قتلوك يا فاطمة – الحلقة ١٩ – قانون البداء في ثقافة الكتاب والعترة ج٩

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 4 جمادى الأولى 1440هـ الموافق 11 / 1 / 2019م

  • هذا هو الجزءُ التاسع مِن العنوان الذي بدأتُ فيه في الحلقاتِ الماضية: “قانونُ البداء في ثقافة الكتاب والعترة”.. وكانتْ الحلقاتُ إجابةً على مجموعةٍ عديدةٍ مِن الأسئلة التي وردتني حول هذا الموضوع.

  • هُناك رسالةٌ وردتني مِن بعض السادة الأفاضل تشتملُ على أسئلةٍ كثيرة أجبتُ على بعضٍ منها في الحلقة الماضية.. الأسئلة التي أجبتُ عليها في الحلقة المُتقدّمة مِن الرسالة التي أشرتُ إليها كانتْ تدورُ حول عُنوان البداء بنحو عام.
  • الأسئلةُ المُتبقيّة تدورُ حول الرواية التي قرأتُها عليكم في الحلقات المُتقدّمة.. وهي الرواية التي رواها لنا أبو هاشم الجعفري عن إمامنا الجواد.. وهي الرواية الموجودةُ في كتاب [الغَيبة] للشيخ النعماني.. في صفحة 314 الحديث 10:
  • (حدّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال‌: كُنّا عند أبي جعفر مُحمّد بن علي الرضا “عليهما السلام” فجرى ذكْرُ السفياني وما جاء في الرواية مِن أنَّ أمرهُ من المحتوم، فقلتُ لأبي جعفر “عليه السلام”: هل يبدو للهِ في المحتوم؟ قال: نعم، قُلنا لهُ: فنخافُ أن يبدو للهِ في القائم، فقال: إنَّ القائم من الميعاد، واللهُ لا يُخلف الميعاد).
  • الأسئلةَ التي سأجيبُ عليها بنحو عام تدورُ حول مضمون هذهِ الرواية.

  • السؤال (11): لماذا لا نُجري على هذهِ الرواية قاعدة “أنّ شيعتنا تُربّى بالأماني” وأنّها روايةٌ خاصّةٌ بزمانها وظرفها وظرف السائل كما قالوا: “أُمرنا أن نُكلّم الناس على قدْر عقولهم”.

  • لابدَّ أن نُلاحظ أنَّ أبا هاشم الجعفري كان مِن رُواة الحديثِ المعروفين، فهو معدودٌ في طبقة خواصّهم وفي طبقةِ عُلماء أصحاب الأئمة، فهو مِن الشخصيّات الجليلة المُحترمة.
  • أمّا لِماذا لا نُجري عليها قاعدة: “أنّ شيعتنا تُربى بالأماني”.
  • نحنُ لا نملكُ قاعدةً بهذا المعنى بحيث أنَّ هذهِ القاعدة تكونُ مُشخّصةً واضحةً لها نصٌّ مُعيّن، لها ثوابت مُعيّنة نستطيعُ أن نُطبّقها.. السُؤالُ كالأسئلة المُتقدّمةِ مبنيٌّ على مُقدّمةٍ خاطئة.
  • ● “شيعتنا تُربّى بالأماني” هذا هو أسلوبُ بيان وليس قاعدةً ثابتةً مُشخّصةً واضحة.. إنّما هو أسلوبُ بيان، وهذا الأسلوب القُرآن تحدّث بهِ أيضاً خُصوصاً في الآياتِ التي ارتبطتْ بظهور إمام زماننا. {نصْرٌ مِن اللهِ وفتْحٌ قريب} المضمون الذي وردَ صريحاً ووردَ ما يُقاربهُ في العديد مِن الآيات مِن أنّهم أيّ الناس “مِن الصالحين أو مِن غيرهم” يرونَهُ بعيداً ونراهُ قريباً.. هذا المضمون تردّد في جُملةٍ من آياتِ الكتاب الكريم، في بعضها بشكلٍ صريح وفي بعضها بتعابير تُؤدّي نفس المضمون.. هذا هو أسلوب.
  • ● “الشيعةُ تُربّى بالأماني” لا يعني أنَّ الأئمةَ يذكرون لنا رواياتٍ مُحدّدةً وفيها مِن الاصطلاحاتِ التي يُعرّفونها في الرواية لا حقيقة لها على أرض الواقع بعنوان “أنَّ الشيعة تُربّى بالأماني” .. هذا الكلام هزيلٌ وهزيل جدّاً.
  • “الشيعة تُربّى بالأماني” هُو أسلوبٌ صاغَ الأئمةُ الأحاديثَ فيه بحيث أنَّ الشيعة في كُلّ مقطعٍ زمانيٍّ، في كُلّ مكانٍ لو رجعوا إلى الرواياتِ والأحاديثِ التي تتناول الوقائع والأحداث والحوادث والفتن والملاحم في عصْر الغيبة يتوقّعون قُرب عصْر الظهور. أساساً الأئمةُ يُريدون مِنّا أن نتوقّعَ الفرج صباحاً ومساء، بغَضَّ النظر عن هذا الأسلوب الذي اتّبعهُ الأئمة فيما بيّنوه مِن نصوصٍ وأحاديث ترتبطُ بشُؤون غيبة وظُهور إمام زماننا.
  • فما جاء في الرواياتِ مِن أنَّ الشيعة تُربّى بالأماني إنّهُ أُسلوب، وفي نفس كتاب “غيبة الشيخ النعماني” صفحة 305 الحديث 14 نجد هذهِ الرواية:
  • (بسنده عن عليّ بن يقطين – الشخصيّة الشيعيّة المعروفة الذي صار وزيراً لهارون العبّاسي – قال‌: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر “عليهما السلام”: يا عليّ الشيعةُ تُربّى بالأماني مُنذ مائتي سنة..)
  • ● ويستمرُّ كلام الشيخ النعماني نقلاً عن عليّ بن يقطين وهو يشرحُ هذا المضمون لأبيه، فيقول: (وقال يقطين لابنه عليّ بن يقطين ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن.. يعني أمر بني العباس‌، فقال له عليٌّ: إنَّ الذي قيل لكم ولنا كان مِن مخرجٍ واحد، غير أن أمركم حضر وقته فأُعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضرْ فعُلّلنا بالأماني‌، فلو قيل لنا إنَّ هذا الأمر لا يكونُ إلّا إلى مائتي سنة وثلاثمائة سنة لقستْ القُلوب ولرجعَ عامّةُ الناس عن الإيمانِ إلى الإسلام‌، ولكن قالوا ما أسرعَهُ وما أقربه تألّفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج‌)
  • ● قوله: (ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن) يقطين يعلمُ أنَّ ولده مِن شيعة آل عليّ، وأمَّا يقطين نفسهُ والدُ عليٍّ فهو مِن شيعة العبّاسيّين، فيقول لولده: لِماذا نحنُ أُخبرنا أنّ بني العبّاس سيحكمون وحكموا، وأنتم أُخبرتم أنّ آل عليٍّ سيصِلُ الأمرُ إليهم وما صل..!
  • ● المراد مِن أنَّ الشيعة تُربّى بالأماني: أي أنَّ هُناك شيءٌ يستشعرهُ الشيعيُّ حين يعود إلى قراءةِ الأحاديثِ والروايات، يستشعرهُ مِن خلال البُنية الكاملة في التعابير.. لا أن تأتي روايات تُحدّد المحتوم ما هو؟ الميعادُ ما هو؟ بهذهِ القاطعيّةِ الواضحة، ويأتي مَن يقول أنّنا نُطبّق قاعدة..! وهذهِ القاعدة لا وجودَ لها.. ولو عُبِّر عنها بالقاعدة فهو تعبيرٌ مجازي، فلا تُوجد قاعدة بنصٍّ مُعيّن، وهذا النصّ لهُ بدايات، نهايات، هُناك ثوابت مُعيّنة على أساسها يتمّ التطبيق.
  • تربيّةُ الشيعة بالإماني هُو أُسلوب.. فحينما تقرأ الشيعةُ الأحاديث التي ترتبطُ بظُهور إمام زماننا في مقطعٍ زمانيٍّ فإنّهم يستشعرون بمُستوى الظنّ والتوقّع أنَّ هذهِ الأحداث والتفاصيل التي تعرّضتْ لها الروايات يُمكن أن تنطبقَ على أيّامنا هذهِ.. وهذا الأمرُ حدَثَ في الأجيال السابقة، وهي حقيقةٌ.
  • فنحنُ الآن لأنّنا ما بلغنا إلى الحدّ الذي أرادهُ لنا الأئمة مِن أن تكونَ الغَيبةُ عندنا بمنزلةِ المُشاهدة.. الأئمةُ أرادوا للمُجتمع الشيعي أن يكونَ بهذهِ المنزلة.. أن تكونَ الغَيبةُ عندهم بمنزلةِ المُشاهدة، وحينئذٍ لا يحتاجون إلى البحثِ عن العلائم ولا يحتاجونَ إلى البحثِ عن أنَّ السُفيانيَّ مِن المحتوم أو مِن غير المحتوم.. فإنَّ الغَيبة إذا صارتْ عندنا بمنزلة المُشاهدة سيُحيطُ بنا وُضوحُ الرؤية مِن جميع الجهات.. ولكن وا أسفاه.. هذا الأمر لم يتحقّق بسبب مراجع الشيعةِ الذين ذهبوا بعيداً عن حديثِ العترة وجاءُونا بما يسمّى بعلم الرجال ومزّقوا أحاديث العترة وانتهى كُلّ شيء..!!
  • ● لو يثبت الآن عندنا مثلاً أنَّ الإمام الحجّة “صلواتُ الله وسلامه عليه” لا يظهرُ إلّا بعد 500 سنة.. فهل تتوقّعون أنَّ أحداً سيبقى مُرتبطاً بالتشيّع وسيبقى مُرتبطاً بآل مُحمّد..؟! هل ستبقى حُسينيّات؟ مجالس لِذكرهم؟ هل ستُقامُ البرامج والاحتفالات؟ هل ستكون هُناك فضائيّات تتحدّث عنهم بأيِّ مُستوىً مِن المُستويات؟! حينئذٍ ستحلُّ قسوةُ القلوب كما يُشير القرآن إلى ذلك حين يقول: {طال عليهم الأمد فقستْ قلوبهم} فحينَ يطولُ الأمد تقسو القلوب لأنّنا لا نملكُ ذلكَ الوضوح بحيث تكونُ الغَيبة عندنا بمنزلة الحضور وكأنَّ إمام زماننا “صلواتُ الله وسلامه عليه” حاضرٌ ما بيننا.. نحنُ لم نبلغ إلى هذا الحدّ بسبب إنعدام الثقافةِ الصحيحة وهيمنةِ الثقافةِ الناصبيّة في واقعنا الشيعي..! ولذا هذا البيان بيانٌ واضح جدّاً.

  • السؤال (12): لماذا لا نقول أنّ هذهِ الروايةَ لأبي هاشم الجعفري أرادتْ أن نتعبّد بموضوع البداء لقول الصادق: (ما عُظّم اللهُ بمثل البداء وثواب الحديث والكلام).

  • أقول: هذا منطقٌ لا أعرفُ كيف أتعاملُ معه.. فهل أنَّ الأئمةَ ينسجونَ لنا موضوعاتٍ لا حقيقةَ لها فيها إشارةٌ وذِكْرٌ للبَداء.. يُريدون منّا أن نذكر هذه النصوص لأجل أن نتحدّث عن البداء..؟!
  • لماذا لا يُحدّثوننا بأحاديث حقيقيّة؟! لماذا يُحدّثوننا بأحاديث ليستْ حقيقيّة..!! لا أدري كيف أفهمُ هذا المنطق؟!
  • إذا كان المراد أن نتحدّثَ عن البداء تعبّداً.. فلماذا لا نتحدّثُ عن البداء تعبّداً في موضوعات وفي أحاديث وروايات وآيات تتحدّث عن هذا الموضوع وهي كثيرةٌ جدّاً. ثُمّ إنَّ التعبّد بالبداء ليس هو أن نتعبّد بالبداء لأنّهُ بداء.. التعبّد بالبداء هو أن نتعرّف على ثقافةِ البداء كي ننتفعَ منها في حركتنا باتّجاهِ إمام زماننا.. وحتّى في سائر جهاتِ الحياةِ الأُخرى.
  • نحنُ لا نستطيعُ أن نتصوَّر منظومةَ الدُعاء بكلّ تفاصيلها مِن دُون قانون البداء.. إذا لم يكنْ هُناك بداء فما نفعُ الدعاء..؟! فلماذا لا نتحدّث في أجواء الدعاء وعندنا منظومةٌ هائلة مِن قوانين الدعاء وطُقوس الدُعاء وعن الأسباب التي تُؤدّي إلى استجابة الدعاء.. إنّني أتحدّث عن فِقْه الدعاء، عن ثقافة الدعاء.. وفي السِياق يأتي الكلامُ عن الكنوز الهائلةِ التي وضعها أئمتنا بين أيدينا.
  • إذا لم يكنْ هُناك بَداء في تقدير الأمور فما معنى الدُعاء؟! لماذا ندعو إذا كانتْ الأمور مغلقة؟!
  • الدعاءُ، التوبةُ، الانتقال مِن الهدى إلى الضلال أو مِن الضلال إلى الهدى “حركةُ الإنسان الذي خُيّر بين النجدين”، حركة الحياة وتقلّباتها في جميعِ الاتّجاهات لا يُمكننا أن نتصوّرها مِن دُون قانون البداء.
  • ● أنا هُنا لا أُريدُ أن أتحدّث عن الحكمة مِن قانون البداء، ولكن لأنَّ السُؤال جرَّني إلى هذهِ الجهة، باعتبار أنَّ السُؤال يتضمّنُ هذا المنطق: أنَّ الرواية جاءتْ كي نتحدّث عنها لأجل أن نتعبّد بالبداء، وهذا ليس بالمنطق السليم.

  • السؤال (13): لماذا لم يُطبّق على هذه الرواية قاعدة الأحدثيّة – أي الرواية الأحدث والنصّ الأخير – أو الناسخية باعتبار إذا تعارضتْ رواياتهم نأخذُ بالروايةِ الأحدث، خُذْ بقول الأخير.

  • أقول: وهذا الكلامُ أيضاً مبنيٌّ على مُقدّمةٍ خاطئة.
  • المقدّمةُ الخاطئة هي: أنّنا لا نعملُ بالقول الأخير مُطلقاً في أيّة رواية، إنّما نعملُ بالقولِ الأخير فيما يرتبطُ بشأن الطقوسِ وتفاصيل العباداتِ والأحكامِ والمعاملاتِ والعقودِ والإيقاعات.. أمّا فيما يرتبطُ بتفسير القُرآن وفيما يرتبطُ بالمعارف والعقائد.. هذهِ القاعدة إذا افترضنا أنّنا قد نلجأ إليها فهي في حالاتٍ استثنائيّة، لأنّنا في باب التفسير سنبحثُ عن الأعمق، وفي باب العقائد لابُدَّ مِن دراسةِ الرواياتِ جميعاً فلربّما تكونُ الروايةُ الحاكمةُ صَدرتْ في زمن الإمام السجّاد.. ولربّما تكونُ الروايةُ المُتأخّرةُ صدرتْ بلسان التقيّة.
  • بالنسبة للأحكام والطقوس فإنّنا نعملُ بالرواية المُتأخّرة إذا صدرتْ بلسانِ التقيّة إذا كُنّا في زمان صُدورها بالنسبة للشيعةِ الذين يعيشون في زمان صُدور الرواية.. وهذا أمرٌ يرتبطُ بالأحكام.. أمَّا العقائدُ فهي في القلوب، فإنَّ السُلطان الظالم لا يدري ماذا نحملُ في قُلوبنا.. نُظهِرُ بألسنتنا شيئاً ندفعُ به الشرَّ عن أنفُسنا.
  • بالنسبة للأحكام والطُقوس فإنَّ هذا الأمْر يجري تحتَ أعين الناس جميعاً.. ولِذا قد يكونُ حُكْمهم الأصْل قد صدرَ في زمن الباقر “عليه السلام” ولكن لظرفٍ مُعيّن فإنَّ الإمام المعصوم أصدرَ حُكْماً فيما يرتبطُ بالطُقوس والعباداتِ والمُعاملاتِ بسبب التقيّة الشديدة.. هُنا يجبُ على الشيعةِ أن يعملوا بالقول المُتأخّر.. وإذا ثبتَ لدينا أنَّ القولَ المُتأخّرَ كان بلسانِ التقيّة، فإنّنا في زمان الغَيبةِ الكُبرى لن نعملَ به، وإنّما نعودُ إلى الأصل.. وهذا هُو المضمون الذي أرادهُ إمامنا الصادق حينما قال في رواية عُمر بن حنظلة في مسألة الترافع إلى القضاة وإلى السُلطان، قال: (ينظران منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا..) يعني روى الرواية وبعد ذلك نظر في القواعد والأصول التي تُستخرج بشكلٍ صحيح وتُطبّق بشكلٍ صحيح.. فما كُلّ روايةٍ تُوصَف بـ(القول الأخير) يجب علينا أن نأخذ بها حتّى في دائرة الطقوس والعبادات.. لأنَّ الأئمة تكلّموا بلسان التقيّة.. هذا إلزامٌ لشيعة الإمام الذي صَدَر منهُ الحُكْم لأنّهُ هو الأعرفُ بمصالح شُؤون شيعته.. فإذا دلَّتْ القرآئنُ على أنَّ هذا الحُكْم هو الأخير فإنّنا نلتزمُ به في عَصْر الغَيبة.. أمّا إذا دلّت القرآئن أنَّ هذا كان صادراً لفترةٍ مُعيّنة فإنّنا سنعودُ إلى الأصول والأحكام الثابتةِ التي نعرفُها عن الأئمة السابقين.
  • مِن هُنا قُلتُ أنَّ معرفةَ الأحكام ومعرفةَ العقائد لن تتحقّقَ مِن دُون معرفةِ السيرة التفصيليّة لحياة الأئمة..!!
  • ● فقاعدةُ الأحدثيّة، الناسخيّة، القول الأخير.. هذا كلامٌ لا يستقيم.. إذا أردنا أن نقولَ أنَّ حديثاً ينسخُ حديثاً فلابُدَّ أن نمتلكَ مِن المعطياتِ على ذلك.. وإذا أردنا أن نُطبّق قاعدة القول الأخير فإنَّ موردها في التطبيق هُو في باب الطُقوسِ والعباداتِ والأحكام والمعاملاتِ بالدرجة الأولى.. يُمكنُنا أن نجد في تفسير آيةٍ مِن الآيات حشْداً مِن الآيات يصِلُ إلى عشرين رواية، وهذهِ الرواياتُ وردتنا مثلاً عن إمامنا الباقر، عن إمامنا الصادق، عن إمامنا الرضا.. وتكادُ تتّفقُ في معنىً وهو معنىً سطحي، وعندنا روايةٌ عن إمامنا السجّاد تتحدّث عن معنىً عميق.. فلأنَّ المنطق هكذا يقول: أنَّ الحكيم حين يتكلّم بخُصوص بيان معنى كتابٍ حكيم فيذكرُ معنىً سطحيّاً ومعنىً عميقاً.. إنّه لا يُريدُ المعنى السطحي إلّا بشكلٍ عَرَضي، هدفهُ الأصْل هُو المعنى الأعمق، والمعنى الأعمق ذَكَرهُ السجّاد.. بينما ما جاءَ في الرواياتِ التي نُقلتْ عن الأئمة مِن بعدهِ ذَكرتْ معنىً سطحيّاً.. هذهِ القضيّةُ تتكرّر بكثرةٍ في الأحاديث التفسيريّة.
  • فيُقدّم هُنا المعنى الأعمق، فإنَّ الحكيم يُريدُ المعنى الأعمق، وإلّا لو كان يُريدُ المعنى السطحي الّلغوي مثلاً لَما ذكرَ المعنى الأعمق، فحينما ذكروا المعنى الأعمق بجنب المعنى السطحي إنّهم يريدونَ المعنى الأعمق.. وأمَّا المعنى السطحي فإمّا يُريدونه عَرَضاً، وإمّا ذُكِر تقيّةً، وإمّا ذُكِر مُداراةً، وإمّا هو أُفُقٌ مِن الآفاقِ الظاهريّة للقُرآن، فالقُرآن آفاقهُ عديدةٌ وكثيرة.. بالنتيجةِ هُنا لا نُطبّق قاعدة القول الأخير لا في التفسير ولا في المفاهيم ولا في الفِكْر والمعارف ولا في العقائد.. يُمكن أن تكون هُناك حالاتٌ استثنائيّة، ولكن الخطّ العام لتطبيق قاعدة القول الأخير إنّه فيما يرتبطُ بالطقوس والأحكام، وحتّى لو كان في مسألةٍ عقائديّة فإنَّ هذا يتعلّق بالزمان الذي قِيَل فيه ذلك الكلام.
  • بالنسبة للرواية التي بين أيدينا فهي ليستْ مِن رواية الطقوس والعبادات، هذهِ الروايةُ مِن روايات المفاهيم، مِن روايات المعارف، مِن الروايات التي تدخلُ في الشأن العقائدي.. لا علاقة لها بمسألة الطقوس والعباداتِ والمُعاملاتِ والأحكام، فلا يجري هذا الأمر هُنا.
  • ● قول السائل: (لماذا لم يُطبّق على هذهِ الرواية قاعدة الأحدثيّة) أقول: روايةُ أبي هاشم الجعفري هي مِن الرواياتِ المُتأخّرة أيضاً.. أمّا آخرُ ما وصلَ إلينا في هذا الموضوع فهو ما جاءَ عن إمامِ زماننا في رسالته إلى الشيخ المفيد حين بيّن أنَّ أمرهُ يكونُ بغتةً فُجاءة.. وهذا المعنى ينطبقُ إنطباقاً كاملاً مع آيات الكتاب الكريم كما جاء في الآية 66 من سورة الزخرف: {هل ينظرون إلّا الساعةَ أن تأتيهم بغتةً وهُم لا يشعرون}
  • جاء في [تفسير البرهان: ج7] في صفحة 145: (عن زرارة بن أعين، قال: سألتُ أبا جعفر “الباقر عليه السلام” عن قول الله عزَّ وجلَّ: {هل ينظرون إلّا الساعة أن تأتيهم بغتة} قال: هي ساعةُ القائم، تأتيهم بغتة).
  • فإذا ما جاءت بغتةً فإنَّ كُلَّ التفاصيلِ التي تمَّ الحديثُ عنها فيما يرتبطُ بالعلاماتِ وبتفاصيل العلامات حينئذٍ لا محلَّ لها مِن الإعراب.
  • فآخرُ ما وصلنا مِن إمام زماننا بهذا الخُصوص هُو (أنَّ أمرنا بغتةٌ فُجاءةٌ) كما جاءَ في رسالةِ إمام زماننا إلى الشيخ المفيد، ومع ذلك فإنّني لا أقول هُنا أنَّ هذا القول الأخير هو الحاكم لأنَّنا بصدد مسألةٍ عقائدّية، لسنا بصدد حُكْمٍ في عبادةٍ أو مُعاملةٍ مِن المُعاملات.

  • السؤال (14): لماذا لم يُطبّق على هذهِ الرواية قاعدةَ “المُجمَع عليه”..؟! المُجمَع عليه هو “أن لا قائم بلا محتوم”، علماً أنَّ هذهِ الرواية مِن الشاذّ النادر.

  • أقول: كُلُّ هذا مبنيٌّ على مُقدّماتٍ خاطئة، والذي يبدو أنَّ مُراد السائل مِن عبارة “أن لا قائم بلا محتوم” أي: لا قائم بلا سُفياني، وإلّا إذا كان مُرادهُ لا قائمَ بلا محتوم مُطلقاً.. فالقائمُ هو المحتوم وكُلُّ التفاصيل التي ترتبطُ به هي مِن المحتوم (ظُهورهُ في مكّة، مَوقفهُ بين الرُكن والمقام، خِطاباته، بياناته، بيعتهُ، أصحابه) كُلّ التفاصيل التي ترتبطُ به هي من المحتوم.
  • حتّى لو حدَثَ تغيّرٌ وتبدّلٌ في بعضها، فهُناك مِن التفاصيل التي لا نستطيعُ أن نتصوَّر أنّها لا تكونُ حينما نفترضُ أنَّ البداء قد نُفّذ في الكثير مِن الارهاصات مِن المُقدّمات. الإمام خُروجهُ مِن المحتوم الذي هُو في أُفُق الميعاد، وهُناك الكثير مِن الّلوازم التي تكونُ مُلازمةً لخُروجهِ، فهي كُلّها مِن المحتوم.. فيبدو أنَّ السائل يقصد: أن لا قائمَ بلا سُفياني.
  • أمَّا من أين جاء بهذا الإجماع لا أدري..!! لا دليلَ على هذا الإجماع.
  • قَطعاً هو يتحدّثُ عن المُجْمَع عليه في الروايات، هو لا يتحدّث عن الإجماع الفقهي أو حتّى الإجماع الكلامي بين عُلماء الشيعة.. هو يتحدّثُ عن المُجمَع عليه بين رواةِ الحديث مِن أنّهم أجمعوا على هذهِ القضيّة.. وأنا أقول: هذا الإجماع كيف نتلمّسهُ؟! هل أنّنا نتلمّسُ الإجماع مِن كثرةِ الروايات؟! هذا ليس دليلاً، مع أنَّ الواقع أنَّ كثيراً مِن الروايات تتحدّثُ عن أنَّ المحتوم يحدثُ فيه البداء.
  • وقد مرَّ علينا في الحلقاتِ الماضية مِن الحوادثِ القُرآنيّة وغيرها ومِن الروايات، مرَّ الكلامُ في كُلّ هذا.. فما هو الدليلُ على أنَّ أصحاب الأئمةِ قد أجمعوا على هذهِ الحقيقة؟! مع مُلاحظةِ أنَّ هذهِ القاعدة تُطبَّقُ أساساً في الأحكامِ العباديّة والطُقوسيّة وفي المعاملات وفي أبواب القضاء، لأنَّ أحاديث الأحكام لا نستطيعُ عرضها على الكتاب باعتبار أنَّ الكتاب وردتْ فيه الأحكامُ مُجْمَلةً (أُصولُ بعض الأحكام الأساسيّة وليس كُلّ الأحكام) تفاصيلُ الأحكام جاءتْ في الأحاديث، فالأحاديثُ هي الحاكمة على الكتاب هنا.
  • لا نستطيعُ أن نعرض أحاديثَ الأحكام على الكتاب إلّا في ثباتِ أصلها.. إلّا أن يكونَ عندنا مثلاً روايات تقول: (صلّ من دون وضوء)، أو (أنَّ الصلاةَ ليستْ واجبةً) أصلُ هذه الأحكام موجودٌ في الكتاب.. فالصلاةُ واجبة، وتفاصيلُها في الأحاديث.. فلا نستطيعُ ن نعرضَ تفاصيل الركوع والسجود على الكتاب إذْ لا ذِكْر للركوع والسجود في تفاصيل الصلاة.
  • ولِذلكَ في حالِ تعارضِ الروايات تعارضاً لا نستطيعُ أن نعمل بالتخيير.. القاعدةُ الأصل في أحكام العباداتِ والمعاملات التخيير، وهذهِ القاعدة أساساً هي باب القضاء، لأنّه في باب القضاء لابُدّ مِن تشخيص الحُكْم.. لا يُمكن أنَّ القاضي يقول في المسألةِ حُكمان وأنتما مُخيّران.. هذهِ القاعدةُ أساساً في أصْلها هي باب القضاء، يُمكن أن نتوسّعَ فيها شيئاً خارج باب القضاء ولكن بضوابط.. إذا كان هُناك مجالٌ للتخيير بأنَّ الشيعي يكونُ مُخيّراً فهذا هُو المُقدَّم، لأنَّ إدراك قضيّة الإجماع بين أصحاب الأئمة ليسَ بالأمْر السَهل، وتصوّر أنَّ كثرةً في الروايات تدلُّ على ذلك هذهِ سذاجةٌ مُفرطة.
  • ● في أبواب العقائد كثرةُ الرواياتِ تُشكّل الأصول الثوابت، مثلاً: كثرةُ الرواياتِ في أنَّ الأئمةَ إثنا عشر.. هذهِ أصول وثوابت لا يُقال عليها إجماع.. عُلماء الشيعة مُرتبكون في هذه القضيّة (وهُم أقربُ إلى عصْر النصّ).
  • الكلينيُّ نفسهُ وهُو أكثرُ العلماء خبرةً في الحديث، كان يعيشُ في عصْر النصّ وجمعَ كتابهُ الكافي مِن المصادر الأصليّة التي أُخذتْ عن أفواهِ الأئمة بشكلٍ مُباشر.. يقول في مُقدّمة كتابهِ الكافي:
  • (وقلتَ: إنّك تُحبُّ أن يكونَ عندكَ كتابٌ كافٍ يُجمَعُ فيه مِن جميع فُنون عِلْم الدين ما يكتفي به المُتعلّم، ويَرجعُ إليه المُسترشد، ويأخذُ منهُ مَن يريدُ عِلْم الدين والعملَ به بالآثار الصحيحةِ عن الصادقين “عليهم‌ السلام” والسُنن القائمةِ التي عليها العمل وبها يُؤدّى فرْضُ اللهِ عزَّ وجلَّ وسُنة نبيّه “صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌”. وقلتَ: لو كانَ ذلك، رجوتُ أن يكونَ ذلكَ سبباً يتداركُ الله تعالى بمعونتهِ وتوفيقهِ إخواننا وأهْلَ ملّتنا، ويُقبِل بهم إلى مراشدهم…)
  • ● إلى أن يقول:
  • (يا أخي أرشدكَ الله، إنّه لا يسعُ أحداً تمييزُ شي‌ءٍ ممّا اختلف الروايةُ فيه عن العُلماء “عليهم‌ السلام” برأيه، إلّا على ما أطلقهُ العالم بقولهِ “عليه‌ السلام”: «اعرضوها على كتاب الله، فما وافقَ كتاب اللهِ عزَّ وجلَّ فخُذوه، وما خالفَ كتاب اللهِ فردّوه». وقولهِ “عليه‌ السلام”: «دعوا ما وافق القوم، فإنَّ الرُشْد في خِلافهم» وقولهِ “عليه‌ السلام”: «خذوا بالمُجمَع عليه، فإنَّ المُجمَع عليه لاريبَ فيه» ونحن لانعرفُ مِن جميع ذلكَ إلّا أقلّه..)
  • فهذا الكُليني مِن جُملة ما قال أن ذكرَ قاعدة المُجمَع عليه، ولكنّهُ علّق بعد ذلك وقال: (ونحن لانعرفُ مِن جميع ذلكَ إلّا أقلّه) يقول ذلك وهُو الخبيرُ في الأحاديث، يقول ذلك وتحتَ يديه أكثر مِن 300 مصدر أُخذتْ مِن أفواه الأئمة “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم” وهُو لا يستطيعُ أن يُميّز المُجمَع عليه.
  • ● إلى أن يقول: (ولا نجدُ شيئا أحوطَ ولا أوسعَ مِن ردّ عِلْم ذلك كلّه إلى العالم “عليه‌ السلام”، وقبولِ ما وسّع مِن الأمْر فيهِ بقوله: «بأيّما أخذتم مِن باب التسليم وسعكم»..)
  • هذا الكلام ليس في باب العقيدة، وإنّما في باب العباداتِ والطُقوس.. في باب العقيدةِ لا نعودُ إلى هذهِ القاعدة، في باب العقيدةِ نعرضُ الأحاديثَ على الكتاب ونعرضُ الأحاديث على الثابت مِن أحاديثهم كما هو الحالُ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة.. نعرضُ على النُصوصِ الواضحةِ البيّنة، على أصولِ العقيدة.. قطعاً هذا إذا ما شككنا في الروايات أو إذا ما وجدنا اختلافاً كبيراً لا نستطيعُ أن نتجاوز هذا الاختلاف مِن خلال فهمنا الصحيح لمجموع الأحاديث.. حينئذٍ نعودُ إلى الكتاب ونعودُ إلى الثابت مِن أحاديث النبيّ والعترة الطاهرة.
  • فالقضيّةُ العقائديّة لا نستطيعُ أن نحتكم بها إلى قاعدة “المُجمَع عليه” وإنّما هُناك أصول عقائديّة وردتْ في أحاديث كثيرة.. لأنَّ المطالب العقائديّة لا يُمكن أن يتحقّق الإجماعُ عليها إلّا في أُصولها.. فالناسُ مراتب، والقلوب مُختلفة، والعقول مُتباينة.. ومِن هُنا نشأ البيانُ المُداراتي والحديثُ التدريجي.
  • (وقفة عند مثال أذكرهُ لكم مِن كتاب [بحار الأنوار: ج42] الشيخ المفيد ينقلُ إجماعاً مِن عُلماء الطائفة على قضيّةٍ واضحةٍ جداً، ينقلُ الإجماعَ على خلافها..!!) فهل نُسيء الظنّ بالشيخ المُفيد..؟!
  • هذا الإجماع الذي يتحدّث عنهُ الشيخ المفيد هو إجماعُ مراجع الشيعة الناتج مِن الفِكْر الكلامي الذي جاءونا به من الأشاعرة والمعتزلة.. أمّا الإجماع الذي يتحدّث عنهُ السائل فهو الإجماعُ الناشئُ من حديث أهل البيت الذي تثقّفتْ عليه الشيعةُ آنذاك.. ولازال الأمرُ على هذا المنوال: عقائدُ عوامّ الشيعةِ أفضلُ من عقائد مراجعهم.
  • ● فالشيخ الكليني لا يجدُ طريقاً كي يعرف المُجمَع عليه مِن الرواياتِ والأحاديث وهو يتحدّثُ في باب الأحكام والعباداتِ والطقوسِ والمعاملات.. ولِذلكَ ذهبَ إلى قاعدة “الخيار” وهي القاعدةُ الأصْل، فنحنُ مُخيّرون أساساً بين الأحكام لأنَّ الأحكام مُتعدّدةٌ عند أهل البيت.. أمَّا هذا المنطق الذي عليه مراجعنا مِن أنَّ القضيّة لها حُكْمٌ واحد هذا جاءونا به من أبي حنيفة والشافعي.
  • أهل البيت عندهم في القضيّة الواحدة عدّة أحكام، والشيعيُّ بالخيار.. وهذا هو الذي تحدَّث عنهُ الشيخ الكُليني في المُقدّمة.. والكافي هو رسالةٌ عمليّة كما ذُكر في المُقدّمة.
  • ● قول السائل: (علماً أنَّ هذهِ الرواية مِن الشاذّ النادر) أقول: الروايةُ ليستْ مِن الشاذّ النادر.. ما المُراد مِن الشاذّ النادر؟!
  • الشاذّ النادر في باب العقائد هُو غير الشاذّ النادر في باب الطُقوس والعباداتِ والأحكام.. تلكَ لها خُصوصيّاتُها، وهذهِ لها خُصوصيّاتُها.. خُصوصيّاتُ الشاذّ النادر في رواياتِ العقائد والمعارف إنّما يكونُ بالمُعارضةِ للكتاب.. وقد طبّقتُ الروايةَ بكلّ تفاصيلها على آياتِ الكتاب.
  • فآيةُ {يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أُمّ الكتاب} وما جاء في الآياتِ مِن أنَّ {الله لا يُخلفُ الميعاد} تُصدّقُ الرواية.. فكيف تكونُ شاذّةً ونادرةً وهي تتّفقُ مع الكتاب؟! وكيف تكونُ شاذّةً ونادرةً وهي تتّفقُ مع الرواياتِ الأخرى، وقد قرأتُ الروايات عليكم وهي واضحةٌ وصريحةٌ جدّاً.. فكيف تكونُ الرواية شاذّةً ونادرة..؟!
  • كُلُّ الأسئلة مبنيّةٌ على مُقدّماتٍ خاطئة، أُخذتْ عناوين مِن الروايات وحُشرتْ حشْراً مِن دُون دقّةٍ وإمعانٍ كاملٍ في النظر..!

  • السؤال (15): لماذا لم تُطبّق على الرواية قاعدة العَرض على ما هو ثابت من رواياتهم صراحةً – إذا قُلنا بأنّها من المُتشابهة – ؟

  • أقول: أيُّ سُؤالٍ مِن الأسئلةِ هذا..؟! أليس مِن المفروض أن نُثبتَ أوّلاً أنّها مِن المُتشابهة وهي روايةٌ مُحكمةٌ وحاكمةٌ واضحةٌ جدّاً لِمَن كان لهُ أدنى مُسْكةٍ بلُغةِ العرب وأدب العرب حينما يُقارنها مع الرواياتِ الأخرى.
  • الرواياتُ الأُخرى التي تحدَّثتْ عن أنَّ السُفيانيَّ مِن المحتوم ليستْ بهذا الوضوح وبهذا البيان، وسأضربُ لكم أمثلةً ستأتينا وستتّضحُ الصُورةُ لكم.. بينما هذهِ الروايةُ واضحةٌ جدّاً.. أوّلاً علينا أن نُثبتَ أنّها مُتشابهة، والتشابه على نوعين: هُناك تشابهٌ مِن الأصل، وهُناك تشابهٌ مِن النقل.. أو تكون مُتشابهةً بسبب التصحيفِ والتحريف من قِبَل الرواة.. والحالُ أنَّ الرواية التي بينَ أيدينا واضحةٌ وصريحةٌ وبيّنةٌ بشكلٍ جلي.. لا يُوجد فيها أدنى معنى للتشابه.. هُناك تفصيلٌ واضح، هُناك بيان مِن أنَّ القائم مِن الميعاد “هذا مُصطلح” ومِن أنَّ الله لا يُخلف الميعاد “هذه قاعدة”.. ومِن أنّ السُفيانيّ مِن المحتوم وهذا واضح، ومِن أنَّ المحتوم يحدثُ فيه البداء وهذا ينطبقُ مع الآية {يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أُمّ الكتاب} فالآية في معناها العام واضحةٌ في هذا.. قطعاً بالإضافةِ إلى الأحاديثِ المُصرّحةِ والمُبيّنةِ أنَّ المحتوم على أصناف، منها ما لا يحدثُ فيه البداء قطعاً، ومنها ما يحدث فيه البداء.. لكنَّ احتمال حدوث البداء في المحتوم يكونُ أضعف مِن احتمال حدوثهِ في غير المحتوم.. وكُلّ هذهِ البيانات تقدّمتْ.

  • السؤال (16): لماذا لم تُعرض هذهِ الرواية على القرآن مِن خلال العرض على صُور البداء في القُرآن والتي كان البداء فيها تغيير وليس إلغاء كما في السُؤال رقم (5) من الأسئلة المُتقدّمة التي أجبتُ عليها يوم أمس.

  • ما جرى على قومِ يونس ما كان تغييراً وإنّما كانَ إلغاءً للعذاب.. ولم يُعذّبوا بعد ذلك، أُلغي العذاب.
  • ما جرى على قوم موسى في الميقات.. أصلاً ماتوا وبعد موتهم رجعوا إلى الحياة.
  • ما جرى في قصّة إسماعيل، أُلغي حُكْم الذبْح.. فهذا إلغاءٌ واضحٌ في الكتاب الكريم.. فالسُؤال لا معنى لَه هُنا.. هُو أيضاً مبنيٌّ على مُقدّماتٍ خاطئة.

  • السؤال (17): إنَّ الرواية لمّا ذكرتْ البداء (يعني ذكرت أنّ المحتوم يكون فيه البداء) لم تُبيّن نوعهُ: هل هو حذفٌ وإلغاء أم تغيير، فكيف لنا أن نعرف أنّه الأوّل وما هو الدليل على ذلك؟

  • أقول: الدليلُ على ذلك هو الروايةُ نفسها، فإنّا إذا ما دقّقنا النظر فإنّها، فإنّ أبو هاشم الجعفري يقول: (كُنّا عند أبي جعفر مُحمّد بن علي الرضا “عليهما السلام” فجرى ذكْرُ السفياني وما جاء في الرواية مِن أنَّ أمرهُ من المحتوم، فقلتُ لأبي جعفر “عليه السلام”: هل يبدو للهِ في المحتوم؟ قال: نعم، قُلنا لهُ: فنخافُ أن يبدو للهِ في القائم، فقال: إنَّ القائم من الميعاد، واللهُ لا يُخلف الميعاد)
  • واضح أنَّ السؤال عن السُفياني بما هو هو.. الألفاظُ تُشيرُ إلى ذلك.. ومع التنزّل عن هذا والتنازل عنه، فإنّنا إذا ما قرأنا تتمّةَ الرواية نجد أنَّ الواضحَ مِن خوفِ أبي هاشم الجعفري هو أن يكونَ البداء في أصْل الموضوع.. فلذلكَ أجابهُ الإمامُ بشكلٍ قطْعي فقال: (إنَّ القائم من الميعاد، واللهُ لا يُخلف الميعاد)
  • واضح أنَّ السؤال عن الإلغاء بِحَسَب قانون البداء.. مَن أراد أن يقرأ الرواية بشكلٍ آخر فهو حُرّ.
  • لحنُ الكلام، صياغةُ الحديث، خوفهم، سُؤالهم، صِيغةُ جواب الإمام بهذا الشكل المؤكّد.. كُلُّ ذلكَ يُشير إلى أنَّ الحديثَ عن القائم بما هُو هو والحديثُ عن الإلغاء.. والسُؤالُ هو هو بنفس القوّةِ، بنفس الّلحنِ، وبنفس السياقِ، وبنفس الصياغةِ كان عن السُفياني.
  • ولو افترضنا أنَّ هذا المعنى ليس صحيحاً، فالروايةُ تبقى على احتمالين، ونحنُ لا يُضيرنا ذلك، لأنّنا لسنا مُكلّفين أن نعرفَ تفاصيل قانون البداء، وإنّما نعتقدُ به ونعتقدُ أنَّ الأمور تتغيّر.. فإذا أرادَ الإمامُ أن يكونَ البداء بإلغاء السُفياني فذلكَ راجعٌ إليه.. وإنْ كانَ البداء بتغيير الزمان أو بعض الظُروف والمُلابسات فذلكَ أمرٌ راجعٌ إليه.. ليس هُناك مِن ضرورةٍ أن نُلحّ على إلغاء السُفياني.. الحديثُ عن أنَّ المحتوم يحدثُ فيه البداء أو لا.. نعم المحتومُ مِن هذا الصنف، فقبل أن يتحقّق جسمُ السُفياني في الواقع الخارجي فإنَّ البداء يحدثُ فيه، ولو تحقّق جسمهُ في الخارج فإنَّ المحتوم هُنا الذي لا يحدثُ فيه البداء هُو أنّه لا يفنى خلقه ولا يُعدم وجوده، يُمكن أن يموت وينتهي.. فالموتُ لا هو بفناءٍ للخلق ولا هو بإعدامٍ للوجود.. يُمكن أن يموت بسببٍ من الأسباب.
  • حكمةُ الإمام تقتضي أن تكون هزّةٌ أرضيّةٌ في مكانٍ هو يعيشُ فيه، أو أنّه يصعدُ في طائرةٍ الأسبابُ المحيطةُ بالطائرة تُؤدّي إلى سُقوطها وإلى قتلهِ وهلاكه.. فلماذا لا يكون هذا..؟!
  • لا نملكُ دليلاً على منْع هذا.. الغايةُ مِن كُلِّ هو التسليمُ لأمْر إمام زماننا.. فإذا كان الإمامُ يُريدُ للسفياني أن يكون فإنّه يكون.. وإذا كان الإمام بحسب تقديره في ليلة القدر لكلّ سنةٍ من السنين التي نحن فيها الآن أو في السنين القادمة، أو في السنين التي يكون فيها السفيانيُّ موجوداً قد ولد.. فإذا أراد لهُ أن يهلك فإنّهُ يهلك.. هذا أمرٌ راجعٌ إلى إمام زماننا “صلواتُ الله وسلامه عليه”.. كما نقرأ في الزيارة الجامعة الكبيرة: (وأمرهُ إليكم) أمْر الله بكلّ تفاصيله إليهم “صلواتُ الله وسلامه عليهم”.
  • الروايةُ واضحة مِن أنّ البداء هو في مقام الإلغاء وليس في مقام التغيير.. مِن خلال سياق السُؤال الأوّل، فإنْ لم يكنْ كذلك فمِن خلال سياق السُؤال الثاني الذي هو يوازن السؤال الأوّل (على نفس النسق وبنفس الاتّساق وهو واضحٌ جدّاً).
  • وإذا ما تركنا هذا فإنَّ الرواية ستبقى تحتملُ الوجهين، والبداء هو هكذا: (إمّا (إلغاءٌ) كما هو في حُكْم ذبح إسماعيل، أو هو (تغييرٌ) مثلما هو في حُكم موسى على نبيّنا وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام).

  • السؤال (18): إن الرواية ذكرتْ حدوثَ البداء على محتومٍ محدّد وهو “السفيانيُّ” فما هو الدليل على تعميم هذا الأمْر على جميع المشروع المهدوي؟

  • وأقول: لا يقول قائلٌ أنَّ جميع المشروع المهدوي سيكونُ خاضعاً للبداء.. فهُناك مِن المحتومات ما لا تخضعُ للبداء.. الميعادُ ولوازمهُ المُتّصلةُ به التي لا تنفكُّ عنه.. الإمام من الميعاد، وخروج الإمام مِن الميعاد، لوازم الخروج التي تتّصلُ به والتي لا يُمكن أن تنفكّ عنه.. وهذا هو الأصل.
  • مشروعُ الإمام ليس هُو ظُهور السُفياني.. هذا خَلْط بين مَشروع الإمام وبين ظُهور السُفياني.. ما علاقةُ ظُهور السفياني بالمشروع المهدوي؟!
  • السُفيانيُّ علامةٌ.. شيءٌ منفصلٌ عن المشروع المهدوي.. السفيانيُّ عدوٌّ للمشروع المهدوي.. فما علاقةُ أن نقولَ أنَّ السفيانيّ يحدثُ فيه البداء فينتقلُ هذا إلى المشروع المهدوي؟!
  • المشروعُ المهدويّ فيه مِن المحتوم بدرجةِ الميعاد، ومعهُ الّلوازم التي لا تنفكُّ عنه فتكون أيضاً بدرجة الميعاد.. وهُناك المحتوم الذي هو بدرجة القضاءِ المُبرَم من الأجسام التي تُخلق بكُلّ أشكالها (مِن الجنّ والإنس، والطير، والحَجَر، والشَجَر) مِن كُلّ الأشكال.. وهذهِ هي مِن شؤوناتِ المشروع المهدوي أيضاً.. ما كان منها مُتّصلاً بالمشروع المهدوي هذا مِن المحتوم الذي لا يقعُ فيه البداء مِن جهة فناءِ خَلْقهِ ومِن جهة إعدامِ وجوده.
  • وهُناك مِن المحتومات التي يُمكن أن ينفذَ فيها حُكم البداء لن ينفذ فيها حُكم البداء.. إنّنا حين نقول: المحتوم يُمكن أن يُطبّق عليه البداء فليس بالضرورة أن يُطبّق عليه.. حتّى غير المحتوم ليس بالضرورة أن يُطبّق عليه البداء.
  • فإنَّ غيرَ المحتوم احتمالُ نفوذُ البداء عليه بدرجةٍ أكبر مِن احتمال نفوذِ البداء على بعْض أنواع المحتوم.. القضيّةُ فيها تفصيل.. لابُدّ أن نُدقّق النظر في آياتِ الكتاب والأحاديثِ والأدعية والزيارات بشكلٍ موسوعيٍّ ودقيق حتّى تُفهَم الأُمور.. وإلّا سيبقى هذا الخَبْطُ والخَلْط.
  • الروايةُ لا تتحدّثُ بشكلٍ خاص عن السُفياني.. وإنّما أخذَ السائلُ في الرواية السُفيانيَّ في ذهنهِ مِصداقاً للمحتوم.. الروايةُ تتحدّثُ عن المحتوم، وبقيّة العلامات هي من المحتومات حالها حال السُفياني.

  • السؤال (19): بالنسبةِ للذين يُؤمنون بعِلْم الرجال، نقول: إنَّ هذهِ الرواية ضعيفة السند “بالخالنجي المجهول الحال” ولا يوجد نصّ مُعتبر يؤيّد مضمونها.

  • ● قول السائل: (ولا يوجد نصّ مُعتبر يؤيّد مضمونها) أقول له: أنّ كُلّ هذهِ النصوص التي مرّتْ تؤيدّ مضمونها.. أمّا علمُ الرجال فتلكَ قذارةٌ ناصبيّة – على الأقل بالنسبة لي -.
  • أقول: أبرز عُلماء الرجال في عصرنا هو السيّد الخوئي، والسيّد الخوئي ما كان يعرفُ أحوالَ بعض أولادهِ وماذا يفعلون..! (وقفة توضيح لهذهِ النقطة).

  • السؤال (20): كيف يكونُ البداء في المَحتوم والإمامُ الباقر يقول: (إنَّ مِن الأمور أموراً محتومةً جائيّة لا محالةَ، ومِن الأمور أمورٌ موقوفة)..؟!

  • أقول: الروايةُ التي يتحدّث عنها السائل بتمامها هي هذه: (عن الفضيل قال: سمعتُ أبا جعفر “الباقر عليه السلام” يقول: مِن الأُمور أُمورٌ محتومةٌ جائيةٌ لا محالة، ومِن الأمور أُمورٌ موقوفةٌ عند الله يقدّم منها ما يشاء، ويمحو منها ما يشاء، ويُثبتُ منها ما يشاء، لم يُطلع على ذلك أحداً – يعني الموقوفة – فأمّا ما جائتْ بهِ الرُسُل فهي كائنةٌ لا يكذّب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته)
  • الإمام هُنا يتحدّث عن جهةٍ من الجهات.. فمِثلما قال إمامنا الباقر: (فأمّا ما جائتْ بهِ الرُسُل فهي كائنةٌ لا يكذّب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته) في جانبٍ ممّا جاءتْ به الرُسُل،
  • وقوله: (مِن الأُمور أُمورٌ محتومةٌ جائيةٌ لا محالة) إنّهُ الميعاد فهو أمرٌ محتومٌ لابُدّ أن يقع.. وإنّها الأجسامُ والمُدركات بعد تحقّقها لابُدّ أن تقع، وإنّهُ من نفس المحتوم من بقيّة الدرجاتِ التي يقعُ فيها البداء سيقعُ لأنّ البداء لن يُنفّذ فيه.
  • يبدو من الأسئلة أنّ إشكالاً يتردّد في كُلّ الأسئلة.. حينما نقول أنَّ البداء يقعُ في المحتوم فليس هناك من ضرورةِ أن يقع.. يُمكن أن يقعَ في بعض أشكاله.
  • السفيانيُّ من المحتوم يُمكن أن يحدث فيه البداء إن كان إلغاءً أو تغييراً في بعض ظروفهِ، ملابساته.. ولكنّنا لا نملكُ دليلاً على أنَّ البداء سيتحقّقُ في هذه المسألة.. هُناك إمكانٌ لذلك (واقعُ الأمّة، وواقعُ بلاد الشام) إذا أردنا أن ننظرَ إلى الأمور بحَسَب زماننا أو إلى قرنٍ من الزمان.. فإنّنا لا نستطيعُ أن نتوقّع أكثر من ذلك، سيكون الكلامُ حينئذٍ كلاماً خياليّاً لا صِلَة لهُ بالوقع.. بإمكاننا أن نتصوّر شيئاً من مُستقبل الحوادث مِن خلال مُعطياتٍ موجودةٍ على الأرض في أيّامنا هذهِ.
  • الرواياتُ، الوقائعُ، حالُ الأمّة.. كُلّ الظروف والملابسات تُشير إلى أنّ السُفيانيّ قائم.. فليس من قائلٍ يملكُ دليلاً على أنَّ السُفيانيَّ قد وقع فيه البداء.
  • هذهِ الرواية التي أشار إليها السؤال هناك قبلها وبعدها رواياتٌ حاكمةٌ عليها. (وقفة عند نموذج من هذه الروايات الحاكمة).

  • السؤال (21): ماذا نفعلُ للروايات التي وردَ فيها القَسَمُ بالذاتِ الإلهيّة مِن قِبَلهم “صلواتُ الله وسلامه عليهم” كقولهم في السُفيانيّ: (لا واللهِ إنّهُ من المحتوم). وهل يُقسم المعصوم على أمرٍ مُحتمل الحصول..؟!

  • أقول: نعم يُقسْم المعصوم على أمرٍ مُحتمل الحصول بشرائطه.. فحين يقول الإمام: (واللهِ إنّهُ من المحتوم) نعم هو من المحتوم، ولكنّ المحتوم يحدث فيه البداء، وهم قد بيّنوا لنا ذلك، والسُفيانيُّ من المحتوم.
  • (وقفة أقرأ لكم فيها بعض الأحاديث والروايات، وسيتّضحُ لكم بعدها أيضاً أنَّ هذا السُؤال هو الآخر بُني على مُقدّمةٍ خاطئة).
  • قول السائل: (وهل يُقسم المعصوم على أمرٍ مُحتمل الحصول).
  • أقول: هُناك ملابساتٌ موجودة في تأريخ الأئمة لابُدَّ أن نطّلع عليها، مِن هذهِ الملابسات منها ما يرتبطُ بالوضع العام.
  • مثلاً الآن السائل يقول: كيف يُقسم المعصوم على أمرٍ مُحتمل الحصول..؟! وأقول: المعصومُ “صلواتُ الله وسلامه عليه” بسبب الظروف القاسية صدر منه ما هو أكثر من ذلك.. الحكمةُ تقتضي هذا.. حين يدخلُ الإمام الصادق على الدوانيقي وقبل أن يدخل كان بصحبته أحدُ شيعته، فسألهُ: يابن رسول الله، هذا اليوم من شهر رمضان؟ قال نعم.. فلمّا دخل الإمام على الدوانيقي.. وقال الدوانيقي للإمام: إذا أفطرتُ وعيّدتُ هل تُفطر أنت؟ قال الإمام: نعم. قال الدوانيقي: إنّي قد عيّدتُ وأفطرتُ، اليوم عيد.. فقال الإمام الصادق: وأنا معك، فجاءوا بتمرٍ وطعامٍ فأكل الإمام.. فلمّا خرج، صاحبه قال للإمام: يا بن رسول الله، أنتَ قُلت لي أنَّ هذا اليوم من شهر رمضان..! فقال الإمام: أفطرتُ يوماً وأقضيه، وأُحافظُ على رأسي ورؤوسكم.
  • وإمامُنا الكاظم كان يُفرّق بين الشيعةِ في صلواتهم في أوقاتها وحتّى في أُمورٍ أُخرى.. وحِين سُئِلَ عن ذلكَ قال: أنا الذي خالفتُ بينهم حِفاظاً عليهم، حتّى إذا ما تتبَّعتهم السُلطة العبّاسيّة وجدتُهم مُختلفين، فقدّرتْ فيهم الضَعف وعدم الإلتزام بتعاليم الإمام الكاظم “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”.. الظُروف القاسية الشديدة.. هذا الظرف لابُدّ أن يُؤخذ بنظر الاعتبار.
  • (وقفة أقرأ عليكم فيها نماذج مِن الروايات مِن كتاب [مختصر بصائر الدرجات] للحسن بن سُليمان الحلّي..)

  • السؤال (22): ورد عنهم “صلواتُ الله وسلامه عليهم” ما مضمونهُ أن لكلّ معصومٍ عدوّ.. فللرسول أبو سُفيان، ولعليٍّ مُعاوية، وللحسين يزيد وللمهدي السفياني.. وهذا التقابل ضروريٌّ لجهاتٍ خاصّة، فكيف بعد هذا نقول بأنّ البداء يُلغي السفياني؟!

  • أقول: هذا فَهْمٌ ساذجٌ للرواياتِ والأحاديث..
  • أوّلاً: الرواياتُ تحدّثتْ عن مُقارناتٍ تأريخيّة وبلسان التقيّة هذا.. أبو سُفيان ما كانَ العدوَّ الأوَّل لرسول الله، العدوُّ الأوَّل لرسول الله “صلّى الله عليه وآله” أولئكَ الذين كتبوا الصحيفة.. هؤلاء حاولوا قتْل رسول الله بطريقةٍ أشدُّ وأقسى وأكثر وبإصرارٍ أكثر من أبي سُفيان. أبو سُفيان كان عدوّاً لرسول الله وحتّى مُعاوية.. فمُعاوية ما هو إلّا غُصن مِن أغصانِ الشجرةِ الملعونةِ التي هي السقيفة.. ثقافتُنا تقول أنَّ الحُسين قتل يوم كُتِب الكتاب.
  • هذا فِكْرٌ ساذج مِن أن نجعلَ هذهِ القذاراتِ البشريّة ضرورةً مُلاصقةً لأئمتنا.. هذا حديثٌ بلسانِ التقيّة، والأئمةُ لا يستطيعون أن يُفصحوا عن الأعداء الحقيقيّين ولِذا يتحدّثون عن هؤلاء.. كما في زيارة عاشوراء، فنحنُ نلعن المُؤسّسين أوّلاً الذين أسّسوا أساس الظُلم والجور على آل مُحمّد.. فهذا فَهْمٌ ساذجٌ جدّاً.. هذهِ مُجرّد مُقارنةٍ تأريخيّةٍ لا علاقة لها بالجانب العقائدي فيما يرتبطُ بشؤون الأئمة “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”
  • أنا لا أُريد أن أقول بأنَّ السائل يكادُ أن يعتقدَ بعقيدةِ النقيض.. تلكَ العقيدة التي تعتقدُ بها الفِرَقُ الباطنيّة مِن أنّه لابُدَّ من وجودِ نقْضٍ للولي، لأنّهم يُريدونَ أن يُثبتوا الفضْل لأئمة الفرق الباطنيّة ويُثبتونَ عدم الفضْل للذين يعترضونَ على أئمتهم مِن نفس الواقع الشيعي.
  • يعني يأتي شخصٌ فيكونُ إماماً للخطابيّة فلابُدَّ مِن وجود نقيضٍ لهُ.. الذين يعترضونَ عليهم مِن الشيعة يفترضونَ فيهم أنّهم النقيض ويُرتّبون على هذا سلسلةٌ من المُعتقدات.. هؤلاء قذارةُ الأرض.
  • ولِذا فهذا الكلامُ لا ينسجمُ مع المنظومةِ العقائديّةِ الراقية والمُرتقية في ثقافة العترة الطاهرة.
  • (وقفةٌ عند مقطع مِن روايةٍ طويلة في [تفسير القُمّي] تتعلّق بما يرتبطُ بالآياتِ الأولى مِن سُورة الإسراء)

  • السؤال (23): هو طَلَب.. من بعض الإخوة والأخوات.. يقولون أنَّ موضوع البداء لأوّل مرّةٍ نسمعُ عن شرحهِ وتفصيله بهذه الطريقة.. ويصعب علينا فهمه من أوّل متابعةٍ للبرنامج.. فهم يطلبون منّي أمثلةً أُقرّب لهم فكرة البداء.

  • أقول: أنا ضربتُ أمثلةً كثيرةً مِن آياتِ الكتاب الكريم ومِن أحاديث العترة الطاهرة.. ومع ذلك سآتي بأمثلةٍ أخرى مع ملاحظة أنَّ الأمثلة تُقرّب من وجهٍ وتُبعّد من وجوه.
  • (وقفة عند بعض الأمثلة استجابةً لطلب الإخوة والأخوات).
  • ● بيان مختصر ولطيف ودقة في علم الجفر …

تحقَق أيضاً

الحلقة ١٤ – المحطّة الرابعة: القبر / البرزخ ج٥

يازهراء …