قتلوك يا فاطمة – الحلقة ١٨ – قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة ج٨

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الخميس 3 جمادى الأولى 1440هـ الموافق 10 / 1 / 2019م

  • هذا هو الجزءُ الثامنُ مِن مجموعةِ الحلقاتِ التي جعلتها جواباً مجموعةِ الأسئلة التي وردتني والتي يدورُ مضمونها حول البداء، وقد جعلتُ عُنواناً لهذهِ الحلقات: “قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة”.

  • هذهِ الحلقةُ خصّصتُها للإجابة على مجموعةٍ مِن الأسئلة التي وردتني مِن بعض السادة الأفاضل.
  • ● ما تقدّم من حديثٍ في الحلقات الماضية كان جواباً على مجموعةِ الأسئلة هذهِ وعلى أسئلةٍ عديدة أخرى.. فحديثي عن البداء في ثقافة الكتاب والعترة في الحلقات المُتقدّمة كان جواباً على مجموعةٍ كبيرةٍ من الأسئلة.. مِن بينها هذهِ المجموعة التي وردتني في رسالةٍ واحدة، ولِذا أُجيبُ عليها لأنّها كثيرةٌ.

  • السؤال (1): المحتومات هي عِلْمٌ خاصّ اختصَّ الله به أنبياءَهُ ورسلَهُ وملائكتَهُ والمعصومين كونها واقعةٌ لا محالة.. وهُم أخبروا الناس بذلك اعتماداً على هذا الإخبار

  • السؤال: إذا وقع البداء فيها على نحو الإلغاء ألا يستدعي ذلك تكذيب الأنبياء والرُسل بإخباراتهم وهذا الأمرُ خلافُ الحكمة الإلهيّة، والتشكيك في أخبارهم، فهل علمهم ظنّيٌّ وليس يقيني؟! ثُمّ ألا يستدعي ذلك القول بنقض الغرض الإلهي “أستغفر الله” ؟
  • الجواب: ماذا نصنعُ مع القرآن..؟! فإذا ما ذهبنا إلى سُورة يونس في الآية 98: {فلولا كانتْ قريةٌ آمنتْ فنَفَعَها إيمانُها إلّا قومَ يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم عذابَ الخزي في الحياة الدنيا ومتّعناهم إلى حين}.
  • يونس مِن الأنبياء وأخبر قومَهُ بالعذاب، وبدتْ علائم العذاب ولكنّه أُلغي بعد ذلك.. فماذا نصنعُ مع القرآن والقرآن يُحدّثنا عن ذلك..!
  • علماً أنّهُ في رواياتنا ما هو أشدُّ مِن ذلك.
  • ● وقفة عند مقطع من روايةٍ طويلةٍ وجميلة أوردها السيّد هاشم البحراني في [تفسير البرهان: ج4]
  • في صفحة 60 الحديث (6) وهو منقول عن تفسير العيّاشي.. ممّا جاء فيه:
  • (فلمّا كان يومُ الأربعاء الذي توقّعوا فيه العذاب، تنحّى روبيل عن القرية – روبيل من أصحاب يونس وكان من أهل العلم ولكنّه كان مُختلفاً مع يونس أن يكون سبباً لعذاب قومهِ -، حيثُ يسمعُ صُراخهم ويرى العذاب إذا نزل، فلمَّا طلعَ الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به، فلمَّا بزغتْ الشمس أقبلتْ ريحٌ صفراء مُظلمةٌ مُسرعة، لها صريرٌ وحفيف وهدير – تصدر منها أصوات مختلفة مُخيفة – فلمّا رأوها – رأوا علائم العذاب – عجّوا جميعاً بالصُراخ والبكاء والتضرع إلى الله، وتابوا إليه واستغفروه، وصرخت الأطفال بأصواتها تطلب أُمّهاتها، وعجّتْ سخال البهائم – وهي صغار الماعز – تطلب الثدي، وعجّتْ الأنعامُ تطلبُ الرعي، فلم يَزالوا بذلك ويونس وتنوخا يسمعان ضجيجهم وصراخهم ويدعوان اللهِ بتغليظ العذاب عليهم – تنوخا من أصحاب يونس الذي كان موافقاً ليونس في إنزال العذاب على قومه – وروبيل في موضعهِ يسمعُ صُراخهم وعجيجهم، ويرى ما نزل، وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم.
  • العذاب نزل، حتّى أنَّ إسرافيل لمّا أمرهُ الله برفع العذاب عنهم، قال إسرافيل: يا ربّ إنَّ عذابك قد بلغ أكتافهم وكاد أن يُهلكهم، وما أراه إلّا وقد نزل بساحتهم، فإلى أين أصرفه..؟!
  • فالعذاب وصل إلى أكتافهم ونزل بساحتهم.. والنبيُّ يونس وصاحبهُ تنوخا كانا يدعوان، وكان النبيُّ يونس يُغلّظ في دُعائه ويطلب مِن الله أن يُغلّظ العذاب عليهم.. ولكن الذي حدث هو أنَّ العذاب صُرِف عنهم وأُزيل بالكامل..!!
  • فهذا نبيٌّ أخبر عن العذاب وبدتْ علائم العذاب ولكن التضرّع والاستغفار والدُعاءَ أزال ذلك .. فهذا إلغاءٌ للعذابٌ، وهذا إخبارٌ مِن نبيٍّ ولم يتحقّق على أرض الواقع..!
  • أضف أنّنا لا نعرفُ عن أحوال الأنبياء إلّا القليل.. عدد الأنبياء 124 ألف نبي، وفي روايةٍ مليون و124 ألف نبي.. والذين ذُكِروا في القرآن مِن الأنبياء عددهم قليلٌ جدّاً، وحتّى الذين ذُكِروا في القُرآن لم تُذكَر كُلُّ التفاصيل عنهم لا في القُرآن ولا حتَّى في الأحاديث.. فكيف لنا أن نقطعَ بأنَّ أحوال الأنبياءِ جميعاً هكذا..؟! وهذا شاهدٌ واضح، وهُناك شواهدُ أُخرى في الكتاب الكريم تُشير إلى الإلغاء بعد حدوث العذاب..!
  • ● هناك مثالٌ آخر: وهو ما جرى مع قومِ موسى الذين ذهبوا إلى الميقات، وكانَ موسى قد أخبرهم أنّهم سيسمعون كلام الله ويعودون إلى بني إسرائيل، ولكنَّ الله أنزل عليهم الصاعقة وماتوا.. وبعد ذلك أحياهم ورجعوا إلى قومهم..؟! فماذا نصنعُ مع هذهِ الحقائق؟! مع ملاحظةِ أنّنا لا نملكَ كُلَّ التفاصيل عن أحوال الأنبياء، وما ذُكِر من الأنبياء في القرآن عدد قليل وما ذُكِر عن أحوالهم شيءٌ قليل.. فكيف نؤسّس منطقاً وقواعد ونُطلقُ هذهِ الاطلاقات التي أُطلقتْ في هذا السؤال..؟!
  • ● هُناك مشكلةٌ في التعامل مع معارف الكتاب والعترة، والمشكلةُ تنشأُ مِن عدمِ الموسوعيّة وعدم الاطّلاع على التفاصيل والدقائق.. ولذا قال الأئمة:
  • (اعرفوا منازل شيعتنا عندنا بقدر ما يُحسنون من روايتهم عنّا وفهمهم منّا)
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [بحار الأنوار: ج4] في صفحة 119 الحديث (57):
  • (عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله “عليه السلام” قال: إنَّ الله كتب كتاباً فيه ما كان وما هو كائن، فوضعهُ بين يديهِ، فما شاءَ منه قدَّم، وما شاء منه أخَّر، وما شاء منه محا، وما شاء منه أثبت، وما شاء منه كان، وما لم يشأ منه لم يكن)
  • قد يقول قائل: وما الفارق بين قولهِ “وما شاء منه محا، وما شاء منه أثبت، وما شاء منه كان، وما لم يشأ منه لم يكن”.
  • وأقول: ربّما ورد في بعض الروايات أنَّ المحو والإثبات هو الكون وعدم الكون.. ولكنّنا إذا نظرنا بدقّةٍ إلى تفاصيل الأحاديث فإنّنا نكونُ مخلوقين بعد أن يتحقّق خلقُنا في هذا العالم، ولنا مرحلةُ خَلْقٍ قبل هذا العالم في طبقاتٍ سابقة، ولكنَّ خَلْقنا هُناك ليس كخلقنا هُنا.
  • ما جاءَ في الرواياتِ فيما يَرتبطُ بالقضاء المُبرَم الذي لا يحدثُ فيه البداء وهُو فيما يرتبطُ بالأجسامِ والمُدركاتِ الحسيّة بعد تكوّنها.. وإنّما يطرأ البداء بخُصوص أحوالها الطارئة عليها، بخُصوص أعراضٍ تُعرض عليها.. لكن لا يطرأ البداء لا على خَلْقها فتفنى، ولا على وجودها فتُعدم.. فإنَّ الخَلْق لهُ مراحل.
  • ● تقريب الفكرة بما جاء في زيارة الصدّيقة الكبرى:
  • نحنُ نقرأ في زيارة الصدّيقة الكُبرى: (يا مُمتحنةُ امتحنكِ الذي خلقكِ قبل أن يخلقكِ..)
  • هذا المعنى لهُ دلالتهُ الخاصّة بالصدّيقة الكُبرى، لكنَّ الزيارةَ تتحدّثُ عن خَلْقٍ قبل الخَلْق.. فهُناك خَلْقٌ قبل الخَلْق، تلكَ هي مراتبُ الخَلْق والتخليق وكلُّ الكائنات تمرُّ بهذهِ المراتب.
  • المراتبُ السابقة هي هذهِ التي يتحدّثُ عنها إمامنا فيقول: (وما شاء منه كان، وما لم يشأ منه لم يكن) فلم يكنْ قد تحقّق في المراتب السابقة.. أمّا الذي تحقّق في المراتب السابقة ولكنَّ البداء حال فيما بينه وبين أن يتحقّق هُنا في هذا العالم.. هو هذا الذي يقول عنه إمامنا الصادق (وما شاءَ منهُ محا، وما شاءَ منهُ أثبت) وهذهِ المضامين إنّما تتجلّى مِن خلالِ جمعنا لكلّ المُعطياتِ في الكتاب الكريم وفي أحاديثِ العترة الطاهرة.
  • ● رواية أُخرى في [بحار الأنوار: ج4] عن أبي حمزة الثمالي صفحة 119 الحديث (59) منقولٌ عن تفسير العيّاشي.
  • (عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر وأبو عبد الله “عليهما السلام”: يا أبا حمزة إنْ حدّثناك بأمرٍ أنّهُ يجيء مِن ها هُنا فجاء مِن ها هنا فإنَّ الله يصنعُ ما يشاء – هذا في التغيير – وإنْ حدّثناكَ اليوم بحديثٍ وحدّثناك غداً بخلافهِ فإنَّ الله يمحو ما يشاءُ ويُثبت – وهذا في الإلغاء -)
  • ● رواية أُخرى: في صفحة 122 الحديث 70 :
  • (عن سليمان الطلحي قال: قلتُ لأبي جعفر “عليه السلام”: أخبرني عمّا أخبرتْ به الرُسُل عن ربّها وأنهتْ ذلك إلى قومها، أيكون لله البداء فيه؟ قال: أما إنّي لا أقولُ لكَ: إنّه يفعلُ، ولكن إنْ شاء فعل)
  • إذا جمعنا بين هذهِ الروايات وبين الآياتِ وبين المعنى الواضح جدّاً في الآية {يمحو الله ما يشاء ويُثبتْ وعندهُ أُمّ الكتاب} الحقائقُ والمُعطياتُ كُلّها تُشيرُ إلى المضامين التي حدّثتُكم عنها في الحلقاتِ الماضية.

  • السؤال (2): الموتُ أمرٌ حتميٌّ كما في دعاء العهد: (الّلهمّ إنْ حال بيني وبينهُ الموتُ الذي جعلتهُ على عبادكَ حتماً مقضيّاً) فهل وقوعُ البداء فيه يعني أنَّ الإنسان لا يموت أبداً وأنّه سيبقى خالداً أبد الدهر..؟! أم أنّه تقديمٌ أو تأخيرٌ في وقته.. فلماذا لا يكون كذلك البداء في المحتوم المهدوي؟!

  • الجواب: السؤالُ مبنيٌّ على مُقدّمةٍ خاطئة.
  • الموتُ جزءٌ مِن بناء التكوين، والبداء لا يتطرّق إلى بناء التكوين.. الموتُ مِثلما أنَّ المطر يتكوّنُ بالطريقةِ الفلانيّة ويهطلُ بالصُورة الفلانيّة فإنَّ البداء لا يتدخّلُ هُنا في أن يُغيّر قوانين تكوين المطر وقوانين طريقة هُطوله.
  • نحنُ قرأنا في كتاب [الكافي الشريف: ج1] باب البداء ما جاءَ عن إمامنا الكاظم “صلواتُ الله وسلامه عليه” حين يقول:
  • (والقضاءُ بالإمضاء هو المُبرم مِن المفعولات ذواتِ الأجسام المُدركاتِ بالحواس، مِن ذوي لونٍ وريحٍ، ووزنٍ وكيلٍ، وما دبَّ ودرج مِن إنس وجنٍّ وطيرٍ وسباع وغير ذلك ممَّا يُدرَكُ بالحواس، فلله تبارك وتعالى فيه البداء ممّا لا عين لهُ، فإذا وقع العينُ المفهومُ المُدرَك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء – في أحوالهِ وشؤونه بعد الخلق والتحقّق على أرض الواقع -)
  • مثلما تشتغلُ أجهزة البدن الإنساني.. فإنَّ البداء لا يتدخّلُ كي يُغيّر طريقةَ عمل الجهاز الهضمي، ولا يتدخّل البداء كي يُغيّر قوانين الجهاز التنفّسي عند الإنسان.. الموتُ هو قانونٌ مِن قوانين بناء التكوين (وقفة تقريب للفكرة).
  • القوانينُ الكونيّة ليستْ خاضعةً للبداء.. قانونُ الموتُ لا علاقةَ لهُ بالموضوع.. قانونُ الموت كقانونُ الحياة.. الموتُ مرحلةٌ إنتقاليّةٌ ينتقلُ فيها الكائنُ الذي يموتُ إلى عالمٍ آخر.
  • فبالموتِ ينتقلُ الإنسانُ مِن مرحلةٍ إلى مرحلة.. وهذا جُزءٌ مِن تكوين الإنسان، إنّهُ جزءٌ مِن تكوين الحياة.. الموتُ ليسَ إعداماً للحياة، وإنّما هُو تكملةُ الحياة في عالمٍ آخر بخُصوصيّاتٍ أُخرى وبشأنٍ آخر.. كما يُعبّر سيّد الشُهداء فيقول: (إنّما الموتُ هو نُقلى من دارٍ إلى دار) يعني عمليّة عبور.. فهذا قانونٌ مِن قوانين بناء التكوين لا علاقة للبداء فيه.. نعم تنفيذهُ قد يكونُ بالقتل، قد يكونُ بالسمّ، قد يموتُ الإنسان بالسُقوط مِن شاهقٍ عالٍ، باحتراقِ طائرةٍ وهكذا.. تنفيذُ هذا القانون التكويني مُرتبطٌ بشُؤون الإنسان وأجلهِ وعمله.
  • الإنسانُ بإمكانه أن يُطيل في عُمره، أن يُقصّر، أن يختار الميتةَ التي يموتُ بها.. هذهِ القضيّةُ راجعةٌ لشأنِ الإنسانِ وخُصوصيّاته.. لكنّهُ لابُدَّ أن يموت.. إنّك ميّتٌ وإنّهم ميّتون.. هذا هو قانونُ الموت، ونحنُ هكذا نقول في عقائدنا وفي تلقيننا للموتى: (وأنّ الموت حقّ) هذا قانونٌ كونيٌّ لا علاقةَ له بعالم البداء.. البداء فقط يتدخّل في طريقةِ تنفيذهِ وفي طريقة إجرائه على الإنسان.

  • السؤال (3): الملاحظُ أنَّ حديث أهل البيت ما إنْ يذكروا علامةً إلّا واستشهدوا بآيةٍ قرآنيّة كريمة، فإذا وقع البداء وألغى هذهِ العلامة ماذا نقولُ عن هذهِ الآية القرآنيّة؟ وهل نقول بتعطيل القُرآن على الأقل في ثقافةِ أهل البيت التفسيريّة؟!

  • الجواب: هذا السُؤال أيضاً مبنيٌّ على مُقدّمةٍ خاطئة..
  • أولاً: القرآنُ لا يُفسّر في أفقٍ واحد، القرآنُ لهُ ظواهر، لهُ بواطن، لهُ مطالع، له مجاري.. وتلكَ منظومة التفسير الواسعةُ عند آل محمّد.. القرآنُ ليس محصوراً في أفق واحد.
  • ثانياً: القرآنُ فيهِ آياتٌ ناسخةٌ وآياتٌ منسوخة.. والآياتُ المنسوخةُ في القرآنِ بحَسَب أحاديث العترة الطاهرة كثيرة.
  • وحتَّى لو كانتْ الآياتُ المنسوخةُ قليلةً – كما يقول مراجعُ الشيعة وهو قولٌ مُخالفٌ لحديث العترة بدرجة 100% – ولكن لو فرضنا أنَّ الآيات المنسوخة قليلة فوجود آياتٍ منسوخةٍ – وخُصوصاً بحَسَب الفَهْم مِن أنَّ الآية إذا نُسختْ انتهتْ – بينما بحَسَب منظومة التفسير عند أهل البيت فإنّ الآيات لها آفاق حتّى لو كانتْ من آيات الأحكام.. ما يُنسَخ منها هو وجهٌ من وجوهها.
  • كذلكَ هي الآيات التي فُسّرتْ في وجهٍ مِن وجوهها في العلامات، ونحنُ لا نقطعُ بأنَّ العلامات لن تتحقّق.. مَن قال بهذا..؟! الذي يظهرُ من الروايات أنَّ احتمالَ حصولِ البداء حاصلٌ فيها.
  • نحنُ لا علم لنا بالبداء، ولا نعرفُ كيف يتحقّق البداء، وليس لنا مِن اطّلاعٍ على أسراره وتفاصيله.. غايةُ الأمر الذي يظهر مِن الآيات والروايات أنَّ المحتوم على أصناف منهُ ما لا يحدث فيه البداء، ومنه ما يُمكنُ أن يحدثَ فيه البداء، وهذا هو الذي ينسجم مع حالة التسليم لآل محمّد.
  • ما أعتقدهُ أنا شخصيّاً هو أنَّ العلائم ستتحقّق، لأنَّ هذا الذي يظهرُ مِن الروايات والأحاديث.. ولكنّني أعتقدُ لو أنَّ الإمام ظهرَ يوم غد، فإنّني لن أتساءلَ لماذا لا تحدثُ العلامات.. لأنَّ الإمام المعصوم مُرادهُ فوق كُلّ مراد وانتهينا.. إنّهُ التسليمُ لإمام زماننا.. الحكمةُ مِن كُلّ هذا الحديث هو التسليم.
  • ● كثرةُ أحاديث أهل البيت عن حصول هذهِ العلامات، وبناؤنا على حُسن الظنّ بإمام زماننا مِن أنّه سيلطف بشيعته.. والعلاماتُ لُطفٌ.. لا ترتبطُ ارتباطاً ذاتيّاً بإمام زماننا، ولا ترتبطُ ارتباطاً ذاتيّاً بمشروعهِ مُطلقاً.. مشروعُ إمامِ زماننا لا علاقةَ لهُ بكُلّ هذهِ العلامات.. العلاماتُ هي أحداثُ تترتّبُ على سلسلةٍ مِن تفاصيل الحياة في واقع الشيعة وفي واقع غيرهم وخُصوصاً في منطقة الظهور.. ومرادي مِن منطقة الظهور (العراق، إيران، الجزيرة العربيّة، الخليج العربي، اليمن، عمان، الإمارات، دول الخليج، تركيا، الشامات بكلّها “لبنان وسوريا والأردن وفلسطين”، ومصر) هذهِ العناوين هي الأهمّ في أطلس الأحداث والوقائع التي تسبق الظهور والتي تكون أيضاً في بداية الحركة المهدويّة.
  • كثرةُ الحديثِ عن العلامات من قِبَل الأئمة “صلواتُ الله وسلامه عليهم” وحُسْن الظنّ الي نحملُهُ في تعاملنا مع إمام زماننا.. فإنَّ الّلطف بشيعتهِ وحتّى بغير شيعته يترتّب عليه أنَّ هذهِ العلامات ستقع.. إن لم تقعْ جميعاً فإنَّ أكثرها ستقع.
  • ولكن لو أنَّ إمامنا ظهر مِن دُون هذهِ العلامات فإنّه إمامُنا، وليس مِن ضَيرٍ ولا مِن إشكال.. ومعرفتنا بإمامنا لا تتوقّف على هذه العلامات، فإنّ الإمام إذا ظهر فإنّه يظهر في وضعٍ وفي جوٍّ وفي برنامجٍ يجعل الآخرين فضلاً عن الشيعةِ سيعتقدون بهِ ويُسلّمون له.
  • ● الأصل في الحديث عن وقوع البداء في المحتوم هو مأخوذٌ ومُستقىً مِن آيات الكتاب ومِن أحاديث العترة وبشكلٍ واضح، وليس الأمر واقفاً على روايةٍ واحدة وهي رواية أبي هاشم الجعفري عن إمامنا الجواد، وإنّما هذهِ الرواية إذا ما قيستْ بسائر الروايات الأُخرى فإنّها روايةٌ مُحكمةٌ وحاكمة، والروايةُ المُحكمة والحاكمةُ أُردّدها دائماً لأنّها تختصرُ المطلب الذي تكرّر في كمٍّ هائل من الأحاديث والوقائع التي أشرتُ إلى كثيرٍ منها في الحلقاتِ المُتقدّمة.
  • (وقفة عند نماذج من الأمثلة الواضحة مِن آيات الكتاب الكريم التي أشرتُ إليها في الحلقاتِ الماضية).

  • السؤال (4): إنَّ قانون العلامات منوطٌ بقانونيّة نظام الخرز، أي أنّ كُلّ علامةٍ مُرتبطةٍ ارتباطاً وثيقاً بالعلامةِ التي قبلها والتي بعدها كنظام الخرز (المسبحة) فإذا كان البداء في السُفياني (إلغاءً) فهذا يعني إلغاء علامتين مُرتبطتين بعلامةِ السُفياني وهُما: الخسف وطمْس الوجوه والّتي ورد ذكرهما في القرآن الكريم بحسب تفسيرهم.. فهل يُوجد دليلٌ على إلغاء أو البداء في هذه العلامات؟!

  • الجواب: هذا السُؤالُ مبنيٌّ على مُقدّمةٍ خاطئةٍ أيضاً.
  • لأنَّ الخسْف وطمْس الوجوه هذه ليستْ بعلاماتٍ مُستقلّة، هذه علاماتٌ مرتبطةٌ بوجود السُفياني، لابُدَّ أن يُوجد السُفياني حتّى يُرسل بعد ذلك جيشاً إلى المدينةِ ويُخسَف فيه، وبعد الخسْف ينجو من ينجو.. وفي الرواياتِ هُما شخصان يُطمسُ وجهاهُما.. وفي بعض الروايات يُطمسُ وجهُ أحدهما الذي هو نذيرٌ يذهب إلى السُفياني.. التفصيل الذي ذُكِرَ في الروايات وقد اختلفتْ الرواياتُ فيما تحدّثتْ عن شؤون هذه الوقائع.
  • فإذا ثبتَ أنَّ السفياني مِن المحتوم، فإنَّ المحتوم يحدثُ فيه البداء، فهذه العلائم لن تقع.. والكلامُ هو هو الذي مرَّ فيما تقدّم بخُصوص الآيات التي ذُكرتْ شيئاً أو تفصيلاً كاملاً عن حوادثِ ووقائع إرهاصات الظُهور أو ما يكونُ في عَصْر الظهور أو في عَصْر الرجعة العظيمة.
  • فأعتقد أنَّ الجواب يتّضحُ ممّا تقدّم، لكن ما أشار إليه السُؤال مِن أنّ (قانون العلامات منوطٌ بقانونيّة نظام الخرز) هذهِ العلاماتُ حينما تحدّثتْ الرواياتُ عنها مِن أنّها نظامٌ كنظام الخرز يعني مِن جهة التتابع الزماني، لا علاقة لهذهِ العلامات فيما بينها.. كُلُّ علامةٍ لها خُصوصيّاتها.. وإنّما الرواياتُ أرادتْ أن تقول أنَّ العلامات التي قد يُعبّر عنها بالعلاماتِ المحتومة أو قد يُعبّر عنها بالعلامات القريبة، أو بالعلامات الخاصّة.. هذهِ العلامات التي تقعُ في زمانٍ قريبٍ مِن ظُهور إمام زماننا يتحدّثُ الأئمة عن أنّها تأتي مُتتابعةً. يعني أنَّ الزمان فيما بينها لا يكونُ بعيداً، ولا يأتي أيضاً بنحو الالتصاق.
  • الرواياتُ تُخبرنا أنَّ علائمَ السُفياني تكونُ واضحةً جدّاً في شهر رجب.. الصيحةُ تكونُ في شهْر رمضان، فهُناك فاصلٌ زماني ولكنّهُ ليس ببعيد.. هذهِ الحوادث تكونُ مُتقاربة..
  • ما علاقةُ السفياني بكسوفٍ وخُسوفٍ في غير موعدهما مثلاً..؟! لا يُوجدُ ارتباطٌ وترابطٌ فيما بينَ هذهِ الحوادث.. الرواياتُ تحدّثتْ عن ذلك مِن أنّه نظامٌ كنظام الخرز، وعبارة الإمام دقيقة لأنَّ الخرز في المسبحة أو في أيّ منظومةٍ يُنظم فيها الخرز.. ليس هُناك من ارتباطٍ ذاتيٍّ فيما بينها.. غايةُ الارتباط أنَّ أحدها يأتي بعد الآخر في سلكٍ أو خيط، لكن لو انقطع هذا الخيط فإنَّ هذهِ الخرزات ستقعُ مُتتابعةً.. في البدايةِ ستكونُ مُسرعةً جدّاً، ولكن بعد ذلك تتباطىء حركتها.. فالذي تحدّث عنهُ الأئمة في هذا الوصف إنّما أرادوا هذا المعنى.. وهذا يتجلّى مِن خلال دراستنا لنفس المواصفات.
  • فالحديث هنا عن الخسف وعن طمس الوجوه يرتبطُ بعلامة السُفياني، ونحنُ لا نملكُ دليلاً أساساً على أنَّ السُفيانيَّ سيُلغى، وإنّما بِحَسَب القوانين السُفيانيُّ من المحتوم، وما زال لم يتحقّق جسداً في الخارج فإنّهُ خاضعٌ للبداء.. وقد قرأتُ عليكم الروايات وهي واضحةٌ جدّاً.
  • هذهِ الأسئلةُ تنشأ مِن شُبهةٍ بحَسَب عدم الفَهْم الدقيق لِما جاء في الآياتِ والروايات.

  • السؤال (5): مِن صُور البداء في آيات الكتاب الكريم وأبرزها: صُورة الذبح العظيم وإسماعيل، ميقاتُ موسى، وعد الله لعمران والد السيّدة مريم في أن يُرزق ولداً.. كُلّها كان الأمر فيها محتوماً، ولمّا حصلُ البداء فيها غيّر بعض التفاصيل.. وللتوضيح: رجوع موسى إلى الميقات كان محتوماً، {وواعدنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعشْرٍ فتمَّ ميقاتُ ربّهِ أربعين ليلة} فالبداء غيّر موعدَ الرجوع ولم يُلغِ الرجوع، لأنّه ليس محتومٌ.

  • الجواب:
  • أنا أقولُ للسائل الفاضل أنّكَ ذكرتَ مثالاً مِن الأمثلة حصَل فيه الإلغاء وهو ذَبْح إسماعيل، فإنَّ ذبْحَ إسماعيل قد أُلغي، وأَنزلَ اللهُ كبشاً مِن الجنان وذُبِح الكبش.. في القصّة المعروفة.. فليس هُناك من تغيير في التفاصيل.
  • الحُكْم كان في ذبح إسماعيل وأُزيل هذا الحُكْم.. فهذا إلغاء، والقضيّةُ واضحة.. فهذا السُؤال يُناقضُ نفسهُ بنفسه.
  • إلّا إذا كان مراد السائل هو أنّ الحُسين كان فداءً لإسماعيل – كما يعتقد البعض – وهذا هراءٌ مِن القول، فلا وجود لهُ في أحاديث العترة الطاهرة.. الموجودُ في أحاديث العترة الطاهرة هو أنَّ الله تعالى عوّض حُزْن إبراهيم على ولده بحُزنه على الحُسين.. يعني بدل أن يُعطى أجْر الحُزن على ولده إسماعيل أُعطي إبراهيم أجر الحُزن على الحُسين.. هذا المُراد مِن الفداء ومِن عُنوان الذبْح العَظيم.. هذا الذي أشارتْ إليه الروايات، فلا علاقةَ لهذا الموضوع بموضوعنا.. الذي جرى على أرض الواقع أمرٌ قطعيٌّ صدر إلى إبراهيم أن اذبح ولدك، وهذا الأمر أُزيل.
  • بعضُ الروايات تقول أنَّ إبراهيم خَدَشهُ، ذَبَحهُ بطَرَف السكّين.. ثُمّ نزل الأمر بإزالةِ الحُكْم.. وهذا بداء بالإلغاء والإزالة.. أُلغي الحُكْم وأُزيل من أصله.
  • وكذا الحال في سُورة البقرة في الآية 55، 56: {وإذْ قلتم يا مُوسى لن نؤمنَ لكَ حتّى نرى الله جهرةً فأخذتكم الصاعقةُ وأنتم تنظرون* ثمّ بعثناكم مِن بعد موتكم لعلّكم تشكرون}.
  • حين قالوا: {لن نؤمنَ لكَ حتّى نرى الله جهرةً} الله تعالى أنزل عليهم الصاعقة لسُوء أدبهم.. ولجَّ مُوسى في الدُعاء، ماذا أقولُ لبني إسرائيل، سيقولون أخذتَ خيارنا وقتلتهم، أنتَ قد وعدتنا بأن يسمعوا كلام الله ويعودوا إلينا.. فأحياهم الله سُبحانه وتعالى، وعادوا إلى قومهم.
  • الآيات والروايات صريحةٌ إلّا إذا أردنا أن نقفز على الحقائق.

  • السؤال (6): هل البداء (الإلغاء) سيشملُ كُلَّ علامات الظهور؟ ما قبلهُ وما بعدهُ؟ أو ما قبله فقط؟ فهل سيحصل البداء في علامة عيسى المسيح؟ وهل يصحّ أن نتصوّر أنَّ الله سيُلغي بالبداء ظهور عيسى؟

  • الجواب:
  • ولماذا لا يصحُّ أن نعتقد أنَّ الله يُلغي ظُهور عيسى؟ أنا لا أقول أنَّ ذلكَ سيحدث، ولكنَّ عيسى غاية ما يصِل إليه أنّه حجّةٌ من الحُجج العرضيّةِ لإمام زماننا.. إمامُ زماننا هو الحجّةُ البالغةُ بذاته، وعيسى حُجّةٌ مِن حُجج إمام زماننا.. إذا كان إمامُ زماننا لا يُريد لعيسى أن ينزل، فهو لا ينزل.. (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم). عيسى جُنديٌّ مِن جنود إمام زماننا.. نزولهُ بأمْر إمام زماننا.. فما مِن ملكٍ في السماء يخطو قدماً عن قدمٍ إلّا بإذنه، وما مِن نبيٍّ وما مِن وليٍّ يفعلُ شيئاً إلّا بإذنه.. فكُلُّ شيءٍ لا يجري إلّا بإذن إمام زماننا.. فإذا أرادَ إمامُ زماننا أنَّ عيسى لا ينزل فإنّه لا ينزل.. القضيّة مردّها أوّلاً وآخراً بيد إمام زماننا.
  • هذا لا يعني أنّني أقول أنّ عيسى لن ينزل.. ما عندنا في الأحاديث والروايات يُشيرُ إلى نزولهِ، فضْلاً عن الواقع المرئي.
  • نحنُ لا نستطيعُ أن نتوقّع في دراستنا لمُستقبل الأيّام – مِن خلال المعطيات مِن الروايات أو مِن خلال المعطيات مِن الواقع – لا نستطيعُ أن نتصوّر أكثر مِن قرنٍ من الزمان.. ومع ذلك الرؤية ضبابيّة، حتّى إذا أردنا أن ننظر إلى قرنٍ من الزمان فإنَّ الرؤية ضبابيّة.
  • لكن بحسب واقعنا الآن إذا افترضنا أنّ ظهور إمام زماننا في هذه السنين أو إلى قرنٍ من الزمان، فإنَّ الواقع يُشير إلى أنَّ النصارى هُم سادة الأرض.
  • الواقع يُشيرُ إلى أنَّ الشيعةَ لا يستطيعونَ أن يقيموا الحُجج على الناس (لا على السنة ولا على النصارى).. المُسلمونَ لا يستطيعون أن يقيموا الحُجج على البشر وخُصوصاً المسيحيّين.
  • المسيحيّون حُجّتهم الدنيويّة أقوى، ونحنُ لا نملكُ لا حُجّة دينيّة ولا دنيويّة.. واقعُ الشيعةِ أنّهم لا يملكونَ حُجّة دينيّةً يحتجّون بها على العالم المسيحي ولا يملكون حجّة دنيويّة.. مؤسّستُنا الدينيّة تركتْ فكْرَ آل مُحمّد وذهبتْ بالاتّجاه المُخالف لهم.. وواقعنا الدنيوي واقعٌ مُتخلّف إلى أبعد الحدود.. حتّى الواقع الشيعي الموجود في العالم الغربي واقعٌ مُتخلّف. (وقفة توضيح بمثال..)
  • الواقع يقول أنَّ الحجّةُ التي تُقامُ على النصارى (على هذا المُجتمع الذي يتسيّد العالم) الحجّةُ المناسبة هي أنَّ عيسى ينزل إليهم مِن السماء، وحينما تلتفُّ الشعوب حوله، حينئذٍ لا تستطيعُ الحكومات أن تفعل شيئاً.. هذهِ دولٌ وشعوبٌ تعملُ بالقوانين وبالحرّياتِ وحقوق الإنسان وبالديمقراطيّة حقيقةً.. ليس هُناك مِن مثاليّةٍ وليس هُناك مِن عدلٍ حقيقيٍّ في أيّ بُقعةٍ من العالم.. ولكن دُول العالم الغربي إذا ما أرادتْ الشعوب شيئاً فإنَّ الحكومات تحترمُ إرادة شعوبها.
  • ● النبيُّ الوحيد في العالم الذي لهُ صُورٌ مُنتشرةٌ في كُلّ مكان، وأصحابُ الدياناتِ المختلفة يعرفون أنَّ هذهِ الصورة صورةُ عيسى، لأنّهُ حين ينزل سيراه جميعُ الناس، الجميع سيرون نُزول عيسى، وتلكَ حُجّةٌ مِن حُجج إمام زماننا.. لكنَّ إمام زماننا لو أرادَ إلغاءها بيده ذلك. (وذلّ كُلّ شيءٍ لكم).
  • ● أنا أقول للسائل الفاضل وللذين يُفكّرون في هذهِ الأجواء:
  • القضيّةُ كبيرةٌ جداً.. ليستْ مَحصورةً في لفظةٍ صغيرة هُنا أو هُناك.. إذا أردنا أن نُسلّط الضوء على كُلّ الكتاب الكريم، فإنَّ الكتاب الكريم يُصرّح صريحاً أنَّ مشيئة الله تُلغي كُلّ شيء وهذهِ المشيئةُ تتحقّقُ بكُلّ معناها المُطلق في إمام زماننا.. ولايتهُ نافذةٌ على كُلّ شيء.. ولِذا يأتي بأمرٍ جديد وبكتابٍ جديد، يأتي بالمثال المُستأنف (يعني يأتي بدستور وقانون مُستأنف وبرنامج عمل يُخالف ما تقدّم) مع أنَّ هذهِ الروايات جاءتْ بلسان المُداراة.
  • قول السائل: (هل البداء (الإلغاء) سيشملُ كُلَّ علامات الظهور؟ ما قبلهُ وما بعدهُ؟ أو ما قبله فقط؟)
  • أقول: نحنُ نقرأ في الروايات في مرحلةِ الرجعة العظيمة والتي يكون الأمرُّ فيها قارّاً أكثر من عصْر الظهور.. نقرأ في الروايات أنّهُ بعد انتهاء العصر القائميّ الأوّل، هُناك مِن الروايات تتحدّث عن إثني عشر مهديّاً.. وهُناك مِن الروايات تتحدّثُ عن أنّ الحُسينَ سيرجعُ في حياةِ الإمام الحجّة، ويبقى سنين في حياة إمام زماننا، وهناك من الروايات ما يظهر منه أنّه الحُسين “عليه السلام” يرجعُ مباشرةً بعد انتهاء حياة إمام زماننا وهو الذي سيُصلّي عليه. هذا التعدّد ألا يُشير إلى أنَّ البرنامج الذي يختارهُ والذي يرسمهُ هو إمامُ زماننا بحسب المُعطيات التي تترتّب حتّى في عصْره الشريف.. القضيّةُ واسعةٌ وكبيرةٌ جدّاً.

  • السؤال (7): كيف سيعرفُ المُنتظرون أنَّ العلامة الفلانيّة أُلغيتْ بالبداء؟ فربّما تأخّر موعدها وتأجّلتْ عن موعدها المُقرّر، وفهم المُنتظرون أنّها أُلغيت..! فهل هناك طريقةٌ للعلم بالبداء؟ وثانياً: من الذي يُقرّر وقوع البداء في العلامة: هل هو المُنتظِرُ أم المُنتظَر؟ فإنْ كان الأوّل فمِن أين لهُ المعرفة والعلم بالبداء (وهو عِلْم إلهي) لا يطّلعُ عليه غير المعصوم.. وما هي صِفاته ومؤهّلاته؟ وهل يُوجد في الأُمّة أحدٌ يعلمٌ بالبداء غير المعصوم؟ أمّا الثاني فمعلوم البطلان.

  • الجواب بشكلٍ مُجمل:
  • نحنُ لا نعلمُ بالبداء أصلاً، ولا نعرفُ أيَّ العلاماتِ التي سيقعُ فيها البداء أو أيّ العلامات التي لا يقعُ فيها البداء.. نحنُ لا علم لنا بالبداء.. حالنا مع العلامات ومع غيرها كحالنا مع حوادث حياتنا، كحالنا مع أيّ قضيّةٍ نتوجّه إلى الله بالدعاء بخصوصها، أو نتوجّه إلى إمام زماننا نطلبه منه “صلواتُ الله وسلامه عليه”.. نحنُ لا علم لنا بهذا الموضوع، ومَن يدّعي العلم بهذا الموضوع فهو كاذبٌ كاذبٌ كاذب.. هذا أمرٌ خاصٌّ بالحجّة بن الحسن العسكري علماً وإصدارُ أمرٍ وتنفيذاً وإلغاء.. إمامُ زماننا هو الذي يُقدّر الأمور تقديراً أوليّاً في ليلة القدر، وبعد ذلك يبدو له ما يشاء.. مثلما تقدّم الكلام في أنَّ التقدير والتفصيل في كُلّ ما يجري من الأحداث والحوادث إنّما يكونُ ذلك في عدّة طبقات. (وقفة توضيح بمثال).
  • ● نحن حين نقول كما قال لنا إمامُنا الصادق:
  • (مَن أراد أن يستكمِل الإيمان منكم فليقُلْ: القولُ منّي ما قالهُ آل مُحمّد ما بلغني عنهم وما لم يبلغني، ما أسرّوا وما أعلنوا..)
  • إذاً هناك مساحةٌ كبيرةٌ مِن الحقائق لم تصِل إلينا.. فكيف نقطعُ هكذا قطْعاً جَزماً ونرسمُ قوانين ونُقيّد بها ولاية إمام زماننا.. مع أنَّ الواضح في آيات الكتاب الكريم وفي الرواياتِ عموماً أنَّ ولايته نافذةٌ في جميع الاتّجاهات، وما نتصوّره نحنُ مِن حكمةٍ في بعض الأمور بُيّن لنا بقدْر عُقولنا، وهو لا يُمثّل الحكمة الحقيقيّة الكاملة.. لأنَّ الحكمةَ ما لم تكن كاملةً فما يُبيَّن منها بشكلٍ جزئي لا يرسم لنا الحقيقة بشكلٍ واضح.. وإنّما سنبقى نتحرّك بحدودنا.
  • مثلما كان يدعو إمامنا الصادق لأصحابه (لا أخرجكَ الله من حدّ التقصير) حدّ التقصير هذا ليس في العبادة فقط، وحدُّ التقصير هذا ليس في الجانب الأخلاقي فقط، وحدُّ التقصير هذا ليس في أداء حقوق آل محمّد، أو في حقوق شيعتهم أو في حقوق أرحامنا أو في حقوق الناس جميعاً.. نحنُ يلفنّا التقصير من كُلّ جانب.. ولكن هُناك تقصيرٌ في الجانب العقلي وفي الجانب العلمي وفي الجانب المعرفي وفي الجانب العقائدي، وهذا هو الأخطر.. مهما بلغنا ومهما صعدنا نحنُ في حدّ التقصير، وما دُمنا في حدّ التقصير لا نستطيع أن نقطع بقاطعيّةٍ كاملة مع هذا الحشد الهائل مِن النصوص.. هُناك مشيئةُ الإمام المُطلقة، هُناك أحاديثُ المحتوم الذي هُو على رُتب.. هُناك وهُناك مِن الحقائق التي هي مُغيّبةٌ عنّا.. فإنّنا حين نتحدّثُ نتحدّثُ في هذ المقدار المحدود الذي وصل إلينا.
  • ● الأمثلة التي مرَّت: النبيُّ يونس ما كان على علمٍ بالبداء، وإلّا لو كان على علمٍ بالبداء لَما أخبر قومَهُ ولَما أخبرَ خواصَّ أصحابهِ بشكلٍ قاطع ولَما نزل العذاب.. وما كان لهُ علمٍ بالبداء وهُو كان يدعو الله كي يُغلّظ العذاب على قومه أثناء بداياتِ نزوله.
  • ● إبراهيم حين أخذ ولده إسماعيل كي يذبحه كان مُسلّماً لأمر الله، ما كان له من علمٍ أنّ الحُكْم سيُلغى.
  • ● وموسى ما كان لهُ من عِلْمٍ أنَّ هذا سيجري على قومه.. وبقيّةُ التفاصيل، فذلكَ لا هو بنقصٍ في النبيّ ولا هو يُمثّل مُشكلةً لقوم النبيّ.. قضيّةُ البداء قضيّةٌ مردّها إلى مركز المشيئة الإلهيّة ومركزُ المشيئة الإلهيّة: المعصومون الأربعة عشر.. مركزُ المشيئةِ الإلهيّة الأصْل: الحقيقةُ المُحمّديّة العَلَويّة، ومظاهرها في الأنوار الطاهرة الأربعة عشر التي ظهرتْ في كُلّ العوالم كُلٌّ بِحَسَبه. (وذلّ كُلُّ شيءٍ لكم)

  • السؤال (8): كيف سنعرف الإمام المهديّ الحقّ من دون العلامات وهي رحمةٌ للمؤمنين؟ فهل هناك طريقةٌ واضحةٌ لمعرفته، لأنَّ العلامات وُضعتْ بالأصل لمعرفة الزمن المُعيّن والمكان المُعيّن، أمَّا المعرفةُ النورانيّةُ فهي لأوحدي الناس لا جميعهم.

  • الجواب: مثلما قُلت قبل قليل أنّنا نبني على حُسن الظنّ بإمام زماننا، هكذا أُمرنا أن نُحسن الظنّ بالله سُبحانه وتعالى وأن نُحسِن الظنّ بإمام زماننا.. وهكذا هي الحقيقة.. وهكذا للعبد الذي يعرف جمال الله وجمال وليّه، فإذا أراد أن يسير في الطريق الصحيح لابُدّ أن يُحسن الظنّ بالله سُبحانه وتعالى وبوليّه الأعظم.
  • فالعلاماتُ حينئذٍ تتحقّقُ وتكونُ لُطفاً وسبيلاً لاستعداد الأُمّةِ لظهور إمامها.. لأنَّ العلائم قد تقعُ في مُدّةٍ تصِلُ إلى حُدود السنة.. فهُنا فسُحةٌ لأن يتوب الإنسان وأن يُغيّر من مجرى حياته الخاطئ باتّجاه إمامِ زمانه، وهذا يتأتّى إذا كانتْ الأُمّة تستحقُّ ذلك.. أمَّا إذا كانتْ الأُمّةُ لا تستحقُّ ذلكَ فعندنا مِن الروايات ومِن الأحاديث ما هو صريحٌ في أنَّ ظهور الإمام يكون بغتةً فجاءة.
  • فالأُمّة إذا كانت تستحقّ الّلطف فإنّ العلامات ستتحقّق كُلها.. هذا أمرٌ راجعٌ إلى ما يُريدهُ إمامُ زماننا “صلواتُ الله وسلامه عليه”.
  • ● وهُناك قضيّةٌ مُهمّة لابُدَّ أن نلتفتَ إليها وهي أنَّ معرفة إمام زماننا لا تتوقّفُ على العلامات.. العلاماتُ هي علامات تُشير إلى قُرْب عصْر ظهوره “صلواتُ الله وسلامه عليه”.. معرفتنا بإمامنا إذا كانتْ معرفةً وفقاً لِما حدّثنا آلُ محمّد “صلواتُ الله وسلامه عليهم” وأشاروا إلينا وقد ذكروا لنا مثالاً جاء في سُورة يوسف.. إمامنا الصادق يقول أنّ إخوة يوسف عرفوه بأن استدلّوا به على نفسه كما في الآية 90 من سورة يوسف: {قالوا أإنّك لأنتَ يوسف} فاستدلّوا على يُوسف بيوسف.. استدلّوا بذاتهِ على ذاته.
  • ● نحنُ نقرأ في أحاديث العترة الطاهرة عن رسول الله “صلّى الله عليه وآله”: (إنّ على كُلّ حقيقةٍ وعلى كُلّ صوابٍ نورا..) فكيف لا يتحقّقُ هذا المعنى في إمام زماننا؟ على الأقل لشيعتهِ المُخلصين وأوليائه الصادقين.
  • وهُناك أمرٌ آخر يُغفَل عنه وهو أنّ الإمام “صلواتُ الله وسلامه عليه” حينما يظهر هل يأتي فرداً لوحده ويقف في الصحراء؟ أم أنَّ سلسلةً هائلةً مِن التفاصيل ستكون مُصاحبةً لظهوره؟! لنفترض أنَّ علامة السُفياني لم تحدث، ولنفترض أنَّ الصيحة لم تحدث، ولنفترض أنَّ النفس الزكيّة التي تُقتَل بين الرُكن والمقام لا تحدث هذهِ العلامة.. لكنّهُ حين سيظهر “صلواتُ الله وسلامه عليه” سيظهرُ في سلسلةٍ مِن التفاصيل الهائلة جدّاً، ولابُدّ أن تكون تلكَ التفاصيل وتلكَ الأمور بشكلٍ وبنحوٍ أكثر ممّا ذُكِر لنا في الروايات بحيث تُغطّي لنا النقص الذي سبّبهُ عدم حدوث العلامات.
  • ● التفكيرُ بالمُستوى الذي تتحدّث عنه الأسئلةُ هذهِ تفكيرٌ يميلُ إلى السذاجةِ بشكلٍ واضح.. المشروعُ المهدويّ وإمامُ زماننا مسألةٌ كبيرةٌ تتجاوزُ كُلّ تصوّراتنا.. وما جاءَ مذكوراً في الرواياتِ والأحاديث ما هو إلّا إشارات.. كثيرٌ من المُعطياتِ لم تصِل إلينا وحتّى لو وصلتْ إلينا فإنَّ تلك المُعطيات نُظمتْ ونُسجتْ بطريقةٍ تتناسب والواقع الذي تعيشه الشيعة عبر القرون الماضية وعبر زماننا وعبر ما يأتي إلى وقت ظهور إمام زماننا “صلواتُ الله وسلامه عليه” وفي طوايا ذلك لابُدّ من إخفاء الكثير من المطالب والحقائق.

  • السؤال (9): هناك من جملة علاماتِ ظهور كُلّ نبيّ أو رسول وأخبر بها الرسول السابق له، وكُلّها حدثتْ من دون تدخّل البداء فيها.. فلماذا يتدخّل البداء فقط في علاماتِ صاحب الزمان، مع أنّ ظهوره مُحاكياً لظهور الأنبياء، وفيه تتحقّق كُلّ سُنن الأنبياء، لأنَّ أمرهُ كالشمس بيّن، وهذا مُتوقّفٌ على تحقّق العلامات لأنّها رحمةٌ لعامّة المؤمنين.

  • الجواب:
  • هذا سؤالٌ مرَّ الحديثُ عنه.. 124 ألف نبيّ، لا تُوجد عندنا مِن المعلومات عنهم إلّا القليل.. الذين ذُكروا في القُرآن عدد قليل مِن الأنبياء، وربّما أضافتْ الرواياتُ بعض الأسماء.. ولا يُوجد عندنا مِن التفاصيل التي هي مزعومةٌ في هذا السؤال.. هذا زعمٌ في هذا السُؤال لا دليل عليه.. فالواقع الموجود يُخالفه.
  • كيف عَلِم السائلُ أنّ كُلّ العلائم التي حدثتْ لكلّ الأنبياء والرُسُل من دون أن يتدخّل البداء.. لا أدري..؟!
  • قول السائل: (لأنَّ أمرهُ كالشمس بيّن) هذا ليس مُتوقّفاً على العلامات، يُمكن أن يكون أمرهُ كالشمس بيّن بمجرّد أن يظهر في وسائل الإعلام العالميّة، وبمجرّد أن يتحدّث ويقول شيئاً ما فيُثبت ما يُريد أن يُثبت للمؤمنين ولغيرهم.. وإنْ كانتْ الأمور ستجري بأسبابها في جهةٍ، وفي جهةٍ أُخرى سيُنفّذ ولايته فتكونُ الأشياء كما يُريد “صلواتُ الله وسلامه عليه”. هذا السُؤال ركيكٌ جدّاً ومرَّتْ الإجابةُ عليه بخُصوص أحوال الأنبياء.

  • السؤال (10): هناك تكاليف شرعيّةٌ وعقائديّة ارتبطتْ بالمحتوماتِ المهدويّة، فماذا نفعلُ لهذه التكاليف إنْ قُلنا بأنَّ البداء سيُلغيها؟ وهذه التكاليفُ واضحةٌ في رواياتهم، وأبرزُ مثالِ لها: “سيأتي شيعتي مَن يدّعي المُشاهدة قبل الصيحة والسُفياني، فإنّنا نُكذّبه”.. فهل يعني أنَّ الذي يأتي ويدّعي المُشاهدة بعد الصيحة والسفياني أنّنا نُصدّقه؟

  • الجواب: هذا إذا افترضنا أنَّ تكاليفَ ارتبطتْ ارتباطاً مِفصلياً تامّاً ولكن لا وجود لمثل هذهِ التكاليف.. السُؤال أساساً بُني على مُقدّمةٍ خاطئة لا وجود لها كبقيّة الأسئلة التي مرّت.
  • لو افترضنا – وهذا الفرض ليس واقعيّاً – أنّ تكاليفَ ارتبطتْ بأمورٍ وهذهِ الأمور أُلغيتْ فإنَّ التكاليف تُلغى.. وهذا الأمرُ يحدث معنا فإنَّ الإنسان إذا فقد الطهورين (الماء والتراب) يسقط عنهُ فرض الصلاة.. إذْ أنّه لا صلاةَ إلّا بطهور.. الأحكام الشرعيّة هكذا بُنيتْ.. إذا قُيّدتْ بقيدٍ وانتفى القيد ينتفي الحُكْم. الحجّ بالمثل إذا لم تتحقّق الإستطاعةُ بتفاصيلها يسقط الحجّ.. الدين كُلّه مبنيٌّ على هذه البديهة.
  • قول السائل: (فهل يعني أنَّ الذي يأتي ويدّعي المُشاهدة بعد الصيحة والسفياني أنّنا نُصدّقه).
  • أقول: لا علاقةَ لهذا الموضوع، هذهِ مجرّد علامة.. هذا الذي يدّعي المُشاهدة لابُدّ أن يُقيم الدليل والحُجّة على ذلك.
  • هذهِ علامةٌ أراد إمامُ زماننا منها أن يُبيّن للشيعة في وقت صُدور الكتاب أنّهُ ليس هُناك مِن نائبٍ ينوبُ عنه وليس هُناك مِن شخصٍ يتّصلُ بهِ على مُستوى المُشاهدة.. أراد أن يقطعَ الطريق على المُدّعين باعتبار أنَّ علامةَ الصيحة وعلامةَ السُفياني لا يستطيعُ المُدّعون أن يقولوا أنّها تحقّقتْ، فهي قضيّةٌ بعيدةٌ عن متناول أيديهم، وإلّا فالحُكْم لا علاقة له بالصيحة وبالسُفياني.. هذا فَهْمٌ أكثرُ مِن ساذجٍ للنُصوص.. لأنّنا إذا ربطنا بينَ هذا التكليف وبين ظهور السُفياني والصيحة يعني أنّ كُلّ مَن يدّعي المُشاهدة بعد ظهور السُفياني وهو وقت اشتداد الفتن، وسيظهر دجّالون وكذّابون ومُدّعون للإمامة.. إنّه عصْرُ فتنةٍ شديد.. فكيف نُصدّق مَن يدّعي المُشاهدة..؟!
  • غاية ما في هذا التوقيع أنَّ الإمام يُريدُ أن يقطعَ الطريق على المُدّعين خُصوصاً في تلكَ الفترة.. والأمر الثاني: هو إمكانيةُ تصديق مَن يدّعي المُشاهدة، فلابُدّ مِن إقامة الدليل والحُجةّ.

تحقَق أيضاً

الندوة الثالثة والأخيرة

يازهراء …