قتلوك يا فاطمة – الحلقة ٢٥ – الصابئة المندائيّون ق٢

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 3 جمادى الأخرى 1440هـ الموافق 9 / 2 / 2019م

  • في الحلقة الماضية وصلتُ إلى سُؤالٍ عن الطائفةِ المعروفةِ في العراق بـ “الصابئةُ المندائيّة” وكان السُؤال: هل أنَّ الصابئة المندائيّة ينطبقُ عليهم عنوان “أهل الكتاب” مِن وجهة نظرٍ دينيّةٍ فقهيّة؟

  • تحدّثتُ عمّا قِيل عن هذهِ الطائفة في كُتُب التأريخ وغيرها، ولم أصِلْ إلى نتيجةٍ واضحةٍ بخُصوصِ ما ذُكِر في تلكَ الكُتب، لأنّني لا أجدُ صورةً واضحةً يُمكنني أن أحكمَ عليها
  • فقد عرضتُ لكم ما جاءَ في موسوعةِ “لسان العرب” لابن منظور.. تخبّطٌ واضح لا يمكنُ أن نعتمدَ عليه.. الشيء الطبيعي حينما نُريدُ أن نبحثَ عن مسألةٍ مِثْل هذهِ المسائل سنبدأ مِن الموسوعاتِ الّلغوية؛ لأنّها ستتناولُ الألفاظ ولو بمُستوى المعنى البدائي، ولكنّ هذهِ الموسوعات اللغوية لم تُفلحْ في تعريف هذا العُنوان.
  • فلا نستطيعُ أن نستخرجَ صورةً واضحةً ولو بمستوىً بدائي لتعريف هذا العنوان “الصابئة المندائيّة”.
  • ● عرّجتُ بعد ذلك على نماذج مِن كُتُب التأريخ القديمة.. لم آتِ بكُلّ المصادر وإنّما جئتُ بنماذج، ولكن حتّى التي لم أتِ بها فليستْ بأفضل مِن الكُتُب التي جلبتُها.. الكُتُب التي جلبتُها هي التي تُعَدُّ الأفضل في بابها.
  • كانتْ لي جولةٌ في كتاب الفهرستْ لابن النديم، ثُمّ عرّجتُ على كتابِ المِلل والنحل للشهرستاني، ولم يكن بأفضلَ مِمّا جاء في كتاب الفهرست، وأشرتُ كذلكَ إلى بعضٍ مِن كُتُب المُتأخّرين، أشرتُ إلى كتابين للمؤرّخ العراقي المعروف: السيّد عبد الرزّاق الحسني، وهو لم يأتِ بشيءٍ كثير.
  • المُشكلةُ هي المُشكلة.. مِن وجهةِ النظر التأريخي لا نملكُ صُورةً واضحة.. ربّما هُم أصحابُ الديانةِ يعرفون تأريخهم، هذا أمرٌ يخصّهم.. إنّني أتحدّثُ عمّا هو موجودٌ في عالم الكُتُب.
  • في السنواتِ الأخيرة كانتْ هُناك مجموعةٌ مِن الكُتُب كتبها مَن كتبها مِن داخل الطائفةِ المندائيّة، ولكنّها لم تأتِ بشيءٍ يُمكن أن يكونَ أساساً علميّاً أكاديميّاً.. لازالتْ هذهِ الطائفةُ إلى أن يُكتبَ عنها إلى أن يُؤلّف عنها إذا ما أرادتْ أن تُعرّف بنفسها وأن تشرح للآخرين أمرها بنحوٍ مُوثّقٍ ومُؤكّدٍ ومُبرهن.
  • أنا لا شأنَ لي بكلّ هذا الموضوع، وإنّما أردتُ أن أستعرضَ الوجهَ التأريخي لهذهِ الطائفة، وإلّا فالسُؤال يتناول الوجهة الدينيّة، ولكنّني أردتُ أن أقول لمَن سأل مِن أنّني حين أُجيبُكم فإنّني أحاول جهْد الإمكان أن أحيطَ بكُلّ التفاصيل المُرتبطة بالموضوع.. قطْعاً لا يُمكنني أن أتحدّثَ عن كُلّ المعلومات التي أحملها في خُزانةِ معلوماتي، لأنَّ هذا سيحتاجُ إلى وقتٍ طويل، وأنا أذكرُ ما يرتبطُ بنحوٍ مُباشر بموضوع السُؤال.

  • مُشكلةُ الصابئة المندائيين مُشكلةٌ مُعقّدة لمجموعةٍ من الأسباب:

  • السبب (1): صِغَرُ حَجْم هذهِ الطائفة، بالإضافة إلى انغلاقها الديني على نفسها.. أمَّا اجتماعياً فهم أُناسٌ اجتماعيّون، أخلاقُهم لطيفةٌ، لا يُثيرون المشاكل في المناطق التي يقطنون فيها.. مُشكلتُهم التأريخيّةُ في قِلّةِ عددهم، وفي انغلاقهم الديني، وهُم مِن الدياناتِ التي لا تدعو الآخرين إلى اعتناقها.. هُناكٌ دياناتٌ تبشيريّة، وهُناك دياناتٌ ليستْ تبشيريّة.
  • ديانةُ الصابئةُ المندائيّين ليستْ بديانةٍ تبشيريّة.. فهذا سببٌ مِن الأسباب المُهمّةِ التي جعلتْ أمرهم في غُموضٍ بالنسبةِ للآخرين..!
  • فأنا مِن جنوب العراق، وفي مناطقنا يتواجدُ الصابئةُ المندائيّون، وقد ذكرتُ مسألةً في الحلقةِ الماضية حين تحدّثتُ عن كتابِ المُؤرّخ العراقي: عبد الرزّاق الحسني الذي يحمل عنوان: “الصابئةُ قديماً وحديثاً”.. وقلتُ أنّني طالعتهُ وقرأتهُ في أيّام الصبا، حيثُ قلتُ بأنَّ والدي قد استعارَ هذا الكتاب مِن المكتبة العامّةِ في مدينتنا، وحينما رأيتُ الكتابَ بيدهِ بادرتُ إليه وطلبتُ مِنهُ الكتاب، وقد قرأتهُ في نفس الّليلة – فهو ليس كتاباً كبيراً جدّاً – قرأتهُ في نفس الّليلةِ لفضولٍ عندي لمعرفةِ أحوالِ هذه الطائفة، لأنّهم يعيشون معنا في نفس المناطق ونحنُ لا نعرفُ عنهم شيئاً.. نسمعُ مِن الكبار ومِن الناس أشياء تُخيفُنا منهم، ولكنّنا حينما نتعامل معهم لا نجدُ شيئاً يُخيف.
  • فأحدُ الأسباب التي أدّتْ إلى غُموض أمْرهم قلّةُ عدد أفرادِ هذهِ الطائفة بالإضافةِ إلى المُجتمعاتِ التي يعيشونَ فيها.. قِلّةُ العدد مع الانغلاق الديني، فهم لا يشرحون ديانتهم للآخرين ولا يُطلعون الآخرين على ديانتهم.
  • السبب (2): أنَّ كُتبَهم الدينيّة مكتوبةٌ بِلُغتهم المندائيّة التي هي مِن السريانيّة القديمة، أو هي مِن بقايا الّلغات الساميّة الأولى، أو مِثْلما توّقعتْ أنّها مِن الّلغة الآراميّة العبرانيّة التي اختلطتْ بلغاتٍ أُخرى.. وإلى يومنا هذا تُوجد بقايا من الّلغة الآرميّة في سوريا في العراق، وفي مناطق أخرى
  • السبب (3): من العوامل التي أدّت إلى غُموضِ أمْرهم هو أنَّ الذينَ كتبوا عنهم ليسوا مِن الطائفة.. الذين كتبوا عنهم إمَّا مِن المُستشرقين الأُوروبّيين وهم مسيحيّون في الغالب، وإمّا مِن المُسلمين.. بالنتيجةِ الذين كتبوا عنهم مِن دياناتٍ أُخرى، والكتاباتُ ليستْ مُوثّقة، ولذلك لا يُمكن أن نعتمد عليها إطلاقاً.

  • قضيّةٌ أُخرى لابُدَّ أن أُشير إليها وهي:

  • أنَّ هذا المُصطلح مُصطلح “الصابئة” أُطلِقَ على مجموعاتٍ عديدة، وهذا أضاف مُشكلةً إلى مُشكلة انغلاقهم الديني، لأنّنا إذا أردنا أن نتتبّع الكُتُب التي كتبتْ عنهم فإنَّ هذا المُصطلح يُطلَقُ على مجموعاتٍ لا تتشابهُ في عقائدها، وهُناك مِن المعطيات ما يُشير إلى أنَّ مجموعاتٍ منهم قد خرجتْ على دينها وتأثّرتْ بدياناتٍ أُخرى، وبقيتْ تلك المجموعات تحملُ نفس الإسْم.
  • الصابئةُ المندائيّون الذين قطنوا ولازالوا يقطنونَ جنوبَ العراق وجنوبَ إيران لا تنطبقُ عليهم المعلوماتُ الموجودةُ في هذهِ الكُتُب إذا ما أردنا أن ندخل إلى واقعهم وإذا ما أردنا أن نعرف حقيقة عقائدهم.
  • فما قرأتهُ عليكم في الحلقةِ الماضية ممّا جاء مكتوباً في الكُتُب التي جئتُ بها نماذجَ بخُصوصِ هذا الموضوع لا ينطبقُ على الصابئةِ المندائيّين في جنوب العراق إلّا بعض المعلومات القليلة جدّاً.. أمَّا ما ذُكِرَ عن عقائدهم فكثيرٌ مِن الكلام لا حقيقةَ له.. يبدو أنَّ مجاميع منهم في الأزمنةِ الغابرة تأثّروا بالدياناتِ الوثنيّةِ المُختلفةِ في منطقة الهلال الخصيب – كما كانتْ تُسمّى سابقاً – في منطقة بلاد ما بين النهرين، أو في منطقة الشام الكبير.. بالنتيجةِ كانتْ هُناك دياناتٌ وثنيّةٌ في هذهِ المناطق.. فيبدو أنَّ مجاميعَ منهم تأثّرتْ بتلكَ الديانات الوثنيّة وانعكستْ عليها، وتلكَ المجموعات لا وجودَ لها اليوم على أرض الواقع، إنّهم “الحرّانيّون” أو “الحرنانيّون” نسبةً إلى منطقة حرّان والتي تقعُ في المنطقةِ المُشتركة جُغرافيّاً في زماننا ما بينَ العراق وتركيا وسُوريا.
  • بسبب كُلِّ ذلكَ انتشرَ ما انتشرَ عنهم إنْ كان في الكُتُب أو في الأوساطِ الاجتماعيّة التي هُم يُجاورونها ويعيشون بقُربها، ولكنّهم لم يُدافعوا عن أنفسهم إلّا في هذهِ السنواتِ الأخيرة.. بدأتْ هُناك كتاباتٌ، بدأتْ هُناك نشاطاتٌ على المُستوى الاجتماعي، على المُستوى السياسي، على المُستوى الإعلامي، وعلى الشبكة العنكبوتيّة.. وفي العقودُ المتأخّرة كانتْ هُناك حركةُ ترجمة لبعض كُتُبهم الدينيّة المقدّسةِ عندهم.. فتبدّد بعضُ الغَيم بنحوٍ يسير.
  • ● لا أُريدُ أن أُطيلَ الحديثَ في هذا الجانب، وإنّما سأذهبُ للإجابةِ على السُؤالِ بشكلٍ مُباشر فيما يرتبطُ بصحّةِ إطلاقِ هذا العُنوان “أهل الكتاب” عليهم.. وقد بيّنتُ أنَّ المُراد مِن المجموعاتِ الدينيّة التي يُطلَقُ عليها هذا العنوان “أهل الكتاب” في جوّ الإسلام هي الأُممُ التي تدينُ بدينٍ سماوي، ولَها نبيٌّ معروف مِن الأنبياء الذين نعتقدُ بهم وتعتقدُ بالنبوّات، عندهم كتابٌ دينيٌّ هُم ينسبونهُ إلى أنبيائهم، وعندهم شِرْعةٌ فيما يرتبطُ بأحكام الدين التي تُمازجُ فيما بين الدُنيا والآخرة في العباداتِ والطقوسِ والمُعاملاتِ وما يرتبطُ بالأخلاقِ والسُلوكِ وسائرُ التفاصيل التي يهتمُّ الدينُ بشُؤونها وخُصوصيّاتها.. المجموعةُ التي تتّصفُ بهذهِ الأوصاف ينطبقُ عليها هذا العُنوان “أهل الكتاب”.

  • للفائدة قبل أن أتناول هذهِ المسألة بنحوٍ مُباشر أمرُّ على ما جاء في كُتُبِ الحديثِ عندنا بخُصوص هذا المُصطلح ” مُصطلح الصابئة”.

  • ● وقفة عند مقطع مِن حديثِ الإمام الصادق “عليه السلام” مع المُفضّل بن عُمر في كتاب [بحار الأنوار: ج53]
  • في صفحة (5) الشيخ المجلسي ذكر لنا حديثاً مُفصّلاً عن إمامنا الصادق يرويه المفضّل بن عمر.. جاء فيه:
  • (قال المفضّل: فقُلتُ يا مولاي، فلِمَ سُمّي الصابئون “الصابئين”؟ فقال “عليه السلام”: إنّهم صبوا – أي مالوا – إلى تعطيل الأنبياء والرُسُل والمِلل والشرائع – أي لم يعتقدوا لا بالأنبياء ولا بالرُسُل ولا بالمللِ ولا بالشرائع – وقالوا كُلّ ما جاءُوا به باطل، فجحدوا توحيد الله تعالى ونبوّة الأنبياء ورسالة المُرسلين، ووصية الاوصياء، فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول، وهم معطلة العالم..)
  • هذا العُنوان لا ينطبقُ على الصابئةِ المندائيّين، فهُم لا يُعطّلون الأنبياءَ والرُسُل ولا يُعطّلونَ المِلل والشرائع بِحَسَب كُتُبهم.. وأنا سأُبيّنُ لكم على أيّ أساسٍ أقولُ هذا الكلام،
  • فإمامنا هُنا يتحدّثُ عن مجموعةٍ بعَينها التي يسألُ المُفضّل عنها، وهي المجموعةُ التي كانتْ على مِساسٍ مع الواقع الإجتماعي، وكانتْ على مِساسٍ مع الواقع السياسي.. هناك شخصيّاتٌ مِن الصابئة عِبْر التأريخ (مِنهم مِن الشُعراء، مِنهم مِن السياسيّين، منهم مِن المُؤلّفين، منهم مِن الفنّانين) إن كان ذلك في زمان الأمويّين أو كان ذلك في زمان العبّاسيّين.. الذي يبدو مِن خلالِ القرآئن التأريخيّة هُم مِن صابئةِ حرّان، وصابئةُ حرّان مِن خلال القرائن التأريخيّة خرجتْ منهم مجموعات خالفتْ الديانة المندائيّة القديمة التي بقي صابئةُ البطائح الذين سكنوا بطائح العراق “الجنوب” بقوا على التمسّك بها.
  • قطعاً الديانات تتغيّر وتتبدّل ولا يُستثنى دينٌ مِن ذلك.. لا يُوجد الآن على وجْه الأرض دينٌ واحد مِن الأديانِ السماويّة لم يتعرّض للتحريفِ أو التبديل.
  • — قول الإمام: (وقالوا كُلّ ما جاءُوا به باطل) لأنّهم تحوّلوا إلى الفِكْر الدهري، ما يُسمّون بالدهريّين، ما يُسمّون بالطبيعيّين، ما يُسمّون بالزنادقة، ما يُسمّون في عصرنا بالمُلحدين.. تحوّلوا إلى فِكْرٍ إلحادي.. وهذا واضحٌ مِن استعمالِ مُصطلح “الصابئة” على مجموعاتٍ عديدة، وقد قرأتُ عليكم جانباً ممّا جاء في الكُتُب يُشيرُ إلى أنَّ هذا المُصطلح أُطلِق على مجموعاتٍ مُتباينة.. ربّما تلتقي في جهةٍ تأريخيّة، ربّما تلتقي في جهةٍ جُغرافيّة، ربّما وربّما.. ولكنّها مجموعات مُتباينة، وقد ضربتُ لكم مثالاً بمُصطلح “العلويّون” وكيف يُطلَق على مجموعاتٍ مُتباينة في زماننا هذا.
  • فهذهِ الروايةُ لإمامنا الصادق لا تتحدّث عن الصابئةِ المندائيّين في بطائح العراق، أو على الأقل على الصابئةِ المندائيّين الذين يعيشون في زماننا هذا.. هذهِ الروايةُ تتحدّث إمّا عن مجموعةٍ كانتْ مِن الصابئةِ المندائيّين وتحوّلتْ إلى مجموعةٍ دهريّة، وإمَّا هي مجموعةٌ لا علاقة لها أساساً بالصابئة المندائيّين ولكنّهم في زمن السُؤال كانوا معروفين بهذا الوصف، فهم قد صبوا إلى هذا الاتّجاه الدهري، ولِذا قال إمامُنا الصادق: (فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول) أمَّا الصابئةُ المندائيّون في جنوب العراق عندهم شريعة، وعندهم كتاب، وعندهم رسول.. فهذا الوصف لا ينطبقُ على الصابئة المندائيّين.. هؤلاء الذين هُم بلا شريعةٍ ولا كتابٍ ولا رسول هُم مُعطّلةُ العالم – كما قال إمامُنا الصادق – ويُمكن أن تكونَ هُناك تفاصيل أُخرى ذكرها إمامُنا الصادق لم تُذكَر في الرواية، لأنَّ الروايةَ طويلةٌ جدّاً.. والرواياتُ الطويلةُ جدّاً يسقطُ منها ما يسقط، سواء كانتْ قد حُفِظتْ شفهيّاً أو حُفِظتْ كتبيّاً.
  • هذهِ الروايةُ بنفسها ذكرها صاحبُ العوالم وذكرها بصيغةٍ مُفصّلةٍ أكثر.. لا أتحدّثُ عن هذا المقطع، وإنّما أتحدّث عن عُموم الرواية.. يعني أنَّ الرواية التي في البحار تعرّضتْ للحذف والإنقاص، ولربّما حتّى الرواية التي ذكرها صاحب العوالم تعرّضتْ للحذف والانقاص.
  • ● وقفة عند ما جاء في [تفسير القُمّي] عن الصابئة.. وتفسيرُ القُمّي هو أيضاً مِن مجاميع الأحاديث التفسيريّة التي تعرّضتْ للتحريف.
  • في ذيل الآية 62 مِن سُورة البقرة {إنَّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنصارى والصابئين…} قال: الصابئون قومٌ لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون، ولكنّهم يعبدون الكواكب والنجوم).
  • هذا الأمرُ تحدّثَ عنه المُؤرّخون فيما يرتبطُ بالصابئةِ الحرنانيّين، أمّا صابئةُ البطائح فقد وُصِفوا في التأريخ بأنّهم إبراهيميّون يدينون بديانةٍ إبراهيميّة.. قطعاً نحنُ إذا سألنا الصابئةَ المندائيّين هُم يدينون بديانةٍ آدميّة، هُم ينسبون دينهم إلى أبينا آدم، وينسبونَ كتابهم الأوّل إلى أبينا آدم، ويقولون أنَّ الّلغة المندائيّة التي هي لُغة كُتُبهم الدينيّة هي لُغةُ أبينا آدم.. هذهِ مُعتقداتهم وكُلُّ ديانةٍ حُرّةٌ بما تعتقد.
  • — نحنُ إذا ما قرأنا الآية 62 مِن سُورة البقرة نجد أنَّ الصابئة يُؤمنون بالله واليوم الآخر {إنَّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باللهِ واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهُم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون} هذهِ أُصولُ دياناتهم ولكنّهم أحدثوا ما أحدثوا في دينهم.
  • تأريخيّاً بِحَسَب القرائن المُتوفّرةِ في كُتُب التأريخ إذا ما أردنا أن نعود إليها فهُناك ما يُشير إلى أنَّ الصابئة الذين قطنوا في حرّان والذين عُرفوا بالحرنانيّين مالوا جميعاً إلى بعض الدياناتِ الوثنيّة التي تنتشرُ في منطق تُركيا آنذاك التي لها أُصولٌ مِن الإغريق، وكانتْ تتمسّكُ بعبادةِ الكواكب والنجوم فتأثّروا بها.. فالحديث هُنا في تفسير القُمّي عن صابئةٍ يعبدون الكواكب والنجوم.
  • — قولهِ في تفسير القُمّي: (ولكنّهم يعبدون الكواكب والنجوم) ربّما أصلُ العبارة وهُم يعتقدون بالكواكب والنجوم، لأنَّ الآية تتحدّث عن إيمانهم باللهِ والآخر، فإنَّ الذي يعتقدُ بهذا الاعتقاد سيكونُ عابداً لله، ولكنّهم ربّما أضافوا إلى ديانتهم ما أضافوا مِن العقائد التي جاءُوا بها وأخذوها مِن الوثنيّين فيما يرتبطُ بالكواكب والنجوم.
  • على أيّ حال، فهذا الوصف الذي جاء في تفسير القُمّي بهذا التعبير الّفظي أيضاً لا ينطبقُ على الصابئةِ المندائيّين.. هذا لا يعني أنَّ الصابئةَ المندائيّين لا اهتمام لهم بالكواكب والنجوم.. يهتمّون بالكواكب والنجوم، واهتمامُهم هو جُزءٌ مِن ديانتهم ولكنَّ هذا الاهتمام لا يرقى إلى درجة عبادة الكواكب والنجوم بحَسَب الواقع الذي يُمكننا أن نُدركهُ مِن خلال كُتُبهم الدينيّة.
  • أنا لا أتحدّثُ عن كلامٍ ينقلُهُ أشخاصٌ مِن نفس الطائفة، لا شأن لي بكلام هؤلاء، لأنَّ هذا الكلام يُمكنُ أن لا يكونَ دقيقاً ويُمكن أن لا يكونَ صحيحاً في هذهِ الضوضاء الإعلاميّة في كُلّ مكان.
  • فقول الرواية: (الصابئون قومٌ لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون، ولكنّهم يعبدون الكواكب والنجوم) بهذا المضمون هذا المعنى لا ينطبقُ على مجموعةِ الصابئةِ المندائيّين الذين يقطنونَ جنوب العراق وجنوب إيران.
  • — واضحٌ جدّاً ما جاءَ في الجزء (53) مِن [بحار الأنوار] لشيخنا المجلسي عن إمامنا الصادق بروايةِ المُفضّل بن عُمَر.. الكلامُ عن مجموعةٍ تختلفُ عن مجموعةٍ ثانية أيضاً وُصفتْ بالصابئة، حيثُ نقلَ لنا عليُّ بن إبراهيم القمّي في تفسيرهِ عن الصابئين الذين يعبدون الكواكب والنُجوم بحَسَب ما هو موجودٌ بين أيدينا – إذا كان هذا النقلُ صحيحاً-
  • فهذهِ مجموعةٌ ديانتُها أنّها تعبدُ الكواكبَ والنجوم بِحَسَب ما جاءَ في تفسير القُمّي.. وبِحَسَب ما جاءَ في [بحار الأنوار] عن الإمام الصادق أيضاً فهو عن مجموعةٍ دهريّةٍ مُعطّلة، مثلما قال الإمام: (هُم مُعطّلة العالم) فتلكَ مجموعةٌ وهذهِ مجموعةٌ.
  • نحنُ لا نملكُ مُعطياتٍ مُفصّلةً عن هذا الموضوع، والصُورةُ ليستْ واضحةً لأنَّ ما جاء في هذهِ الرواياتِ جاء مُقتضباً، وحينما نُقارنهُ مع آياتِ القرآن فإنَّ آيات القرآن تتحدّث عن صابئةٍ هُم مِن أهل الكتاب وسُأبيّن ذلك لكم.

  • وقفة عند مقطع مِن حديث عُمران الصابي مع الإمام الرضا مِن مجالس إمامنا الثامن في كتاب [في عيون أخبار الرضا] للشيخ الصدوق.

  • هُناك نقاشٌ دقيقٌ وعميقٌ جرى بين الإمام الرضا وبين عُمران الصابي، والأسئلةُ قطْعاً تُخبر عن مضمونِ السائل، وإنْ كان الحديثُ حديث نقاشٍ وجدل، وعند النقاش والجدل ليس بالضرورةِ أنَّ ما يذكرهُ المُجادلُ والمُناقشُ يكشفُ بالتمام والكمال عن دواخل نفسه، فلربّما يتبنّى شيئاً في داخلهِ وفي النقاش يتحدّث عن شيءٍ آخر.. ولكن بِحَسَب ما هو بين أيدينا مِن خلال أسئلةِ عمران الصابي وحديثهِ مع الإمام الرضا يبدو لي أنَّ وراء هذهِ الأسئلة وأنَّ مضمون هذا الرجل هُو مضمونُ الصابئةِ المندائيين الذين يقطنون البطائح.
  • سأقرأُ بعضاً ممّا جاءَ في هذهِ المُحاورة، وأجدُ بين مُصطلحاتهِ ما هُو موجودٌ في كُتُب الصابئة المندائيين المُترجمة إلى الّلغةِ العربيّة.
  • ● في صفحة 150 من الجزء الأوّل من كتاب [عيون أخبار الرضا] جاء فيها:
  • (فقام إليه عمران الصابي وكان واحداً من المُتكلّمين، فقال: يا عالم الناس لولا أنّك دعوتَ إلى مسألتكَ لم أقدم عليكَ بالمسائل، فلقد دخلتُ بالكوفة والبصرةِ والشام والجزيرة – وهي البادية الُممتدة ما بين العراق وبلاد الشام – ولقيتُ المتكلمين – مِن عُلماء العقائد والفكر – فلم أقع على أحدٍ يثبت لي واحداً – إلهاً واحداً – ليس غيرهُ قائماً بوحدانيته، أفتاذن لي أسئلك؟ قال الرضا “عليه السلام”: إنْ كان في الجماعة عمران الصابي فأنتَ هو. قال: أنا هُو. قال: سلْ يا عمران وعليك بالنَصَفة – أي أن تُقرّ بالحقائق – وإيّاك والخَطَل – أي الانحراف بالفِكْر وبالقول – والجور. فقال: واللهِ يا سيّدي ما أُريدُ إلّا أن تثبتَ لي شيئاً أتعلّق بهِ فلا أجوزه، قال: سلْ عمّا بدا لكَ، فازدحمَ الناس وانضمَّ بعضهُم إلى بعض – لأنَّ عمران الصابي كان مشهوراً بالعِلْم وكان شديدَ المراس في النقاش – فقال عمران الصابي: أخبرني عن الكائن الأوَّل وعمَّا خلق، فقال له: سألتَ فافهم.. أمَّا الواحد فلم يزلْ واحداً كائناً لا شيء معهُ بلا حُدود ولا أعراض ولا يزالُ كذلك، ثمَّ خلَقَ خلقاً مبتدعا مختلفا..)
  • ● قول عمران الصابي: (فلم أقع على أحدٍ يثبت لي واحداً ليس غيرهُ قائماً بوحدانيته) هذا الكلامُ يُشبهُ ما هو موجودٌ في كُتُب الصابئة المندائيّين.
  • السُؤال حينما يسألهُ السائل هُناك خلفيّةٌ وفِكْرٌ لهذا السُؤال، فهذا السُؤال يبدو لي على سبيل الظنّ أنّهُ هو الموجود في كُتُب الصابئة المندائيّين.. وقولهِ: (أخبرني عن الكائن الأوَّل وعمَّا خلق) هذهِ التعابير وهذهِ المعاني وهذهِ الأسئلة إذا ما قرأنا كُتُب الصابئة المندائيّة فإنّنا نجدُ آثاراً لِذلك.
  • ● في صفحة 153 يقول عمران الصابي وهو يتحدّث عن عقيدتهِ قبل النقاش:
  • (قال عمران: يا سيّدي فإنَّ الذي كان عندي أنَّ الكائن قد تغيّر في فعلهُ عن حالهِ بخَلْقه الخَلْق، قال الرضا “عليه السلام”: أحلْتَ يا عمران في قولك: إنَّ الكائن يتغيّر في وجه مِن الوجوه حتّى يُصيبَ الذات منهُ ما يغيّرهُ، يا عُمران هل تجد النار يُغيّرها تغيّر نفسها؟ وهل تجدُ الحرارة تُحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيراً قطّ رأى بَصَره؟ قال عمران: لم أرَ هذا إلّا أن تخبرني يا سيّدي أهو في الخَلْق، أم الخَلْق فيه؟…)
  • ● قولهِ: (فإنَّ الذي كان عندي أنَّ الكائن قد تغيّر في فعلهُ عن حالهِ بخَلْقه الخَلْق) هذا يعني أنّهُ كان يُؤمنُ بإله، فلا هُو مِن المجموعةِ المُعطّلة التي تحدّثَ عنها إمامنا الصادق مع المُفضّل بن عُمر في الجزء (53) من كتاب بحار الأنوار، ولا هو مِن عُبّاد الكواكب والنجوم بحَسَب ما جاء عن مجموعةٍ صابئيّة أُخرى في تفسير القُمّي.. فعُمران الصابي هُنا يتحدّث عن عقيدةٍ أُخرى، وهذهِ العقيدةُ هي التي أستكشِفُ مِن خلالِ كلامهِ أنّها تمتدُّ إلى جُذورِ عقائدِ الصابئيّة المندائيّة.
  • زبدةُ المخض مِن كلّ هذا:
  • إنّني أردتُ أن أعرضَ بين أيديكم ما جاءَ مِن حديثٍ في كُتُبنا عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” ومِن خلالِ هذا العَرض فإنَّ هذهِ الأحاديث لا نستطيعُ أن نتعاملَ معها على أساسِ أنّها تتحدّث عن الصابئة المندائيّين الذين يدورُ السُؤال حولهم.. هي عن مجموعاتٍ مِن الصابئة، وقد بيّنتُ لكم أنَّ هذا المُصطلح استُعمِل في مجموعاتٍ مُختلفة في التأريخ، لا نستطيعُ أن نجمعَ بين هذهِ المجموعات المُتباينة.
  • إلى هُنا.. فقد عرضتُ لكم ما عرضتُ، ما جاءَ في كُتُب الّلغة، ما جاءَ في كُتُب التأريخ، في كُتُب المِلل والنحل، وما جاء َفي كُتُبنا الحديثيّة.
  • الذي يرتبطُ بشكلٍ مُباشر بجواب السُؤال: هل ينطبقُ عنوان “أهل الكتاب” على الصابئةِ المندائيّين الذين يقطنون جنوب العراق؟ أقول: نعم، الصابئةُ المندائيّون ينطبقُ عليهم هذا العُنوان، لأنّهم في الحقيقةِ على ديانةٍ سماويّة، ولهم نبيٌّ نحن نعرفهُ في مجموعةِ أنبياء الإسلام، وعندهم كتابٌ ديني، هُم يعتقدون به.. وعندهُم شريعةٌ، يُؤمنون باللهِ ويُؤمنون بالنبوّاتِ وبتفاصيل الأديان.

  • وقفة عند الآية (62) مِن سُورة البقرة، قولهِ تعالى: {إنَّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باللهِ واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهُم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون}

  • هذهِ دياناتٌ سماويّة.. السياقُ واحد، والعطفُ واحد والآية الكريمة تتحدّث عنهم فتقول: {مَن آمن باللهِ واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهُم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون} فهذهِ المجموعات كُلٌّ بحَسَبها وفي سياقها.. وأنا لستُ بصدد التفصيل في معاني الآيات.
  • رواياتٌ واضحةٌ صريحةٌ تُبيّن لنا معنى الصابئين بحيث نستطيعُ أن نُشخّصهُ في كُلّ أبعادهِ بالنحو الذي تترتّبُ عليه الأحكامُ الشرعيّة ليس بأيدينا.
  • ما جاء في تفسير القمّي من أنَّ الصابئين قومٌ يعبدونَ الكواكب والنجوم لا يأتي مُنسجماً مع سياق الآية.. الحديثُ هُنا عن مجموعةٍ يُقال لهم صابئون.
  • السائلُ، المُستمعُ، المُتلقّي في ذهنهِ يُريدُ أن يعرف مَن هُم الصابئُون الذين هُم على مَقربةٍ منه أو أنَّ الناس يتحدّثون عنهم، فلذا جاء التعريفُ بهم مِن أنّهم قومٌ يعبدون الكواكب والنجوم.. وقد جاءَ في رواياتٍ أُخرى نظرتْ إلى أُفُقٍ آخر كما في تفسير إمامنا العسكري مِن أنَّ الصابئينَ عُنوانٌ لمجموعةٍ مِن هذه الأُمّة ممّن كذبوا في دينهم وفي عقائدهم، وهذا واضحٌ في تفسير إمامنا الحسن العسكري، وأنا لستُ بصدد التوغّل في كُلّ الجُزئيّات.. أنا أتحدّث هُنا في الجهة التي ترتبطُ بإطلاق عنوان “أهل الكتاب” على الطائفة الصابئة المندائيّة.
  • ● ما تقدّم مِن كلامٍ هو مُقدّماتٌ أردتُ أن أُبيّن فيها أنَّ هذهِ الطائفة يلفّها الغُموض، وهذا واضحٌ مِن خلال المُعطيات المُتقدّمة.. وبيّنتُ جانباً مِن الأسباب التي جعلتْ هذهِ الطائفة في جوٍّ غامض.
  • الآيةُ واضحةٌ وصريحةٌ مِن أنَّ الصابئينَ يمتلكونَ ديناً.. ولا يمتلكونَ ديناً ما لم يعتقدونَ بالله، ولا يعتقدونَ بالله وباليوم الآخر بنحوٍ صحيح ما لم يكنْ عندهم نبيّ، وحينئذٍ سيكونُ هُناك كتاب وعقائد وأحكام وتفاصيل دينيّة أُخرى.. ولِذا جاء في الآية: {وعمل صالحاً} إنّما يكونُ العمل صالحاً حينما يكونُ وفقاً لشريعةٍ، ووفقاً لعقيدةٍ، ووفقاً لأحكامٍ، ووفقاً لعباداتٍ وطقوسٍ مرسومةٍ مِن قِبَل الأنبياء.
  • الدياناتُ تُحرّف، أتباعُها يضلّون.. ذلك شيءٌ آخر.. إنّنا نتحدّثُ عن دينٍ تدّعي أُمّةٌ أنّها تعتنقهُ.. ولا شأن لنا هل تعتنقهُ بشكلٍ صحيح، أو هل تُطبّقه بشكلٍ صحيح، أو هل تحرّف هذا الدين؟
  • الشيءُ الطبيعي أنَّ الدياناتُ تتحرّف وتُحرَّف بقَصْدٍ ومِن دُون قَصْد، ولكن الكلام هُنا على الأُطُر العامّة.
  • الآيةُ واضحة.. فإنّها تعدُّ الصابئين مِن أصحاب الديانات السماويّة ولو أنّهم كانوا مِثلما يُريدُ الله فلا خَوفٌ عليهم وَلا هُم يَحزنون.. قَطْعاً مع مُلاحظة تراتبيّة الرُسُل، وحُجّية الرسول المُتأخّر التي تكونُ أعلى مِن حُجّية الرسول المُتقدّم وهكذا إلى الرسول الخاتم.. هذهِ المعاني لابُدَّ أن تُؤخذ بنظر الاعتبار وأنا لستُ بصدد الحديث عن علاقة الأديان فيما بينها وعن حُجّية دينٍ على دين.. إنّني أتحدّث عن أمرٍ واضح وهو: هل أنَّ طائفة الصابئة المندائيّين مِن أهل الكتاب؟ هل دينهم سماوي؟ هل يُؤمنون بالله؟ هل يُؤمنون بالنبوّات؟ هل لهم نبيٌّ مِن أنبياء الإسلام الذين نعرفهم ونعتقدُ بهم؟ هل عندهم كتابٌ ديني مِن طريق الأنبياء؟ هل عندهم شريعةٌ؟
  • هؤلاء هُم أهلُ الكتاب وهذا المعنى ينطبقُ على الطائفةِ الصابئيّة المندائيّة، وسأُبيّن لكم ذلك.. ولكنّني لابُدّ أن أتناول هذا المعنى مِن الكتاب الكريم، ثُمَّ أنتقلُ إلى الأحاديث، ثُمَّ أنتقلُ إلى الواقع.
  • ● قولهِ: {إنَّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن باللهِ واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهُم عند ربّهم..} هذهِ العناوين في أُطُرها العامّة عناوين لديانات سماويّة، عناوين لديانات ترتبطُ بأنبياء، عناوين لديانات عندها كُتُب دينيّة مُقدّسة في نظر كُلّ مجموعةٍ مِن هذهِ المجموعات، هَذهِ الديانات عندها عقائد مُعيّنة، عندها عبادات مُعيّنة، عندها طُقوس مُعيّنة، عندها وعندها وعندها.
  • الصابئون جاء ذِكْرهم في مِثْل هذا السياق، والآيةُ مِثلما حكمتْ على أتباع مُحمّدٍ وعلى اليهود والنصارى حكمتْ على الصابئين بنفس الأحكام، والعطف هو هو.
  • هذهِ الأحكام تجري على الجميع، قَطْعاً بِحَسَب تراتبيّة الرُسُل، وبِحَسَب حُجّية الأديان.. فالآية واضحةٌ في أنَّ الصابئين مِن أهل الكتاب.
  • صحيح أنَّ المشهور انطباق عنوان “أهل الكتاب” على اليهود والنصارى لكثرة عددهم، ولكثرة تواصلهم مع المُسلمين، ولأهمّيتهم السياسيّة والاجتماعيّة، ولتفاعلهم في الحياة اليوميّة.. أمَّا الصابئةُ المندائيّون مِثلما عاشوا ويعيشون على حواشي الأنهار، عاشوا على حواشي الحياة السياسيّة والاجتماعيّة.. أُناسٌ مُسالمون لم يُدخلوا أنفُسهم في الحيص بيص السياسي أو في الحيص بيص الاجتماعي.

  • وقفة عند الآية 69 من سورة المائدة: {إنَّ الَّذين آمنوا والّذين هادوا والصابئون والنصارى مَن آمن باللهِ واليوم الآخر وعَمِلَ صالحاً فلا خَوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون}

  • الكلامُ هو هو.. غايةُ ما في الأمر أنَّ ذِكْرَ الصابئين تقدَّم هُنا على النصارى، وهذا يُؤكّد الكلامَ أكثر مِن أنَّ العطف عطْفٌ تام، والأحكام تنطبقُ على الجميع.. يعني أنَّ الصابئين إذا كانوا بِحَسَب ما يُريد سُبحانهُ وتعالى وبِحَسَب ما يُريد أنبياؤهم وبِحَسَب ما يُريد كتابهم – إذا كانَ صحيحاً كاملاً – تَنطبقُ عليهم هذهِ الأحكام إذا ما آمنوا بالله واليوم الآخر وعَملوا صالحاً فلا خَوفٌ عليهم ولاهُم يحزنون.
  • وأُكرّر أنَّ العلاقة فيما بين الأديان محكومةٌ بهيمنة الكُتُب، وبهيمنة الرُسُل، وبهيمنة حُجّية دينٍ على دينٍ آخر.

  • وقفة عند الآية 17 مِن سُورة الحجّ: {إنَّ الذين آمنوا والّذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والّذين أشركوا إنَّ الله يفصلُ بينهم يوم القيامة إنَّ الله على كلّ شيءٍ شهيد}

  • هُنا أيضاً تقدّم ذِكْرُ الصابئين على النصارى، وواضحٌ أنَّ تقديم ذِكْر الصابئين على النصارى لهُ بُعْدٌ تأريخي.. لأنّنا إذا ما دقّقنا في تفاصيل الأحداث التأريخيّة فإنَّ الصابئين هُم أتباعُ يحيى بن زكريا، ويحيى بن زكريا صار لهُ أتباع قبل أن يظهرَ عيسى بن مُريم مُبلّغاً عن دينهِ بشكلٍ واضحٍ وصريح.
  • أنا لا أُريد أن أقول أنَّ هذا الترتيب في الذِكْر وأنَّ حَرف العطف “الواو” يُشير إلى ذلك.. وإنّما أقول مِن خلال الواقع التأريخي فإنَّ هذا التقديم مقصود ويُشير إلى أنَّ الديانةَ الصابئيّةَ تكوّنتْ تأريخيّاً قبل الديانةِ المسيحيّة.. ربّما تمازجتْ مع الديانة المسيحيّة في بعض الجهات.
  • ● هُناك ثلاثةُ اتّجاهات في الآية 17 مِن سُورة الحجّ:
  • الإتّجاه (1): “الذين آمنوا”.. إنّهم أتباعُ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • الإتّجاه (2): “الذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس”.. هؤلاء هُم أصحابُ الديانات السماويّة التي تكونُ محجُوجَةٌ بدين مُحمّدٍ بِحَسَب ما نعتقدُ نحنُ.
  • الإتّجاه (3): “الذين أشركوا”.. وتحتَ هذا العُنوان تدخلُ مجموعاتٌ كثيرة.. مِن هذهِ المجموعات مُشركو جزيرة العرب، ولكنَّ هذا التعبير ليسَ خاصّاً بمُشركي جزيرة العرب، وإنّما يشملُ المُشركين بكُلّ أشكالهم
  • {إنَّ الله يفصلُ بينهم يوم القيامة} الحديثُ هُنا عن فصْلٍ وعن مُحاكمةٍ يوم القيامة، لأنَّ هذهِ الاتّجاهات اتّجاهات مُختلفة.
  • فهذا الوصف “الصابئين” الذي جاءَ في القُرآن هُو وصْفٌ للصابئةِ المندائيّين.. فهذا الخلافُ فيما بين هذهِ الجهات يُفصْل فيه يوم القيامة.

  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في كتاب [وسائل الشيعة: ج11] للحُرّ العاملي.

  • الباب (49) والذي يحمل عنوان: باب أنَّ الجزية لا تُؤخذ إلّا مِن أهل الكتاب وهُم اليهود والنصارى والمجوس خاصّة. (هذا العُنوان مِن الحُرّ العاملي، مُستنبطٌ مِن الروايات لأنَّ الأسئلة دارتْ حول هذا الموضوع، ولأنَّ السائلين لم يكونوا مُبتلين بالسُؤال عن الصابئةِ المندائيّين الذين يعيشونَ على أطرافِ الواقع وأطرافِ الحياة.
  • ● في صفحة 97 الحديث (3):
  • (عن أبي يحيى الواسطي قال: سُئِل أبو عبد الله “عليه السلام” عن المجوس، فقال: كان لهم نبيٌّ قتلوهُ وكتابٌ أحرقوه…)
  • ● وفي صفحة 98 الحديث (9):
  • (عن عليّ بن الحُسين “عليهم السلام” أنَّ رسول الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” قال: سُنّوا بهم سُنّة أهْل الكتاب.. يعني المجوس).
  • المجوس في سياق الآية 17 مِن سُورة الحجّ جاء ذِكْر المجوس معطوفاً عمّا قبله، فبِحَسَب حديث رسول الله وحديث إمامنا الصادق هُم أهلُ كتاب.. فالشيء المنطقي والطبيعي جدّاً بِحَسَب سياقِ الآيات وبِحَسَب هذهِ الروايات وهي رواياتٌ كثيرةٌ تحدّثتْ عن أنَّ المجوس مِن أهل الكتاب.. فالشيءُ المنطقيُّ والطبيعيُّ جدّاً أنَّ الصابئيّين مِن أهل الكتاب.
  • والآياتُ هذهِ تتحدّث عن الصابئيّين المندائيّين، ولا علاقة لهذه الآيات بالصابئين الذين وصفهم إمامنا الصادق بـ(مُعطّلة العالم) أُولئك الملاحدة، ولكن يُسمّون بالصابئة أيضاً.. ولا علاقة لهذهِ الآيات بالصابئة الذين جاء ذِكْرهم في تفسير القُمّي أنّهم يعبدون الكواكب والنجوم.. الصابئةُ المندائيّون يهتمّونَ بالكواكب والنجوم، كما نحنُ في فِقهنا الجعفري نهتمُّ بالكواكب والنجوم. (وقفة عند مثال لتوضيح هذه النقطة).

  • إذا ما ذَهبنا إلى الواقع على الأرض ودخلنا فيما بين الصابئة المندائيّين، هُم يعتقدون أنَّ دينهم سماويٌّ، وثانياً يعتقدون أنَّ دينهم يمتدُّ إلى زمان أبينا آدم ولكن حينما طال الزمان وحَدَث ما حَدَث مِن التحريف والضلالِ والاضطراب فبعث اللهُ إليهِم نبيّهُ يحيى بن زكريا.. عندهم كتابٌ يُعيدونه إلى أبينا آدم، وهو ما يُصطلحُ عليه في أحاديثنا “صُحُف آدم”، وعندهم كتابٌ سماويٌّ ديني يعودُ إلى النبيّ يحيى بن زكريا وهو كتاب التعاليم عندهم.

  • ● كتابهم (الكنزا ربّا) وهو كتابٌ بالّلغةِ المندائيّة، وبِحَسَب اعتقادهم إنّها لُغةُ أبينا آدم، فهذا الكتاب هو كتابُ أبينا آدم في عقيدتهم.. لهُ أكثرُ مِن ترجمة، ولكن هُناك ترجمةٌ مُعاصرةٌ ومُؤيّدةٌ مِن كبار رجال دينهم، فهي ترجمةٌ عربيّةٌ مُوثّقةٌ مِن الجهة الشرعيّة في دينهم.
  • كتابُ (الكنزا ربّا) يتألّفُ مِن كتابين، أو مِن جناحين، أو مِن قسمين.. الكتابُ اليمين والكتابُ اليسار.. (الكنزا ربّا) تعني الكنز العظيم، وهو كتابهم المُقدّس.
  • (وقفة أقرأ لكم فيها مقاطع مُختلفة مِن هذا الكتاب تُعطيكم صُورةً عن واقعِ عقائدهم وعن واقع مضمونهم ودينهم).
  • هذا تطبيقٌ عمليٌّ يُخبرنا أنّ هُناك ديناً سماويّاً عندهم، هُم يعتقدون به.. ويُؤمنون بالأنبياء، نبيّهم الأوّل آدم، ونبيّهم الذي يأخذون بتعاليمهِ وتشريعاته هُو يحيى بن زكيا، عندهم كتابٌ مُقدّسٌ ينتمي إلى أبينا آدم، وكتابٌ مُقدّسٌ ينتمي إلى النبيّ يحيى بن زكريا، يُؤمنون بوحدانيّةِ الله ويعبدونهُ ولا يعبدون الكواكب والنجوم، عندهم شرعةٌ وطقوسٌ وعبادات، ولاحظتم أنَّ الكثير مِن كلامهم يتّفقُ مع المنطق والعقل، ويتّفقُ مع سائر الدياناتِ، ويُشابه كثيراً ممّا في ديننا، ويُشابه كثيراً مِن كلماتِ نبيّنا وأئمتنا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين”.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٥١ – تتمّةٌ عنوانها: نقاطٌ مُهمّة ج١

يازهراء …