قتلوك يا فاطمة – الحلقة ٢٦ – معجزة الشمس في بابل

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 4 جمادى الأخرى 1440هـ الموافق 10 / 2 / 2019م

  • في هذهِ الحلقة سأُجيبُ على سُؤالٍ مِن بين أسئلةٍ وردتْ عليَّ وقُدّمتْ إليَّ حينما كُنتُ أعقدُ ندواتٍ مفتوحةٍ في موكب شيعة عليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في مدينة أسن في ألمانيا.

  • الأسئلةُ التي أختارها عادةً هي الأسئلةُ الشائكة التي قد يصعبُ الإجابةُ عليها في أغلب الأحيان ولا يجد السائلون جواباً عليها، أو أنّني أختارُ بعضاً مِن الأسئلة تكون الإجابة عليها عميقةً، فكثيرون يحملون هذا السُؤال بين طيّاتِ أنفُسهم.. فقد وردتني أسئلةٌ عديدةٌ في أجواءِ موضوع هذا السُؤال.
  • السُؤال: يُوجدُ في بعض الروايات إشارةٌ إلى أنَّ صلاةَ الظُهْر مُنفصلةٌ عن العَصْر ووقتُها قبل المغرب، فلو حملنا بعض هذهِ الروايات على التقيّة، فالبعضُ الآخر كحديثِ مردّ الشمس عندما صلّى الأمير “عليه السلام” الظُهر في بُراثا (بغداد الحاليّة) ولم يُصلِّ العَصْر بها حتّى وافى بابل بالأرض المخسوف بها ولم يُصلِّ العَصْر بها… إلخ) لا يُحمَل على التقيّة، لأنَّهُ لو كان في حال التقيّة لصلّى في تلكَ الأرض معهم؟
  • السُؤال هو: لماذا الأميرُ لم يجمعْ بين صلاةِ الظُهْر وصلاةِ العَصْر..؟!
  • في جوابي على هذا السُؤال، أقول:
  • إذا أردتَ مِنّي الجواب على نحو الحقيقةِ الكاملة إنّني لا أعلمُ ذلك، ولكنّني سأُجيبُ إجابةً بنحو المُقاربة، وحينما أقولُ إنّها إجابةٌ بنحو المُقاربة يعني مُعطياتٌ حينما تُرصَفُ بشكلٍ صحيح ستخرجُ النهايةُ مِن بينها.. فقد تكونُ في المُحصّلةِ النهائيّة قريبةً مِن الحقيقةِ أو أنّها تدورُ في فلكها.. فمثلما قُلتُ قبل قليل: إنّني لا أستطيعُ أن أقول أنَّ السبب هو كذا وكذا بشكلٍ قطعي.
  • ولكنّني سأضعُ مجموعةً مِن المُعطياتِ بين يدي السائل وبين أيديكم جميعاً إذا كُنتم مُهتمّين لهذا السُؤال وللجواب الذي سأطرحهُ في هذهِ الحلقة.

  • سأجعلُ كلامي في عدّة جهات:

  • الجهة (1): النبيّ “صلَّى اللهُ عليه وآلهِ” حين شرّع الصلوات (أعني الصلوات المفروضة التي تُصلّى بعُنوان الوجوب في كُلّ يوم، ابتداءً مِن صلاة الفجر وانتهاءً بصلاة العشاء) فحينما شرّع النبيُّ الأعظم “صلَّى اللهُ عليه وآلهِ” هذهِ الصلوات في عَصْر التنزيل الذي هُو عَصْره، والذي بقي مُستمرّاً إلى زمانِ بيعة الغدير حيثُ بدأتْ الإرهاصاتُ الأولى لعَصْر التأويل.
  • كانتْ الصلواتُ كُلُّ صلاةٍ لها وقتُها، فصلاةُ الظُهْر تُؤدّى لحالها، وبعد ذلك يأتي وقتٌ خاصٌّ لأداءِ صلاة العَصْر وهكذا المغرب وهكذا العشاء.. وهذهِ القضيّةُ واضحةٌ لها تأثيرٌ تربويٌّ وتأثيرٌ تنظيميٌّ في حياة ذلكَ المُجتمع الفوضوي.
  • فالصلواتُ بهذهِ الكيفيّة تُعلّم المُسلمين الانضباط الزماني، وتُعلّم المُسلمين كيف يُقسّمون أوقاتهم، وتُعلّم المُسلمين كيف يضعون كُلَّ عَمَلٍ في وقتهِ المُناسب له.. هكذا هو المُفترض.. قطعاً هُناك مَن انتفع مِن هذا وهُناك مَن لم ينتفعْ، وتلك طبيعة البشر.. هذا الأثر التنظيمي.
  • — أمَّا الأثرُ التربوي فلربّما أشارتْ إليهِ بعض الأحاديث، حينما يُحدّثنا رسولُ اللهِ “صلّى اللهُ عليه وآله” مِن أنَّ المُسلم الذي يُصلّي هذهِ الصلوات في أوقاتها التي وضعها “صلّى اللهُ عليه وآله” فهو كرجلٍ يَجري نهْرٌ ببابِ بيتهِ.. في كُلّ يومٍ يغسلُ دَرَنهُ وأوساخه خمْس مرّات.. فهل يبقى عليه مِن دَرَن؟!
  • فهذهُ الصلواتُ بمثابةِ استحمامٍ معنوي، بمثابةِ صناعةِ برنامجٍ لتطهير النفس مِن ذُنوبها وسيّئاتها ولأجل الاستغفار.. فإنَّ العبد إذا أذنبَ وأسرعَ في الاستغفار بعد ارتكابهِ الذنب يُغفَر ذنبه.. هذهِ الصُورة الإجماليّة للموضوع، وهذا التنظيمُ كان بنحو البيان التدريجي الذي يتناسبُ مع مرحلةِ التنزيل، وإلّا فإنّنا إذا رجعنا إلى الكتاب الكريم فإنَّ الكتاب الكريم يتحدّثُ عن ثلاثةِ أوقات، ولم يتحدّث عن خمسةِ أوقات.. فأوقاتُ العبادةِ المُفترضة ثلاثة وسأُبيّنها لكم مِن الكتاب الكريم، وهذا يعني أنَّ جَمْعاً سيكونُ بين صلاة الظُهر والعَصْر وأنَّ جَمْعاً سيكون بين صلاةِ المغرب والعشاء.. وهو الذي يتماشى مع تعقيد حياة الإنسان.
  • لا أُريدُ الوقوف عند هذه النُقطة كثيراً، لكنّني أردتُ أن أُبيّن أنَّ النبيَّ “صلَّى اللهُ عليه وآله” وضعَ هذا التنظيمَ الزمانيَّ للصلوات المفروضةِ لهاتين الغايتين:
  • — لتعليم المُسلمين على الانضباط الزماني، على أن يُنظّموا أوقاتهم ويعرفوا قيمةَ الزمن.
  • — والغاية الثانية ما في الصلاة مِن البُعْد التطهيري، مِن البُعْد المعنوي، مِن البُعد الرُوحي.
  • ومع ذلك فإنَّ النبيّ “صلّى اللهُ عليه وآله” كان يجمعُ بين الصلوات، وهذا الأمرُ مُبيّنٌ في أحاديثنا وفي أحاديث المُخالفين لأهل البيت.. فهُناك مِن الأحاديث التي تُخبرنا أنَّ النبيَّ “صلّى اللهُ عليه وآله” جمَعَ بين صلاةِ الظُهْر والعَصْر، وبين صلاةِ المغرب والعشاء لِعلّةٍ مِن العلل.. في السَفَر مثلاً، في الحرب مَثَلاً، أو بسبب المطر الغزير، أو بسبب البرد.. هُناك عِلّةٌ مُعيّنةٌ تطرأُ في واقع الحياة اليوميّة، فلأجلها النبيُّ “صلّى اللهُ عليه وآله” رأفة بالناسِ، شفقةً عليهم، اختصاراً للوقت، لطلب راحتهم يجمعُ بين الصلوات.. وهذا وردَ في كُتُب السُنّةِ وفي كُتُب الشيعة مِن أنَّ النبيّ جمع بين الصلواتِ لعلّةٍ.. وورد أيضاً في كُتُب السُنّة وفي كُتبِ الشيعة أنَّ النبيَّ “صلّى اللهُ عليه وآله” جمع بين الصلواتِ مِن دُون علّة..!
  • الخلاصةُ هي:
  • في بداية التشريع لأجل تربيةِ المُسلمين على احترامِ الوقتِ والانضباط الزماني، ولِما في ذلك مِن أثرٍ رُوحيٍّ ومعنوي، ولأنَّ الحياةَ كانتْ بنحوٍ بسيط، لا كما تعقدّتْ بعد ذلك شيئاً فشيئاً حتّى وصلنا إلى زماننا هذا.. فكانت أوقاتٌ خمسة، ولكن في نفس الوقت وفي نفس المرحلة (مرحلة التنزيل) كان النبيُّ “صلّى اللهُ عليه وآله” يجمعُ بين الصلوات لعلّةٍ ولغير علّةٍ أيضاً.. وهذه المضامين وردتْ في كُتُب القوم وفي كُتبنا أيضاً.
  • تلكَ مرحلةُ التنزيل، والدينُ في مرحلةِ التنزيل طُويتْ صفحته.. هكذا أراد “صلّى اللهُ عليه وآله” ولِذا قال لعليٍّ:
  • (ستُقاتلهم على التأويل كما قاتلتُهم على التنزيل).
  • بوّابةُ مرحلةِ التأويل فُتحتْ يوم غدير خُم، ولِذا في يومِ غدير خُمّ جَمَع بين صلاةِ الظُهْر والعَصْر وجمَعَ بين صلاةِ المغرب والعشاء.. لأنّنا إذا أردنا أن نفترضَ جَمْعهُ بين صلاةِ الظُهْر والعصْر باعتبار أنَّ مَراسيم البيعةِ تحتاجُ لوقتٍ ولابُدَّ مِن اختصارِ المطالب والمسائل الأُخرى كي تتمّ مراسم ومناسك بيعة الغدير. وبقي الناس يُبايعونَ رسول الله ويُبايعون أمير المؤمنين، لكن حينَ وصلَ الوقتُ إلى صلاةِ المغرب والعِشاء كانتْ هُناك فُسْحة لأن تُصلّى صلاةُ المغرب على حدة ثُمَّ تُؤدّى صلاةُ العشاء على حدة، يتبيّنُ هذا مِن القرائن والتفاصيل، وعلى أيّ حالٍ فإنَّ النبيّ يوم غدير خم جمَعَ بين صلاةِ الظُهرين وصلاةِ العشائين.

  • وقفة عند ما جاء في كتاب [إقبال الأعمال] للسيّد ابن طاووس.

  • جاءَ في تفاصيل بيعةِ الغدير: (وتداكّوا – أي تدافعوا بإزدحامٍ والتصاقِ بعضهم بالبعض الآخر – على رسول الله وعليٍّ بأيديهم، إلى أن صُليّتْ الظُهْر والعَصْر في وقتٍ واحد، وباقي ذلك اليوم إلى أن صُليّت العشاءان في وقتٍ واحد أيضاً..)
  • فمِن ذلكَ اليوم كان الجَمْعُ بين صلاةِ الظُهْر والعَصْر وبينَ صلاةِ المغرب والعشاء بشكلٍ واضح.
  • أنا هُنا لا أُريد أن أُثبتَ هذا الأمر أو أن أُغطّي كُلَّ المسألةِ بتفاصيلها، فإنَّ الحديثَ سيحتاجُ إلى وقتٍ طويل، ولابُدَّ أن آتي بالعديد مِن المصادر للخوضِ في هذه المسألة.. إنّما أردتُ أن أستعرض بعض المُعطيات التي تلفُّ المسألة.
  • وأنتم تعلمون أنَّ ما بين بيعةِ الغدير وشهادةِ النبيّ الأعظم “صلّى اللهُ عليه وآله” مُدّةٌ يسيرة، وبعضُ المُدّةِ كان النبيّ مريضاً، بالكادِ يَخرجُ للصلاةِ في الأيّام القريبةِ مِن شهادته قتيلاً مَسموماً “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • فما بين الغَدير إلى شهادتهِ كانتْ الصلواتُ تُجمَع، فصلاةُ الظُهْر تُجمَعُ مع العَصْر وصلاةُ المغربُ تُجمَعُ مع العشاء.. والرواياتُ التي تحدَّثتْ عن أنَّ رسولَ الله “صلّى اللهُ عليه وآله” جمَعَ بين هذهِ الصلوات مِن دُون عِلّة تتحدّثُ عن هذهِ المرحلة.. مع أنّهُ جمع بين الصلواتِ مِن دُون عِلّةٍ قبل بيعةِ الغدير ولكن كانَ ذلك في أوقات مُختلفة، وهو يُريد أن يُمهّد بذلك ما سيقومُ بهِ في يوم الغدير وما بعد يوم الغدير.
  • فمواقيتُ الصلواتِ في بدايةِ التشريعِ في عصْر التنزيل كانت كُلُّ صلاةٍ لها وقتُها وتُؤدّى على حدة، فصلاةُ الظُهْر تُؤدّى على حِدة وصلاةُ العصْر وهكذا بقيّةُ الصلوات.. ومع ذلك فإنَّ النبيَّ الخاتم كانَ يجمعُ بين تلك الصلوات لِعلّةٍ في بعض الأحيان ولِغير عِلّةٍ في أحيانٍ أُخرى، إلى أن فُتحتْ بوّابةُ عصْر التأويل وبدأ الجمْعُ مُنذ بيعةِ الغدير.. ولكنَّ القومَ ما إنْ استُشهِدَ النبيُّ الأعظم وركضوا إلى السقيفةِ المشؤومة أرادوا أن يُنسوا الناس كُلَّ شيءٍ يرتبطُ ببيعةِ الغدير، فرجعوا إلى سابق عهدهم، ولم يكنْ هذا الأمرُ قد انتشر انتشاراً واسعاً خارجَ المدينةِ عند المُسلمين في مناطق الجزيرةِ العربيّةِ أو في أيِّ كانٍ آخر وصل الإسلامُ إليه.. الفترةُ محدودةٌ كانتْ، والقمعُ شديدٌ.. هُم أرادوا أن يُنسوا الناس كُلَّ شيء.. إلى الحدّ الذي قتلوا فاطمة..! فما قيمةُ أوقاتِ الصلوات؟! فرجعوا إلى سابق عهدهم، وحرّفوا في الأذانِ، وحرّفوا في القراءة، وحرّفوا في الصلوات، وحرّفوا في أوقاتها، وحرّفوا في كُلّ شيء..! وهذا الكلامُ لستُ أنا الذي أقولهُ، وإنّما كُتُبهم هي التي تشهدُ بذلك.

  • وقفة عند كتاب [صحيح البُخاري] كتاب مواقيت الصلاة – الباب (7): باب تضييع الصلاة عن وقتها.. رقم الحديث (529)

  • (بسنده عن أنس، قال: ما أعرفُ شيئاً ممّا كان على عهْد النبيّ. قِيل: الصلاة..! قال: أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها..)
  • كُلُّ شيءٍ تغيّر، كُلُّ شيءٍ حرّفوه..! أنس كان خادماً في بيت النبيّ، وعاش إلى زمان مُعاوية، ولم يكنْ أنس مِن شيعة أهل البيت، وإنّما كان مُعادياً لأمير المؤمنين، وحينما طَلَب أميرُ المؤمنين شهادتهُ على بيعةِ الغدير حينما كان أميرُ المؤمنين خليفةً في الكوفة قال: إنّني نسيت..! فقال لهُ أميرُ المؤمنين أصابكَ اللهُ بواضحةٍ لا تُستَر.. وأُصيبَ بعدها مُباشرةً ببرصٍ قبيحٍ في وجهه، وحينما كان يُسألُ عن ذلك كان يقول: (هذه دعوةُ العبد الصالح) ولا يذكرُ اسْم الأمير إلّا إذا استفسروا منه.
  • فأنسُ بن مالك هذا لم يتحدّثْ عن تضييع وقتِ الصلاة، هذا الإفتراء، إفتراء مِن قِبَل البُخاري.. البُخاري هو الذي جاءَ بهذا الحديث ووضعهُ تحت هذا العنوان! أنس لم يقلْ لقد ضيّعتم وقت الصلاة، وإنّما قال: أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها..!
  • ● حديث آخر أيضاً في [صحيح البُخاري] وهو الحديث 530:
  • (بسندهِ عن الزُهري، يقول: دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهُو يبكي، فقُلتُ: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرفُ شيئاً مِمَّا أدركتُ إلَّا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضُيِّعت)
  • الأحاديث واضحة في تضييع الصلاةِ كُلّها.. البُخاري جاء بها ووضعها تحت هذا العُنوان: “باب تضييع الصلاة عن وقتها” ولا شأن لي بالبُخاري ملك التدليس والتحريف.. الأحاديث واضحة ولم يستطعْ البُخاري أن يعلسها أو أن يُقطّعها..
  • فهذا أنس وهو مِن رُموز المُخالفين للعترة الطاهرة يتحدّث عن تحريف كُلّ شيء..!
  • ● أيضاً في نفس كتاب [البُخاري] كتابُ الأذان – الباب (115 – 116) باب إتمامُ التكبير في الركوع.
  • (عن مُطرّف عن عمران بن حصين قال: صلّى مع عليٍّ “رضي الله عنه” بالبصرة، فقال: ذكّرنا هذا الرجل صلاةً كُنّا نُصلّيها مع رسول الله، فذكر أنّهُ كان يُكبّر كُلّما رفعَ وكلّما وضع).
  • — قولهِ: (فذكر أنّهُ كان يُكبّر كُلّما رفعَ وكلّما وضع) واضح أنَّ هذهِ العبارة مُلحقةٌ تدليساً.. لأنَّ الكلام الأوّل يُشير إلى أنَّ الصلاة التي كان يُصلّيها عمران بن حُصين مع السابقين لا تشبهُ هذهِ الصلاة.. فأضافوا هذهِ الجُملة كي تشرح كلام حُصين لتحريف المعنى.
  • ● حديث آخر: (عن مُطرّف بن عبد الله، قال: صلّيتُ خلف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهُ أنا وعُمران بن حصين فكان إذا سَجَد كبّر وإذا رفَعَ رأسهُ كبّر وإذا نهَضَ مِن الركعتين كبَّر، فلمَّا قضى الصلاة أخذَ بيدي عمران بن حصين فقال: قد ذكّرني هذا صلاةَ مُحمَّد، أو قال: لقد صلَّى بنا صلاةَ محمّد)
  • هذهِ الأحاديث هي مِن بقايا جريمة التغيير والتحريف، فالأمرُ لا يقفُ عند هذا المضمون.. هذهِ الأحاديث بقايا مِن جريمة التحريف والتبديل الذي حَدَث بعْد قتْل رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • — في سُورة الإسراء الآيتان 78، 79 قولهِ تعالى: {أقم الصلاةَ لدلوكِ الشمس إلى غَسَق الّليل وقُران الفجر إنَّ قُران الفجر كان مشهودا* ومِن الّليل فتهجّد بهِ نافلةً لكَ عسى أن يبعثكَ ربُّكَ مقاماً محمودا}
  • الحديثُ في الآية 78 عن الصلاةِ المفروضةِ الواجبةِ وعن أوقاتٍ ثلاثة.. قولهِ: {لدلوكِ الشمس} في رواياتنا الدلوك هو وقتُ الزوال، وقتُ صلاةِ الظُهرين.. وقولهِ: {إلى غَسَق الّليل} الغَسَقُ اختلفَ الّلغويّون في معناه، الغَسَقُ بدايةُ الظلام، اشتدادُ الظلام.. الغَسَقُ في أحاديثنا مُنتصف الّليل.
  • فالمعنى الإجمالي للآية 78 هو أنَّ هُناك أوقاتٌ ثلاثة للصلواتِ الواجبة.
  • وأمَّا الآية 79 تُحدّثنا عن وقتِ نافلةِ الّليل.. فهاتان الآيتان تتحدّثنا عن كُلّ أوقاتِ الصلاة، باعتبار أنَّ نوافل النهار يرتبطُ وقتها مع صلوات النهار، وحتّى مع صلاةِ المغرب والعشاء.. فحين نتحدّث عن صلاة الفجْر فإنَّ وقتَ نافلة الفجْر يرتبطُ بوقت صلاة الفجر، وهكذا ما يرتبطُ بصلاةِ الظُهرين وبصلاةِ العشائين.
  • فالنوافلُ هذهِ مندوبةٌ مُستحبّةٌ أوقاتُها تكونُ مُلازمةً لأوقاتِ الصلواتِ المفروضة.. أمَّا نافلة الّليل فلأنّها مندوبةٌ مُستحبّةٌ لها وقتُها الخاصّ، لذا جاءتْ الآيةُ 79 لتُشخّص وقتها {ومِن الّليل فتهجّد بهِ نافلةً لكَ عسى أن يبعثكَ ربُّكَ مقاماً محمودا}
  • فهاتان الآيتان تُشخّصان أوقاتَ الصلواتِ المفروضة، وأوقاتَ نافلةَ الّليل.
  • — ففي مرحلةِ الدلوك هُناك جمعٌ بين صلاة الظهرين، وفي مرحلةِ الغَسَق مُنذُ بداياتهِ هُناك جمْعٌ بين صلاة المغرب والعشاء، ويأتي الفجر وهُنا صلاةُ الفجر تكونُ مُفردةً.. فالآيةُ واضحةٌ، والآية التي بعدها قرينةٌ صريحةٌ على أنَّ الأوقات التي تجِبُ فيها الصلاة هي هذه.
  • فما كان في يومِ الغدير هُو انطباقٌ كامل لما هُو في الكتاب الكريم، وما كان قبل يوم الغدير كان بياناً تدريجيّاً في مرحلةِ التنزيلِ يتناسبُ مع ذلك العَصْر.. ولكنَّ السقيفةَ عبثتْ بالدين كُلّه، وهذهِ كُتُبهم تُشيرُ إلى ذلك.
  • فهذا أنسُ بن ملك مِن رُموزهم يتحدّث عن تضييع الأُمّة للصلاةِ ولكُلّ أمرٍ.. وها هُم الصحابةُ حين صلّوا مع عليٍّ في البصرة يقولون: (لقد ذكّرنا هذا الرجل صلاةً كُنّا نُصلّيها مع رسول الله)..!
  • هذهِ بقايا مِن وثائق الجريمة الكُبرى، إنّها جريمةُ التغيير والتبديل والتحريف الذي حَدَث بعد رسول الله “صلّى الله عليه وآله”، وقد أشار البُخاري نفسهُ إلى ذلك في الأحاديث التي أوردها في باب الحوض، فيقول أنَّ أكثر الصحابة ارتدّوا بعد رسول الله ورجعوا القهقرى، وأنَّ أكثر الصحابة إلى النار، ولا ينجو منهم إلّا مِثْل همل النعم..!
  • — أعودُ إلى سُورة الإسراء.. الآيتان واضحتان في تحديدِ الأوقات المفروضة والمندوبة للصلاةِ.
  • {أقم الصلاةَ لدلوكِ الشمس إلى غَسَق الّليل وقُران الفجر إنَّ قُران الفجر كان مشهودا} هذهِ أوقاتٌ ثلاثة للصلواتِ المفروضة.. وقولهِ: {ومِن الّليل فتهجّد بهِ نافلةً لكَ عسى أن يبعثكَ ربُّكَ مقاماً محمودا} هذا وقتُ نافلةِ الّليل.. أمَّا نوافلُ الصلواتِ المفروضة فوقتها ملاصقٌ لوقتِ الصلواتِ المفروضة كما مرّ.
  • وقفة عند كتاب [وسائل الشيعة: ج3] للحرّ العاملي. الباب (4) باب أنّهُ إذا زالتْ الشمس فقد دخلَ وقت الظُهْر والعصْر ويمتدُّ إلى غُروب الشمس، وتَختصُّ الظُهْر مِن أوّلهِ بمِقدار أدائها وكذا العَصْر مِن آخره.
  • الحديث الأوّل: (عن أبي جعفر ” الباقر عليه السلام” قال: إذا زالتْ الشمس دخل الوقتان الظُهر والعَصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة).
  • ● الحديث (5) صفحة 92: (عن عبيد بن زرارة قال: سألتُ أبا عبد الله “عليه السلام” عن وقت الظُهر والعصر، فقال: إذا زالتْ الشمس فقد دخل وقتُ الظُهر والعَصر جميعاً، إلّا أنَّ هذهِ قبل هذه، ثمَّ أنتَ في وقت منهما جميعاً حتّى تغيب الشمس).
  • فالصلواتُ في عَصْر التنزيل كان لكُلِّ صلاةٍ وقت تُؤدّى على حدة، وفي نفس تلك الفترة كان النبيُّ يجمعُ لِعلّةٍ وفي بعض الأحيان يجمعُ لِغَير عِلّةٍ حتّى حان وقتُ الغدير.. ومِن وقت الغدير بدأ الجَمْعُ مِن غدير خُمّ إلى شهادةِ النبيّ الأعظم “صلّى اللهُ عليه وآله”.. وحَدَث التحريفُ والتغييرُ والتبديلُ بعد مقتل النبيّ “صلّى الله عليه وآله” مسموماً.
  • النبيُّ “صلَّى اللهُ عليه وآله” جمع بين الصلواتِ وجَعَلها منْهجاً ثابتاً مُنذ يوم الغدير أراد أن يُبقي هذا الدليل بيد المُسلمين كي يتذكّروا أنّهم حينما بايعوا عليّاً في الغدير بدأ تطبيقُ هذا التشريع بشكلٍ واضحٍ وصريح.. لذا أصرّتْ السقيفةُ على جعْل كُلّ صلاةٍ في وقتها..! كان إصراراً شديداً لأجل أن يُنسوا المُسلمين ما جرى في يوم الغدير..!
  • وما كلامُ أنس بن مالك في البُخاري إلّا مِن بقايا آثارِ تلكَ الجريمةِ الكُبرى.. وإذا ما قرأنا قُنوتَ أميرِ المعروف بـ(دعاء صنمي قُريش) وتدبّرنا في عباراتهِ وجُمَلهِ سنجد هذهِ المعاني واضحة وجليّة جدّاً.
  • إلى هُنا تمَّ الكلامُ في الجهةِ الأولى مِن جهات حديثي في هذهِ الحلقة.
  • الجهة (2) مِن جهاتِ حديثي:
  • أقول: أنَّ أميرَ المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في أيّامِ خلافتهِ لم يستطعْ أن يُغيّر كُلَّ الأمور، بقيتْ ما بقيتْ مِن آثارهم خُصوصاً أنَّ مُدَّةَ خلافتهِ كانتْ قصيرةً، ونحنُ إذا ما أردنا أن نتبصَّر بدقةٍ هل كانتْ خلافةُ أمير المؤمنين تطبيقاً لبيعة الغدير؟ أبداً.. لم يكنْ مشروعُ أميرِ المؤمنين تطبيقاً لبيعة الغدير.. ولِذا في مُحاججاتهِ مع مُعاوية مِن أنَّ القومَ الذينَ بايعوا أبا بكرٍ وعُمَر بايعوني.. والذين بايعوا أميرَ المؤمنين بايعوهُ خليفةً رابعاً بعد عثمان.. أصْلاً هُم ببيعتهم هذهِ ارتكبوا آثاماً فوق الآثام، لأنّهم إنْ كانوا غافلين عن بيعةِ الغدير فإنّهم ببيعتهم هذهِ نقضوا بيعة الغدير.. نقضوها نقضاً مًبرماً..!
  • أنا لا أُريدُ أن أُناقش هذا المطلب، ولكن إذا ما عُدنا إلى كلماتِ سيّد الأوصياء وإلى خُطَبهِ خُصوصاً التي رواها الشيخ الكليني في كتاب الروضة من كُتُب الكافي الشريف مِن خُطَب أمير المؤمنين، إذا ما دقّقنا النظر فيها فإنَّ هذهِ الحقائق وحقائق أُخرى كثيرة تتجلّى واضحةً في كلماته وأحاديثه “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. أميرُ المؤمنين أرادَ أن يُخْرجَ الأمر مِن المدينة فذهب باتّجاه العراق، أرادَ أن يفتحَ باباً جديداً، أرادَ أن يتعاملَ مع مُجتمعٍ جديد، وأرادَ أن يُثبتَ أنَّ سيرة الذين تقدّموا كانتْ ضلالاً.. وهذا واضحٌ إذا ما قرأنا عهدهُ لمالك الأشتر، إذا ما قرأنا كُتُبه ورسائله التي كان يُوجّهها إلى وُلاتهِ وعُمّاله.
  • وأنا هُنا لستُ بصدد الحديثِ عن تأريخ أمير المؤمنين أيّامَ خلافته، ولكن بالجملة أقول: أنَّ الأمير “صلواتُ الله وسلامه عليه” لم يستطعْ أن يُغيّر كُلّ شيء.. أرادَ أن يُثبتَ أشياء، أرادَ أن يُؤسّس لأشياء، أرادَ أن يفتحَ أبواباً جديدة، أرادَ أن يُؤسّس قاعدةً للإيمان خارجَ المدينة.. تلكَ المدينةُ التي قُتِل فيها رسول الله، وقُتِلتْ فيها فاطمة.. وحاولوا مِراراً أن يقتلوا عليّاَ..!
  • أرادَ أن يخرجَ مِن ذلكَ الواقع السيّئ الذي حُرّفَ فيه كُلُّ شيء..! فأراد أن يُؤسّس لشرعيّةٍ جديدةٍ، وأرادَ أن يفتحَ باباً ومِن هذا الباب تُفتَح أبواب تُوصِلُ الذين يُريدونَ أن يصلوا إلى الحقيقة.
  • فثارَ المشروعُ الإبليسيُّ بكُلّ الاتّجاهات..! عائشةُ مِن جهة، معاويةٌ مِن جهةٍ أُخرى، الخوارجُ مِن جهةٍ ثالثة، المُنافقونَ في وسط جيشهِ وفي الكوفةِ، في جميع الاتّجاهات..! هذا الموضوع موضوعٌ واسع ومُطّردٌ جدّاً.
  • أميرُ المؤمنين أرادَ أن يُغيّر البدعةَ العُمريّة “صلاةَ التراويح”، ولكنَّ الناس ضَجَّتْ: “وا سُنّة عُمراه..” فتركهم! فكانَ الأميرُ عليه السلام في بعض الأحيان يجمعُ في صلواتهِ وفي أحيانٍ أُخرى لا يجمعُ بين الصلوات.. مثلما أنّهُ لم يرد فدك على ورثةِ فاطمة، وبقيتْ بعيداً عن مُتناول أيديهم، ومثلما ومثلما.
  • فبقي المُسلمون أيّامَ خلافةَ الأمير يُصلّون على نفس الطريقةِ التي شرَّعتْها السقيفةُ بعد شهادةِ النبيّ الأعظم “صلّى الله عليه وآله” حيث رجعتْ القهقرى..! وجُزءٌ مِن معنى القهقرى هو أنّهم رجعوا إلى مرحلةِ التنزيل، وقاتلوا عليّاً على التأويل، وقاتلهم عليٌّ على التأويل.. هذا هو معنى رجوعهم “القهقرى”.
  • صحيحٌ أنّهم رجعوا إلى جاهليّتهم وذلك مُستوىً آخر مِن القهقرى، ولكنَّ الرجوعَ إلى الجاهليّةِ يكونُ واضحاً عند الجميع، لأنَّ الجميعَ يعرفون شُؤون الجاهليّةِ آنذاك.. أمَّا هذا الخُداع أن تركوا ما قام بهِ النبيُّ مُنذُ يوم الغدير إلى أن استُشهِد ورجعوا إلى الأيّامِ السابقة وهي سنون اعتاد المُسلمون عليها، واستطاعوا أن يُثيروا الغُبار حول ذلك، وسَلَبوا الخلافةَ مِن عليٍّ وقتلوا فاطمة وجرى الذي جرى.. ثُمَّ ذَهَب المُسلمونَ في حُروبٍ وانشغلوا بتلكَ الحُروب وجَمْعِ الأموال والمليارات.. وكُتُب التأريخ تُحدّثنا عن المفاسد التي ارتكبتها جيوشُ المُسلمين في البلاد التي يقولون أنّهم فتحوها..!
  • — ومن هُنا فإنَّ الحُكْم الأصل بِحَسَب بيعة الغدير، بِحَسَب آياتِ الكتاب الكريم، بِحَسَب حديث العترة الطاهرة الحُكْم الأصل هو الجَمْعُ بين الصلوات.. ولكن بسبب التحريف والالتباس والخَلْط وبسبب التقيّةِ يظهرُ مِن الروايات أنّهُ يجوزُ الجمْعُ ويجوزُ التفريق، ولأنّنا لازلنا في عصْر التقيّة – فإنَّ التقيّة لم تُلغَ – صحيحٌ أنَّ التقيّةَ صارتْ مُخفَّفةً إلى حدٍّ بعيد مُنذ بداياتِ عَصْر الغَيبة الكُبرى، ولكنّنا لازلنا في عَصْر التقيّة.. هناك تقيّةٌ عامّة نحنُ نعيشُ فيها فنحنُ لم نخرج من عصْر التقيّة.. الخروجُ مِن عصْر التقيّةِ يكونُ بظُهور إمامِ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. وهناك تقيّةٌ تكون بحَسَب الزمان والمكان والظُروف الموضوعيّة والمُلابساتِ التي تُحيطُ بهذا الشخص أو بتلكَ المجموعة أو بهذا المُجتمعِ أو بذاك الشعب، وهكذا.. المسائلُ مُتشابكةٌ مُتداخلة.. لا أستطيعُ أن أخوضَ في كُلّ التفاصيل.
  • حديثي عن أمير المؤمنين، فكانَ أميرُ المؤمنين يجمعُ بين الصلواتِ في بعض الأحيان ويُفرّق في أحيان أُخرى.. إنّما أوردتُ كُلَّ ذلك حتى تتكوّن عندنا مُعطيات نستطيعُ أن نرسمَ صُورةً مُقاربةً للواقعِ الذي كانَ قريباً مِن سيّد الأوصياء.. السُؤال في طيّاتِ حديثهِ أشار إلى واقعةِ ردّ الشمس، والشمس رُدّت لأمير المؤمنين أكثر من مرَّة، وليسَ الحديثُ عن هذا الموضوع.. لكنّني سأتحدّثُ عن ردّ الشمسِ الذي يرتبطُ بسُؤال السائل.
  • — ما عندنا من التفاصيل مُرتبكٌ ومُضطربٌ بخُصوصِ صلاةِ الأميرِ أو عدم صلاتهِ والتي ارتبطتْ بحادثةِ ردّ الشمس.. هُناك رواياتٌ تحدّثتْ عن أرضٍ سَبِخَة وما أرادَ الإمامُ أن يُصلّيَ العَصْر فيها.
  • هُناك رواياتٌ تَحدَّثتْ عن أرضٍ نزل فيها عذاب، ويُمكن أن تكون الأرض التي نزل فيها العذاب هي سَبِخةٌ في نفس الوقت.. الأرضُ السَبِخَة هي التي ذهبَ ما ذهبَ مِن قُدرتها على أن تكونَ أرضاً خصيبة.. إنّها الأرضُ السوداءُ التي ظهر مِلْحُها وظهرتْ آثارُ جدبها وما هي بأرضٍ طيّبة.. تلكَ هي الأرضُ السَبِخة، إنّها الأرضُ الخبيثة.
  • فهُناك رواياتٌ تحدّثتْ عن وصف تلك الأرض التي لم يُصلِّ فيها سيّد الأوصياء وأنّها أرضٌ سَبِخة، ورواياتٌ تحدّثتْ عن أنّها أرْضٌ حلَّ فيها عذابٌ بأُممٍ سابقة، رواياتٌ تحدّثتْ عن أنَّ أميرَ المؤمنين لم يتوفّرْ لهُ الوقت أن يُصلّيَ العَصْر وغابت الشمس، ورواياتٌ أُخرى تقول أنّهُ قد صلّى العَصْر مع جمْعٍ مِن أصحابه ولكنَّ كثيراً مِن جيشهِ ومِن عسْكرهِ لانشغالهم بعُبور النهر وبنقل حُمُولتهم ودوابّهم فاتتهُم الصلاة.. الأميرُ أمرَ الشمس أن تعود كي يُصلّيَ عسكره.. هكذا ورد في الروايات.
  • التفاصيلُ مُضطربة لأنَّ الحَدَث كبيرٌ جدّاً، ولأنَّ الذين شهدوا الحَدَث كثيرون، ولم يكونوا على مَقربةٍ مِن أمير المؤمنين، فكُلٌّ نَقَل بِحَسَب ما وصل إليه، وربّما نقَلَ كثيرٌ منهم بحَسَب ما تصوّر واعتقد.. مِن هُنا اختلفتْ الروايات.. الشيءُ الأكيد أنَّ المُعجزةَ قد حدثتْ، وأنَّ الشمس رآها الناس واضحةً في السماءِ بعد أن غابتْ.. هذا الشيءُ قَطْعاً قد حَصَل، على الأقل مِن وجهةِ اعتقادنا، على الأقل بِحَسَب ما نعتقدُ به.. الرواياتُ والأحاديثُ بيّنتُ ذلك.

  • وقفة عند كتاب [الإرشاد] للشيخ المفيد.. ممّا جاء فيها بخُصوص حادثة ردّ الشمس، تقول الرواية في صفحة 264:

  • (وكان رُجُوعها عليه – أي رُجوع الشمس – بعد النبيّ أنّهُ لمّا أرادَ أنْ يَعبُرَ الفُراتَ ببابل، اشتغلَ كثيرٌ مِن أصحابه بتعبيرِ دوابِّهم ورِحالهِم، وصلَّى “عليه السلام” بنفسِه في طائفةٍ معَه العَصْر، فلم يَفرغْ الناسُ من عُبورِهم حتّى غربتْ الشمسُ، ففاتتْ الصلاةُ كثيراً منهم، وفاتَ الجمهور فضْل الاجتماع معه، فتكلّموا في ذلكَ. فلمّا سَمِعَ كلامَهم فيه سألَ اللهَ تعالى ردَّ الشمسِ عليه، ليجتمعَ كافّةُ أصحابِه على صلاةِ العصْرِ في وقتِها، فأجابَهُ اللهُ تعالى إِلى ردِّها عليه، فكانتْ في الأفقِ على الحالِ الّتي تكونُ عليها وقتَ العَصْر، فلمّا سلّمَ بالقوم غابتْ، فسُمِعَ لها وجيبٌ شديدٌ – أي صوتٌ عالٍ – هال الناسَ ذلك – أي أخافهم – وأكثروا من التسبيحِ والتهليلِ والاستغفارِ، والحمدُ للّهِ على نِعمتهِ الّتي ظَهرتْ فيهم، وسار خبرُ ذلكَ في الآفاقِ وانتشرَ ذِكرُه في الناسِ…)
  • هذهِ التفاصيلُ تختلفُ عن الذي وردَ في رواياتٍ أُخرى مِن أنَّ الأمير “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” هو الذي فاتتهُ الصلوات. هذا الكلام ليس موجوداً في كتاب [الإرشاد] فحسب.. موجودٌ في مصادر عديدة.. منها هذا المصدر أيضاً وهو كتاب [مناقب آل أبي طالب] لابن شهر آشوب المازندراني.

  • وقفة عند كتاب [مناقب آل أبي طالب: ج2] لابن شهر آشوب المازندراني.

  • في صفحة 355 جاء فيها:
  • (وأمَّا بعد وفاة النبيّ ما روى جُويريّة بن مُسْهر وأبو رافع والحُسين بن عليّ “عليه السلام”: أنَّ أميرَ المُؤمنين لمَّا عبرَ الفُرات ببابل صلَّى بنفسهِ في طائفةٍ معهُ العَصْر، ثمَّ لم يفرغْ الناس مِن عُبورهم حتَّى غربتْ الشمس، وفاتَ صلاةُ العَصْر مِن الجُمهور، فتكلّموا في ذلك، فسأل الله تعالى ردَّ الشمس عليه، فردَّها عليه، فكانتْ في الأُفُق، فلمّا سلّم القومُ غابتْ، فسُمِعَ لها وجيبٌ شديد هالَ الناس ذلك، وأكثروا التهليل والتسبيح والتكبير، ومسجد الشمس بالصاعديّة مِن أرض بابل شائعٌ ذائع…)
  • وهُناك مصادرُ أُخرى أيضاً ذكرتْ الحادثة.. أنا لستُ في مقام الاستقصاء، ولكن تُلاحظون أنَّ المُعطيات والمعلومات مُزدحمةٌ ومُضطربة، ولِذا في بدايةِ الكلام قُلتُ أنّني لا أعلمُ حقيقةَ الحال.. سأضعُ حديثي في عِدّة جهات، وأجمعُ المُعطياتِ المُتوفّرة وأرسمُ مُقاربةً تُقرّبنا مِن الحقيقة.
  • يُمكنني أن أختِصرَ المقال وأقول:
  • أنَّ القضيَّةَ بكُلّ تفاصيلها حينما ذهب أميرُ المؤمنين إلى منطقةِ (بُراثا) والتفاصيل التي جرتْ، وبعد ذلك اتّجه إلى بابل وما جرى مِن مُعجزةِ ردّ الشمس، كُلُّ هذا كان إقامةَ حُجّةٍ على أتباعهِ وعلى جيشهِ، على أهْل العراق وعلى الذين يلوذون بفنائهِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” لاشتدادِ الفتنةِ آنذاك.. سنواتٌ قليلةٌ مِن البصْرة وحيثُ عائشة والزُبير، وفتنةُ الجمل كانتْ فتنةً شديدة، إلى مُعاوية مِن بداياتِ صفّين، إلى رفْع المصاحف وإلى انشقاقِ الخوارج، وإلى فتنةِ أصحاب الجباهِ السُود.. أُولئكَ الجُهّال المارقون.. وكان في جيش أمير المؤمنين مَن يميلُ إليهم.
  • حالةُ التعب والشكِّ كانتْ واضحةً.. نَحنُ إذا ما أردنا أن نعودَ إلى تفاصيلِ تلكَ الأيّام – وما هي بأيدينا كاملة – فما عندنا مِن المُعطياتِ المُتوفّرة تُخبرنا أنَّ هُناك مِن أصحاب أمير المُؤمنين مَن بدأ الشكُّ ينخرُ في قلبه، ولِذا يتوجّهون بأسئلةٍ مُثيرةٍ لأمير المُؤمنين.. وقائعُ عديدةٌ بين أيدينا تُخبرنا عن الحالةِ النفسيّة لتلكَ القوّات وتلكَ العساكر التي كانتْ تُصاحبُ أمير المؤمنين، خُصوصاً بعد انتهاء صِفّين.. وصِفّين جرى ما جرى فيها، ولم يُنصرْ سيّد الأوصياء عسكريّاً في صِفّين، ونجحتْ مُخطّطاتُ مُعاوية، وانشقَّ الخوارجُ، وحديثُ الخوارج طويل.. حَدَث اضطرابٌ في نفوس الناس، في نفوس مَن يسيرون في ركاب سيّد الأوصياء، وفي نفوس أهل الكوفةِ عموماً، وفي نفوس أهل العراق.. باعتبار أنّهم المجموعةُ الأُمّةُ المُجتمعُ الذي كان قريباً مِن فناءِ أمير المُؤمنين، ومِن هُنا فلابُدَّ مِن شيءٍ يُسكّنُ هذهِ النفوس، فقد ردَّ الشمس عليهم.. كان تسكيناً لتلكَ النفوس المُضطربة
  • ● سذاجةٌ أن نتصوَّر أنَّ الشمس رُدَّتْ لأجل أنَّ الصلاةَ فاتتْ أميرَ المؤمنين..! هل يُمكن أن تفوتَ الصلاةُ أميرَ المؤمنين؟ ما هذا الهُراء؟ وإذا وردَ في رواياتٍ فهو إمَّا بتعابير الرُواة، وإمَّا بلسانِ المُداراةِ والتقريب.
  • أميرُ المؤمنين هُو جوهرُ الصلاةِ وحقيقةُ الصلاة، فما معنى أن تفوتَهُ الصلاة؟
  • ما يقومُ بهِ سيّدُ الأوصياء مِن صلاةٍ فلأنّهُ أُسوةٌ وقدوة.. والأسوةُ والقدوةُ لابُدَّ أن تكونَ واقعيّةً عمليّة.. ففي حياةِ الناسِ تأتي ظروفٌ تُلزمهم وتضطرُّهم ألّا يُؤدّوا الصلاة في وقتها.. هذا إذا قُلنا أنَّ الصلاةَ بطُقوسها التي نعرفُها فاتتْ أميرَ المؤمنين، إذا قُلنا بهذا القول فإنَّها في الحقيقةِ ما فاتتهُ، وإنّما هي القدوةُ والأسوةُ العمليّةُ في أنَّ الناس يقعون في هذهِ المُشكلة.
  • فهل هُناك مِن حاجةٍ في أن يردَّ الشمس؟! علماً أنَّ الذي حَدَث في الحقيقةِ ليس ردّاً للشمس، وإنّما هو ردٌّ للأرض ولكن التعابير هكذا..
  • (وقفة توضيح لهذه النقطة).
  • ● أميرُ المؤمنين هُو الصلاة، فليسَ لهُ مِن صلاةٍ يراها.. صلاتهُ التي يقومُ بها ويراها هو ويراها غيره فهذا شأنٌ مِن شُؤون أنّهُ قُدوةٌ وأُسوة.. وهذا هو شأنُ نبيّنا وشأنُ أئمتنا جميعاً.. حين يقولُ سيّد الأوصياء: أنا صلاةُ المؤمنين وصيامهم.. يعني بذلك أنَّهُ جوهرُ الصلاةِ وحقيقةُ الصلاةِ، وأداؤُهُ للصلاةِ باعتبار أنّهُ أُسوةٌ وقُدوة.. وفي حالِ أنّهُ قُدوةٌ وأُسوة فلابُدَّ أن يُمارسَ الأُمورَ كما هي بِحَسَب الظروفِ المُحيطةِ بكُلِّ الناس كي يكونَ أُسوةً لهم.. فقد تشتدُّ الظروفُ والأمورُ على شخْصٍ ولا يتمكّن أن يأتيَ بالصلاةِ في وقتها.. فسيأتي بها قضاءً.. فلا يجبُ عليهِ أن يُعيدَ الشمس، وتلكَ هي الأُسوةُ وتلكَ هي القدوة.
  • هذا إذا افترضنا أنَّ الأمير فاتتهُ الصلاة، وليس الأمرُ كذلك.. هو قد صلّى بمجموعةٍ مِن صحبهِ، وإنّما أعادَ الشمس لأجلِ جيشهِ الذي فاتتهُ الصلاة.
  • القضيّةُ هي إثباتُ حُجّةٍ لعليّ.. ولكنَّ الشيطانَ اشتغلَ بكُلّ قُدرتهِ لكي يُشكّك الناس في عليٍّ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وما كان ذلكَ ببدعٍ مِن الأمْر أنَّ الشمسَ يُعيدُها سيّدُ الأوصياء في نفس الأرض التي حَدثتْ فيها هذهِ المُناقشة التي تنقُلها لنا سُورة البقرة في الآية 258 قولهِ تعالى:
  • {ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربّه أن آتاهُ اللهُ الملك إذْ قال إبراهيم ربّي الذي يُحيي ويُميت قال أنا أُحيي وأُميت قال إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس مِن المشرق فأتِ بها مِن المغرب فبُهتَ الذي كفر واللهُ لا يهدي القومَ الظالمين}
  • المشرقُ والمغرب يرتبطُ بحركة الأرض لا بحركة الشمس، فحيثما تكونُ الأرض يكونُ المغربُ ويكونُ المشرق.. الأرضُ تدورُ حول نفسها وتدورُ حول الشمس.. في دورانها حول نفسها وفي دورانها حول الشمس تتشكّلُ مشارقُ الأرضِ ومغاربها.. ولكن كما نقول: “النهرُ قد نضب”.. وفي الحقيقةِ النهرُ لم ينضبُ، فالنهرُ هو حفْرٌ في الأرض، ولكنَّ الماء الذي فيه نضب.
  • فحين نتحدّث عن مشرق الشمس ومغربها إنّه في الحقيقةِ مشرقُ الأرض ومغربها، فإنَّ الأرضَ تتحرّكُ حول نفسها وحول الشمس فتتعيّنُ المشارقُ والمغارب.
  • فردَّ الشمس: يعني ردَّ الأرض إلى حالتها التي كانتْ فيها الشمسُ ساطعةً على أرض بابل.. كما نُخاطبهم في الزيارة الجامعة الكبيرة (وذلَّ كُلُّ شيءٍ لكم).
  • ● نقرأ في سُورة الشُعراء الآية 83 وما بعدها، في دُعاء إبراهيم الخليل: {ربّ هب لي حُكْماً وألحقني بالصالحين* واجعلْ لي لسانَ صِدْقٍ في الآخرين}
  • هذا هو لسانُ الصدْق في الآخرين: عليٌّ هو لسانُ الصدْق في الآخرين تكويناً وتشريعاً.
  • ● وفي سُورة مريم في الآية 50 نقرأ قولهِ تعالى: {فلمّا اعتزلهم وما يعبدون مِن دُون اللهِ وهبنا لهُ إسحاقَ ويعقوب وكُلّاً جعلنا نبيا* ووهبنا لَهم مِن رَحمتنا وجَعَلنا لهم لسان صِدْق عليّا}
  • ● وفي دعاء النُدبة الشريف نقرأ:
  • (وبعضٌ اتّخذتهُ لنفسكَ خليلاً وسألكَ لسانَ صِدْقٍ في الآخرين فأجبتَهُ وجعلتَ ذلكَ عليّا) هذا هو عليُّنا، هذا هو أميرُ المُؤمنين عليه السلام.

  • جولةٌ في بعض زياراتِ أمير المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في [بحار الأنوار: ج97] مع التعليق عليها.

  • ● جاءَ في زيارة سيّد الأوصياء المُرقَّمة برقم (25) جاء فيها:
  • (أنتم أهُل بيتٍ يسعدُ مَن تولّاكم، ولا يخيبُ مَن يهواكم، ولا يسعدُ مَن عاداكم، لا أجدُ أحداً أفزعُ إليه خيراً لي منكم، أنتم أهْل بيتِ الرحمة ودعائمُ الدين وأركانُ الأرض والشجرةُ الطيّبة…)
  • ● وقفة عند الزيارة المُرقّمة برقم (34) من مجموعةِ الزياراتِ المُطلقة لسيّد الأوصياء، والمنقولة عن كتاب [المزار الكبير] لابن المشهدي.. ممّا جاء فيها:
  • (السلامُ عليك أيُّها الصدّيقُ الأكبر، والناموسُ الأنور ، والسراجُ الأزهر ، والزلفة والكوثر …)
  • — إلى أن تقول الزيارة: (السلامُ عليك يا صاحبَ العِلْم المخزون ، وعارف الغيب المكنون ، وحافظ السرّ المصون ، والعالمُ بما كانَ ويكون، السلامُ عليك أيُّها العارفُ بفَصْل الخِطاب ومُثيبَ أوليائهِ يوم الحساب، والمُحيط بجوامعِ عِلْم الكتاب، ومهلكَ أعدائهِ بأليم العذاب، السلام عليكَ يا صاحبَ عِلْم المعاني وعِلْم المثاني والنورُ الشعشعاني والبشرُ الثاني،
  • — إلى أن يقول: (السلام عليكَ يا مشهوراً في السماواتِ العُليا معروفاً في الأرضين السابعةِ السفلى، ومُظهِرَ الآيةِ الكبرى وعارفَ السرّ وأخفى، السلامُ عليك أيُّها النازلُ مِن عليّين والعالمُ بما في أسفل السافلين ومُهلكَ مَن طغى مِن الأوّلين، ومُبيدَ مَن جَحَد مِن الآخرين، السلامُ عليك يا صاحبَّ الكرّةِ والرجعة، وإمامَ الخَلْق ووليَّ الدعوة، ومُنطقَ البرايا، ومِحنةَ الأُمّة، السلامُ عليك يا مُثْبتَ التوحيد بالشرْح والتجريد ، ومقرّر التمجيد بالبيان والتأكيد، السلامُ عليك يا سامعَ الأصوات ، ومُبيّن الدعوات ومُجْزلَ الكرامات بجزيل العطيّات، السلامُ عليكَ يا مَن حَظِيَ بكرامةِ ربّه فجلَّ عن الصفات، واشتُقَّ مِن نُورهِ فلم تقع عليه الأدوات – أدوات القلوب والعقول والخيال وما يجري في كُلّ مراتب الإدراك في كُلّ العوالم – وأُزلفَ بالقُرْب مِن خالقهِ فقصُر دُونهُ المقالات، وعلا محلُّهُ فعلا كلَّ البريّات، السلامُ عليك يا مَن أحسن عبادةَ ربّهِ فحباهُ بأنواع الكرامات، واجتهدَ في النُصح والطاعةِ فخوَّلهُ جميع العطيّات، واستفرغَ الوُسْع في فِعالهِ فأسداهُ جزيل الطيّبات، وبالغَ في النُصْح والطاعةِ فمَنَحهُ الحَوضَ والشفاعة، أشهدُ بذلكَ يا مولاي يا أميرَ المؤمنين وأنا عبدُك وابنُ عبدك، ووليّكَ وابنُ وليّك أنّك سيّدُ الخَلْق وإمامُ الحقّ وبابُ الأُفُق، اجتباكَ اللهُ لِقُدرتهِ فجَعَلَكَ عَصا عزّهِ وتابوتَ حِكمتهِ، وَأيّدك بترجمةِ وحيه، وأعزَّك بنُور هدايته، وخصّكَ ببرهانه، فأنتَ عينُ غيبهِ وميزانُ قِسْطه، وبيّنَ فضلكَ في فُرقانه، وأظهركَ عَلَماً لعباده وأميناً في بريّته، وانتجبكَ لنُوره فجَعَلكَ مناراً في بلاده، وحُجّتهُ على خليقته، وأيّدكَ برُوحه، فصيّرك ناصرَ دينه ورُكن توحيده، واختصَّكَ بفضله، فأنتَ تبيان لِعلْمه وحُجّةً على خليقته، واشتقَّك مِن نُوره فصيّرك دليلاً على صراطهِ وسبيلاً لِقَصده، وأَورثكَ كتابَهُ، فحفظتَ سِرَّهُ، ورعيتَ خَلْقه، وخصَّك بكرائم التنزيل، فخزنتَ غَيبه، وعرفتَ عِلْمه، وجعلكَ نهاية مَن خَلَق، فسبقتَ العالمين وعلوتَ السابقين، وصيّرك غايةَ مَن ابتدع، ففُقتَ بالتقديم كُلَّ مُبتَدَع ولم تأخذكَ في هواهُ لومة ولم تُخدَع، فكُنتَ أوَّلَ مَن في الذرِّ برأ، فعلمتَ ما عَلا ودنا، وقَرُب ونأى، فأنتَ عَينهُ الحفيظةُ التي لا تخفى عليها خافية، وأُذنهُ السميعةُ التي حازتْ المعارف العَلَويّة، وقلبهُ الواعي البصير المُحيطُ بكلِّ شيء، ونُورهُ الذي أضاءَ به البريّة وحَوتهُ العُلوم الحقيقيّة، ولسانُهُ الناطق بكلِّ ما كان مِن الأُمور والمُبيّن عمَّا كان أو يكونُ في سالفِ الأزمان وغابر الدهور ، كَلَّ يا مولاي عن نعتُك أفهامُ الناعتين ، وعجَزَ عن وصْفكَ لسانُ الواصفين ، لسبْقكَ بالفَضْل بالبرايا، وعِلمُك بالنُور والخفايا، فأنتَ الأوّلُ الفاتحُ بالتسبيح، حتَّى سبَّح لكَ المُسبّحون، والآخرُ الخاتمُ بالتمجيد حتّى مجَّد بوصفكَ المُمجدون، كيف أصِفُ يا مولاي حُسْن ثنائك، أم أُحْصي جميلَ بلائك، والأوهام عن معرفة كيفيتك عاجزة ، والأذهانُ عن بلوغ حقيقتكَ قاصرة، والنفوسُ تقصُرُ عمّا تستحقُّ فلا تبلغهُ، وتعجز عما تستوجبُ ولا تدركه، بأبي أنتَ وأمي يا أميرَ المُؤمنين وأعزّائي وأهلي وأحبّائي أُشهدُ الله ربّي وربَّ كلِّ شيء، وأنبياءَه المُرسلين، وحَمَلةَ العرش والكروبيّين ورُسُلَه المبعوثين، وملائكتَهُ المُقرّبين، وعِبادَهُ الصالحين، ورَسُولَهُ المبعوثَ بالكرامة، المحبوَّ بالرسالة، السيّد المُنذر والسراجَ الأنور، والبشير الأكبر والنبيّ الأزهر، والمصطفى المخصوص بالنُور الأعلى، المُكلَّمَ مِن سدرةِ المنتهى أنّي عبدكَ وابنُ عبدك ومولاكَ وابن مولاك، مُؤمنٌ بسرّكَ وعلانيتك، كافرٌ بمَن أنكرَ فضلك، وجَحَد حقّك، مُوالٍ لأوليائك، مُعادٍ لأعدائك، عارفٌ بحقّك، مُقرٌّ بفضلكَ، مُحتملٌ لِعلْمكَ، مٌحتجبٌ بذمّتك، مُوقنٌ بآياتك، مُؤمنٌ برجعتك، مُنتظر لأمرك، مُترقّبٌ لدولتك، آخذٌ بقولك، عاملٌ بأمرك، مُستجيرٌ بك، مُفوّضٌ أمري إليك، مُتوكّلٌ فيه عليك…)
  • — إلى أن نقول ونحنُ نُخاطبُ سيّد الأوصياء:
  • (بأبي أنتَ وأمي يا أمير المؤمنين أشهدُ أنّك تراني وتُبصرني وتعرفُ كلامي وتُجيبني، وتعرفُ ما يُجنّه قلبي وضميري – أي ما يُخفيه -…)
  • أعودُ لسُؤال السائل وأقول:
  • تبيّن مِن كُلّ التفاصيل التي أشرتُ إليها أنَّ هذهِ الواقعة التي ابتدأت مُقدّماتُها مِن براثا وما جرى هُناك مِن تفاصيل ذُكِرتْ في الروايات لا مجالَ للحديثِ عنها، كُلُّ ذلك كان ترتيباً لإقامةِ هذهِ الحُجّةِ على جيشهِ على الأقل وعلى الذين التفتوا إلى ذلك.. كان هذا برنامجاً حِينما شكّكتْ الأُمّةُ في عليٍّ، وحينما كذّبتْ الأُمّةُ في عليٍّ، والأميرُ كان في العراق بصدد تأسيسِ قاعدةٍ وفتْح بوّابةٍ للإيمان، للمشروع المهدويّ الأعظم.. فالكُوفةُ هي عاصمةُ إمامِ زماننا، وهي نُقطةُ الارتكاز في دولةِ العَدل الإلهي، وهي نُقطةُ الارتكازِ في الدولةِ المُحمّديّة الخاتمة حيثُ جنّةُ الدُنيا، ومركزُ جنّةِ الدُنيا هُناك في الكوفة.. هكذا حدّثتنا الروايات.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٩ – بين منهجين، منهج رجل الدين الانسان ومنهج رجل الدين الحمار ج١

يازهراء …