِ الذي إليهِ نتوجّه (أين وجه الله الذي إليه يتوجّه الأولياء).. ويُشير إلى ذلك حديث الإمام الصادق في كتاب [الغَيبة] للشيخ النعماني:
  • (عن أبي بصير، عن أبى عبد الله “عليه السلام” في معنى قوله عزَّ وجلَّ: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلّفنهم في الأرض كما استخلفَ الذين مِن قبلهم وليُمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم مِن بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا} قال: نزلتْ في القائم وأصحابه)
  • فهذا الجزء واضحٌ مِن الرواية مِن أنَّ القائم هو وعدُ الله.. وهو سُبحانه وتعالى لا يُخلفُ ميعادهُ.. وآياتهُ تعالى شاهدةٌ على ذلك كما في الآية 9 مِن سُورة آل عمران، قولهِ تعالى:
  • {ربّنا إنّك جامعُ الناس ليومٍ لا ريبَ فيه إنَّ الله لا يُخلِفُ الميعاد} فهو نفس المضمون الموجود في حديث إمامنا الجواد “صلواتُ الله وسلامه عليه”.
  • ● في الآية 39 مِن سُورة الرعد، قولهِ تعالى: {يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثبتْ وعندهُ أُمّ الكتاب} مشيئةُ الله لا حدود لها، والآيةُ واضحةٌ صريحةٌ مُطلقة.. فالباري يمحو المحتوم وغير المحتوم.. فلا يُوجد تعارض بين هذه الآية التي هي أُمّ الآياتِ في البَداء وبين ما جاء في الرواية.
  • هذا المحتوم الذي هو السُفياني يُمكن أن يُمحى ويُمكن أن يُثبت، فهو ليس مِن الميعاد، وسُورة الرعد نفسها تذكر لنا قانون الميعاد في الآية 31، قولهِ تعالى:
  • {ولو أنَّ قرآناً سُيّرتْ به الجبال أو قُطّعتْ به الأرض أو كُلّم به الموتى بل للهِ الأمرُ جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء اللهُ لهدى الناس جميعاً ولا يزالُ الذين كفروا تُصيبهم بما صنعوا قارعةٌ أو تحلّ قريباً مِن دارهم حتّى يأتيَ وعدُ الله إنَّ اللهَ لا يُخلف الميعاد}
  • كُلُّ هذه التفاصيل فيما يرتبطُ بعالم الغَيب أو بعالم الشهادة، ما يتعلّقُ بأهل الإيمان أو بأهل الكُفْر.. كُلُّ ذلك سيؤولُ أمرهُ إلى الإصلاح.. فالإفسادُ يزول والإصلاحُ هو الذي سينمو ويتجلّى حين يأتي وعد الله وهو ظهور إمام زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • فالروايةُ تنطبقُ انطباقا واضحاً شاملاً على هذه المضامين التي أشرتُ إليها.. فالقرآن صرّح بأنَّ القائم مِن الميعاد، والقرآن صرّح بأنَّ الله لا يُخلف الميعاد.. والسُفيانيُّ بِحَسَب الرواية من المحتوم، والمحتومُ ليس مِن الميعاد.. والقرآن يقول: {يمحو اللهُ ما يشاءُ ويُثبتْ وعندهُ أُمّ الكتاب} يعني يمحو ما يشاء من المحتوم ومن غيره، يُمكن أن يمحوه ويُمكن أن يُثبته.. وهذا المعنى سيتجلّى بشكلٍ واضحٍ جدّاً إذا ما ذهبنا باتّجاه أحاديث العترة الطاهرة، وسأبيّنها لكم.

  • جولة سريعة في أحاديث العترة الطاهرة:

  • ومثلما حدّثتكم في الحلقة الماضية عن المُصطلح المُتحرك، ومرَّ بنا مثالٌ (القضاء) في آياتِ الكتاب الكريم بِحَسَب حديث سيّد الأوصياء في تفسير النعماني، وعرضتُ بين أيديكم أيضاً مُصطلح “المشيئة” وبنفس الأسلوب تتبّعتُ الأحاديث والروايات، وأنتم شاهدتم بأمّ أعينكم كيف أنّ المُصطلح يتحرّك بشكلٍ واضح وقد بيّنتُ ذلك لكم مُفصّلاً.
  • والحالُ هو حين ضربتُ مثالاً عن هذا العنوان (بنو إسرائيل) في القُرآن.
  • مصطلح “المحتوم” أيضاً مُصطلحٌ متحرّك لهُ دلالات عديدة.. المحتومُ في الّلغة: أي المقطوع، حَتَم الأمْر: قَطَعهُ، فَصَل فيه.. ولِذا في لُغة العرب يُقال للقاضي الذي يفصل في الأمور ويقطع فيها: الحاتم.
  • في حديث العترة الطاهرة “المحتومُ” مُصطلحٌ مِن جملةِ مُصطلحاتهم المُتحرّكة.. ولِذا سأُبيّن لكم معنى “المحتوم” من خلال كلماتهم الشريفة.

  • المعنى (1) للمحتوم: هو المحتوم الذي يكونُ في أُفُق الميعاد وهذا لا يتطرّقُ لهُ البداء.. ومثاله الأوضح: القائم.

  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق في كتاب [كمال الدين وتمام النعمة] للشيخ الصدوق.
  • في صفحة 680 الحديث 14: (بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال: قلتُ لأبي عبد الله “عليه‌ السلام”: إنَّ أبا جعفر “عليه‌ السلام” كان يقول: إنَّ خروجَ السُفياني مِن الأمر المحتوم؟ قال لي: نعم، واختلافُ ولد العبّاس مِن المحتوم، وقتلُ النفس الزكيّة مِن المحتوم، وخُروجُ القائم مِن المحتوم…)
  • الرواية هُنا جاءتْ فحكمتْ مِن أنَّ المحتوم يقعُ قسْمٌ منهُ في أُفُق الميعاد وإنَّ الله لا يُخلف الميعاد.. فالميعادُ هو محتومٌ ولكنّهُ في أُفُقٍ لا يتطرّقُ إليه البَداء.
  • — قولهِ: (واختلافُ ولد العبّاس مِن المحتوم) إنّه يتحدّث عن الدولةِ العبّاسيّة التي تكونُ موجودةً في العراق وتحديداً في بغداد إبّان ظهور السُفياني في الشام بحَسَب القرآئن والروايات والأحاديث.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق في كتاب [الغَيبة] للشيخ الطوسي
  • (عن أبي حمزة الثمالي قال: قلتُ لأبي عبد الله “عليه السلام”: إنَّ أبا جعفر “عليه السلام” كان يقول: خُروجُ السفياني مِن المحتوم، والنداءُ مِن المحتوم – أي الصيحة في شهر رمضان – وطُلوعُ الشمس مِن المغرب مِن المحتوم، وأشياءُ كان يقولها مِن المحتوم. فقال أبو عبد الله “عليه السلام”: واختلافُ بني فلان مِن المحتوم، وقتلُ النفس الزكيّة مِن المحتوم وخُروج القائم مِن المحتوم..)
  • المضمون هو هو الذي جاء في الحديث السابق.. ولكن هذا الحديثُ فيه تفصيلٌ أكثر.
  • الرواياتُ وردتْ بهذا المضمون: أنَّ خروجَ القائم مِن المحتوم، وأنَّ السُفيانيَّ مِن المحتوم.. وروايةُ أبي هاشم الجعفري في كتاب [الغَيبة] للشيخ النعماني فصّلَتْ، فقالتْ أنَّ هُناك مرتبةٌ مِن المحتوم هي في أُفُق المحتوم لا يتطرّق إليها البداء.. لأنّهم كانوا يعرفون مِن الروايات أنَّ هذا الوصْف “المحتوم” أُطلِقَ على خُروج السُفياني وعلى خُروج القائم.
  • فروايةُ أبي هاشم الجعفري تُؤسّسُ لمعنىً واضحٍ جدّاً مِن معاني المحتوم وهو المحتومُ في أُفُق الميعاد.. هذا مُستوىً من مُستويات المحتوم في حديث العترة الطاهرة.

  • المعنى (2) للمحتوم: هو المحتوم في أُفُق القضاء المُبرَم (أي القضاء الحتمي المؤكّد الذي لابُدَّ أن يقع).

  • هذا المُستوى مِن المحتومات لن يحدثَ فيه البَداء.. لكن هذا المُستوى مِن المحتومات إنّما يقع في أعيان الأشياء (ما يرتبطُ بالأجسام من الإنس، والجنّ، والحيواناتِ، وسائر الأجسام..) إذا ما قُدّر وقُضي أن يُخلَق جسْمُ كائنٍ من الكائنات وخُلِق، فبعد أن يُخلق لن يحدث البَداء في إعدامه.. فهذا هو القضاءُ المُبرَمُ الذي لا يحدثُ فيه البَداء.. ما يرتبطُ بالأعيان والأجسام بعد خَلْقها.
  • أمَّا قبل خَلْقها فيُمكن أن يحدث البَداء فلا تُوجد، وهذا ينطبقُ على السُفياني، فإنَّ السُفياني قبل أن يتحقّق جسْمهُ على أرض الواقع حتّى لو كان بدرجةِ القضاء المُبرَم يُمكن أن يحدث فيه البَداء.. فلا يُوجد.
  • إذا وُجِدَ جسْم السُفياني وكان مُقرّراً بالقضاء المُبرَم أنَّ هذا هو السُفياني الذي يُواجه إمام زماننا، فلا يحدث البَداء في إعدامهِ وإنّما هناك احتمالٌ لِحدوث البَداء في شؤونه.. فيُمكن أن يحدث البَداء في وقت ظهوره (فيُمكن أن يتقدّم ويُمكن أن يتأخّر) ويُمكن يحدث البَداء في مُدّة حُكمه (فيُمكن أن تقصر مُدّة حُكمهِ ويُمكن أن تطول).
  • ● وقفة عند حديث الإمام الكاظم في [الكافي الشريف: ج1] باب البداء، صفحة 169 الحديث (16)
  • (بسندهِ عن المُعلّى بن محمّد، قال: سُئل العالم “عليه السلام” – أي الإمام الكاظم -: كيف عِلْمُ الله؟ – أي كيف علمه بالأشياء – قال: عَلِمَ وشاءَ، وأرادَ وقدّر، وقضى وأمضى – هذه رُتب صدور الفيض، للتقريب – فأمضى ما قضى، وقضى ما قدّر، وقدّر ما أراد، فبعلمهِ كانتْ المشيئة، وبمشيئته كانتْ الإرادة، وبإرادتهِ كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء – وهو القضاء المُبرَم – والعِلْم مُتقدّم على المشيئة، والمشيئة ثانيةٌ، والإرادة ثالثةٌ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء. فلله تبارك وتعالى البَداء فيما عَلِمَ متى شاء، وفيما أرادَ لتقدير الأشياء. فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعِلْم بالمعلوم قبل كونه، والمشيئةُ في المنشئ قبل عينه، والإرادة في المُراد قبل قيامه، والتقديرُ لهذهِ المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً، والقضاءُ بالإمضاء هو المُبرم مِن المفعولات ذواتِ الأجسام المُدركاتِ بالحواس، مِن ذوي لونٍ وريحٍ، ووزنٍ وكيلٍ، وما دبَّ ودرج مِن إنس وجنٍّ وطيرٍ وسباع وغير ذلك ممَّا يُدرَكُ بالحواس، فلله تبارك وتعالى فيه البداء ممّا لا عين لهُ، فإذا وقع العينُ المفهومُ المُدرَك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء – في أحوالهِ وشؤونه -)
  • فنحنُ قبل أن تتحقّق أجسامُنا على أرض الواقع حتّى لو كُنّا في مُستوى القضاء بالإمضاء وهُو القضاء المُبرَم.. يحدثُ البداء في إيجادنا أو في إعدامنا.. لكنّنا إذا وُجدنا بأجسامنا فلا بَداء حينئذٍ.
  • فالرواية حين تتحدّث عن السُفياني وأنّهُ مِن المحتوم وأنَّ المحتوم يحدثُ فيه البَداء، فإنَّ السُفياني إلى يومنا هذا لم يتحقّق جسمهُ في الخارج.. فما دام لم يتحقّق جسْمهُ في الخارج فإنّهُ خاضعٌ لقانون البَداء.. فيُمكن أن لا يُوجد أصلاً.
  • ● وفي صفحة 170 في كتاب [الكافي الشريف: ج1] – باب المشيئة والإرادة، الحديث الأوّل:
  • (عن عليّ بن إبراهيم الهاشمي، قال: سمعتُ أبا الحسن موسى بن جعفر “عليهما‌ السلام” يقول: لا يكونُ شي‌ءٌ إلّا ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى. قلتُ: ما معنى “شاء”؟ قال: ابتداءُ الفعل. قلتُ: ما معنى “قدّر”؟ قال: تقديرُ الشي‌ء مِن طُولهِ وعَرضهِ – إنّهُ يتحدّث عن الأجسام – قُلتُ: ما معنى “قضى”؟ قال: إذا قضى أمضاه – يعني حقّقهُ في الخارج – فذلكَ الذي لا مردَّ له) الكلام هو هو الذي مرَّ في الرواية السابقة.
  • هذهِ نماذج وأمثلة من أحاديث العترة الطاهرة التي حدّثتنا عن مُستوىً ثانٍ مِن مُستويات المحتوم.

  • المعنى (3) للمحتوم: هو المحتوم في أُفُق القضاء الذي لا يُردُّ ولا يُبدّل.. وهذا خاضعٌ للبداء أيضاً.

  • في أوّل إنشائهِ يُنشئُ بهذه الرُتبة أنّه “قضاءٌ لا يُردُّ ولا يُبدّل”.. ولكن هُناك مِن الأسباب ما يجعلُ البَداءَ نافذاً فيه ومُسلّطاً عليه.
  • على سبيل المثال:
  • ما نقرؤُهُ في أدعية شهْر رمضان، ما يُقدّرُ في ليلة القدر.. كهذا الدُعاء الذي يُستحبُّ أن يُقرأ بعد كُلّ فريضةٍ في شهر رمضان مِن أوّلهِ إلى آخره.. يقول الدعاء
  • (الّلهمَّ إنّي أسألكَ فيما تقضي وتُقدّر مِن الأمر المحتوم في ليلةِ القدر مِن القضاء الذي لا يُردُّ ولا يُبدّل أن تكتبني مِن حُجّاج بيتكَ الحرام المبرور حجّهم…)
  • هذهِ العبارة تتحدّثُ عن المحتوم في تقدير الأمور التي هي من شؤوناتِ الأجسام وذواتِ الأرواح، فليس الحديثُ هُنا عن الأجسام وعن المضامين التي تقدّم ذكرها في الروايات التي قرأتها عليكم مِن الكافي الشريف.
  • يُمكن أن يُكتَب هذا المُستوى مِن المحتوم في الكتاب، ولكن هُناك مِن الأسباب القويّة القادرة على تغييره على أن يُنفّذ حُكم البَداء فيه.. وهذا المضمون تكرّر في أدعية شهر رمضان وخُصوصاً فيما يرتبطُ بليالي القدر وفيما يُقدّر في الّليلة الثالثة والعشرين.
  • ● دعاء آخر مِن أدعية السحر في شهر رمضان:
  • (الّلهمَّ إنّي أسألكَ أن تجعلَ فيما تقضي وتُقدّر مِن الأمر المحتوم في الأمر الحكيم مِن القضاء الذي لا يُردُّ ولا يُبدّل أن تكتبني مِن حُجّاج بيتك الحرام..)
  • هذا الحشدُ والتأكيد يُوحي بأنَّ هذا الأمر لن يتغيّر ولن يتغيّر والحال أنَّ الأمور في كُلّ ليلةِ قدْرٍ تتبدّل، والحالُ أنَّ كثيراً من المناسبات بعد ليلة القدْر قد يُستجابُ فيها الدُعاء ويتغيّر التقدير.
  • ففضيلةُ يوم الثالث والعشرين مِن شهر رمضان كفضيلته.. وليلةُ العيد ليستْ أقلّ شأناً مِن ليلة القدْر، وليلةُ النصف مِن شعبان هي توأمٌ لليلة القدر.. فليلةُ النصف مِن شعبان هي ليلة قدْر العترة، وليلة الثالث والعشرين هي ليلة قدْر رسول الله.. وما هو لرسول الله فهو لهم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”، وما هو لهم فهو لرسول الله.. ولكن هُناك نحو انتظام وترتيب، هُناك حكمةٌ في هذا التبويب وهذا التنسيق.
  • وعندنا عرفة، وعندنا الغدير، وعندنا التاسع من ربيع.. كُلّها مناسباتٌ يُستجابُ فيها الدعاء، ويتغيّرُ فيها ما قُدّر للعَبد.. فكيف يكونُ هذا المحتوم بهذا الوصف في ليالي القدر؟
  • إنّما يكون المحتوم في ليالي القدر بهذا الوصف في أصلهِ، ولكنّه خاضعٌ للبداء.
  • هذا هو المُستوى الثالث من مُستويات المحتوم في أُفُق القضاء الذي لا يُردُّ ولا يُبدّل.. فهو الآخر خاضعٌ للبداء أيضاً.
  • ● وقفة عند مقطع من رواية طويلة في كتاب [عيون أخبار الرضا] للشيخ الصدوق.. والرواية من مجالس إمامنا الرضا في بلاط المأمون.
  • صفحة 159:
  • (عن الحسن بن محمّد النوفلي يقول: قدم سليمان المروزي مُتكلّم خراسان على المأمون – شخصيّة عنيدة في النقاش – فأكرمهُ ووصلَهُ، ثمَّ قال لهُ: إنَّ ابن عمّي عليَّ بن موسى الرضا قَدِم عليَّ مِن الحجاز وهو يُحبُّ الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته، فقال سليمان: يا أمير المؤمنين إنّي أكرهُ أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة مِن بني هاشم فيُنتَقضُ عند القوم إذا كلّمني، ولا يجوزُ الاستقصاءُ عليه – أي أن أذهب معه بعيداً في النقاش – قال المأمون: إنّما وجهتُ إليكَ لمعرفتي بقوّتك وليس مُرادي إلّا أن تقطعهُ عن حُجّةٍ واحدةٍ فقط – لإسقاط عصمته – فقال سليمان: حسبكَ يا أمير المؤمنين، اجمعْ بيني وبينهُ وخلّني والذمّ…)
  • الروايةُ طويلة.. إنّما قرأتُ هذه المُقدّمة كي تعرفوا أنّ الكلام هنا هو في نقاشٍ مع ناصبيٍّ، في محضر الخليفة، في مُحاولةٍ منه لإيقاع الإمام في إشكالٍ عقائدي.. فلابُدَّ أن يتحدّث الإمام بأسلوبٍ إقناعيٍّ مُناسبٍ يتناسب والمقام.. ومثلُ هذه الروايات إذا أردنا أن نأخذها لابُدَّ أن ننظر في بقيّة الروايات حتّى نستكشف المعنى، وهنا لابُدَّ مِن الرجوع إلى منهج لحن القول لمعرفة معاني الأحاديث وأن نجمعَ علم الرجال وعلم الأصول وعلم الكلام وكُلّ الهراء الحوزوي ونُلقي به في المزبلة.. لأنّه لن ينفعنا في شيءٍ أبداً.
  • — قوله: (وهو يُحبُّ الكلام وأصحابه) الإمام لا يُحبُّ الكلام ولكنَّ المأمون يُريد أن يُحرج الإمام بهذه المُحاورات لعلَّ أحداً يتمكّن من أن يُجهّل الإمام الرضا.. وإلّا فالإمام الرضا والأئمة لا يُحبّون عِلْم الكلام ولا يُحبّون أصحابه وإنّما يهتمّون به لغرض الجدال ولغرض النقاش بحدود مُعيّنة.
  • — إلى أن تقول الرواية:
  • (قال سليمان: ألا تُخبرني عن {إنّا أنزلناهُ في ليلةِ القدر} في أيّ شيءٍ أُنزلت؟ قال: يا سُليمان، ليلةُ القدر يُقدّر اللهُ عزَّ وجلَّ فيها ما يكونُ مِن السنة إلى السنة مِن حياةٍ أو موتٍ أو خيرٍ أو شرٍّ أو رزقٍ، فما قدّرهُ في تلكَ الّليلة فهو مِن المحتوم، قال سليمان: الآن قد فهمت، جعلتُ فداك فزدني، قال: يا سليمان، إنَّ مِن الأمور أموراً موقوفةً عند الله عزَّ وجلَّ يُقدّم منها ما يشاء ويُؤخّر ما يشاء ويمحو ما يشاء، يا سليمان إنَّ عليّاً “عليه السلام” كان يقول: العِلْمُ عِلْمان، فعِلْمٌ عَلِمَهُ اللهُ وملائكتهُ ورسلُهُ، فما عَلِمَهُ ملائكتُهُ ورسلُهُ فإنُهُ يكون ولا يُكذّب نفسهُ ولا ملائكتَهُ ولا رسلَهُ، وعِلْمٌ عندهُ مخزون لم يُطلعْ عليه أحداً مِن خلقه، يُقدّم منهُ ما يشاء ويُؤخّر منهُ ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبتُ ما يشاء…)
  • هذه الرواية في مقام التقيّة وإقناع المُخالف.. فهذا المأمون ناصبي وعدوّ يُريد قتل الإمام، وهذا سُليمان المروزي ناصبيٌّ عنيد يُجادلُ لإبطال حُجَج الإمام ومنطقه.. هذه مؤامرة واضحة للإساءة إلى الإمام الرضا.. فمثلما يمكرون به لابُدّ أن يمكر بهم.. فلابُدّ أن يكونَ الكلامُ آتياً بنحوٍ يتناسب مع واقع المُتلقّي ولابُدّ أن تُبيّن الأمور بهذا النحو.. ولهذا اقتنع سُليمان المروزي لأنّ الإمام أغلق عليه الأبواب.
  • علماؤنا يأتون إلى مثل هذه الروايات ويُؤسّسون عليها.. هذه الرواية لا يُؤسّس عليها.. الرواية تحدّثتْ عن أنّ التقدير في ليلة القدْر محتوم، وهناك أمورٌ موقوفةٌ هي خارجةٌ عن هذ الحدّ المحتوم.. هذا منطقٌ إقناعيٌّ في بلاط الشياطين مع إمامٍ من أئمة النار (مع سلمان المروزي).
  • ● في [تفسير القُمّي] فيما جاء في سُورة الدُخان، نقرأ:
  • (في قولهِ عزَّ وجلَّ: {فيها يُفرق كُلُّ أمرٍ حكيم} أي يُقدّر الله كلَّ أمرٍ مِن الحقّ ومِن الباطل، وما يكونُ في تلكَ السنة، ولهُ فيه البَداءُ والمشيئة يُقدّم ما يشاء ويُؤخّر ما يشاء مِن الآجالِ والأرزاقِ والبلايا والأعراض – الأحوال المُختلفة التي تطرأ على الخلق – والأمراض ويزيدُ فيها ما يشاء وينقص ما يشاء، ويُلقيه رسولُ الله إلى أمير المؤمنين، ويلقيه أمير المؤمنين، إلى الأئمة، حتّى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان، ويشترط لهُ ما فيه البداء والمشيئة والتقديم والتأخير).
  • أمير المؤمنين يقول: ما من مَلَكٍ في السماء يخطو قدماً عن قدم إلّا بإذني.. فما بالك بما يجري في الأرض؟! وهذه مجرّد إشارات.. القضيّة أكبر وأوسع من ذلك.
  • هذا المنطق واضح أنّ البداء يجري في كُلّ ما يُقدّر في ليلة القدر.
  • الأدعية تتحدّث عن أنّ الأصل في هذا التقدير يكون في أُفق المحتوم ولكنّه خاضعٌ للبداء.
  • — (وقفة عند مجموعة مِن أحاديث العترة الطاهرة تتحدّث عن هذا المضمون أنَّ الدعاء يردُّ البلاء والقضاء ولو كان قد أُبرمَ إبراماً..)

تحقَق أيضاً

الحلقة ٣٠ – المحطّة السابعة: نفخُ الصور ج١

يازهراء …