قتلوك يا فاطمة – الحلقة ٣٣ – بين منهجين، منهج رجل الدين الإنسان ومنهج رجل الدين الحمار ج٥

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 13 جمادى الأخرى 1440هـ الموافق 19 / 2 / 2019م

  • هذا هو الجُزء الخامس في سلسلةِ أجزاء جواب السُؤال الأخير، وهو السُؤالُ المُوجّهُ لي: مِن أنّني أنتقدُ مراجعَ التقليدِ عند الشيعةِ انتقاداً شديداً، وبعد ذلك أقولُ لِعامّةِ الشيعةِ أن يعودوا إليهم في مسائلهم الفقهيّة اليوميّة التي يحتاجونها..! هذا تناقض؟! أو ماذا يكون؟!

  • فبدأتُ إجابتي على هذا السُؤال بتلخيص رُؤيتي الشخصيّة للواقع الديني الشيعي والتي لا أفرضُها على أحد ولا أخذتُها مِن أحد.. إنّها رُؤيتي الشخصيّة أنا أتحمّلُ مسؤوليّتها ولا أطلبُ مِن الآخرين أن يقبلوها أبداً.. هُم أحرارٌ في قبولها أو رفضها.
  • أنا أُجيبُ على سُؤالٍ وبتقديري فإنَّ إجابتي على هذا السُؤال تحتاجُ إلى هذهِ البيانات.. فبدأتُ ببيان رُؤيتي الشخصيّة مِن خلال فَهمي لثقافةِ الكتاب والعترة فيما يرتبطُ بالواقع الشيعي الديني، وبدأتُ الحديثَ مِن سُورة الجمعة، وتفرّع الكلامُ مِن خلال سُورة الجمعة ومِن خلال أحاديث العترة الطاهرة مِن أنَّ القُرآن والعترة يتحدّثانِ عن منهجين: منهجُ رجل الدين الإنسان ومنهجُ رجل الدين الحمار.
  • مرَّ هذا الحديث ولا أريدُ أن أُكرّرهُ إلى أن وصلتُ في الحلقةِ الماضية إلى الجُزء الرابع مِن أجزاء جواب السُؤال المُتقدّم الذكر.
  • ● في الجُزء الرابع عرضتُ الصُورةَ التي ترسمُها المرجعيّةُ الشيعيّة لرسول الله، وهي صُورةٌ قبيحةٌ فاضحةٌ بشِعةٌ شنيعة.. يُظهرونَهُ نبيّاً غبيّاً ضعيفَ الذاكرة جاهلاً سفيهاً إلى أبعد الحدود..! قرأتُ ذلكَ عليكم مِن مصادر مراجع الطائفة ومِن كُتُبهم.
  • مَن لم يُشاهد حلقة يوم أمس ويسمع هذا الكلام لأوّل مرَّة عليه أن يعود إلى الحلقةِ وإلى المصادر، وبعد ذلك إذا أراد أن يشتمني فهو حُرّ.
  • إذا رجعَ المُتابعُ إلى هذهِ المصادر التي عرضتُها في الحلقةِ الماضية سيجد صُورةً قبيحةً إلى حدٍّ بعيد.. حتّى أنّني تساءلتُ في آخر الحلقة:
  • هل بقيتْ قبيحةٌ مِن القبائح لم يُلصِقها مراجعُ الشيعةِ الكبار برسول الله “صلّى الله عليه وآله”..!
  • هذا هو نبيُّ المرجعيّة.. عقيدةٌ فاسدةٌ بكلّ المعايير (معايير الكتاب والعترة) وما بُني على الفاسد فهو فاسد.. ولا أُريدُ أن أتشعَّبَ في هذهِ الجهة، ولكنّني أقول:
  • حين تحدّث في السنواتِ الماضيةِ ياسر الحبيب عن زوجةِ النبيّ عائشة.. المرجعيّةُ الشيعيّةُ وعُلماءِ الشيعةِ في شرْق الأرض وغربها ارتفعَ ضجيجُهم وعجيجُهم (البيانات، الفتاوى، التصريحات.. إلخ..)
  • ولمّا تحدَّث الشيخ محمّد العُريفي في بعض خُطَبهِ، في خُطبةِ صلاةِ الجمعة وتحدَّث عن السيّد السيستاني.. أيضاً على ضجيجُ الشيعةِ وعجيجُهم، خُصوصاً مِن وُكلائهِ ومُقلّديهِ وأتباعهِ في كُلّ مكان.. وخرجتْ المُظاهرات في العراق وخارجَ العراق.
  • لا أعترضُ لا على احتجاجِ المرجعيّةِ على ياسر الحبيب، ولا أعترضُ على احتجاجِ الشيعةِ على العُريفي.. لستُ بصدد الحديثِ عن جُزئيّاتِ هذهِ الموضوعات.. ولكنّني أقول:
  • عائشةُ – إنْ كان لها مِن منزلةٍ – فذلكَ بسبب انتسابها إلى رسول، فضجّتْ المرجعيّةُ ضجيجاً.
  • والسيّد السيستاني إنْ كانتْ لهُ مِن منزلة فبسبب انتسابهِ الإيماني إلى رسول الله، باعتبار أنَّ المراجعَ هُم نُوّابُ صاحب الأمر – كما يعتقدُ الشيعة – وهُم امتدادٌ لرسول الله.
  • فما عند عائشة مِن منزلةٍ فهي بسبب رسول الله، وما عند السيّد السيستاني مِن منزلةٍ فهي بسبب رسول الله.. لأجلِ عائشة ضجّتْ المرجعيّةُ الشيعيّة، ولأجل السيستاني ضجَّ الشيعةُ ضجيجاً..!
  • وأنا أقول: هذا رسول الله هو الأصل.. فلماذا هذهِ الصُورةُ القبيحةُ لرسول الله في مكتبتنا الشيعيّة، وفي أُمّهات كُتُب مراجعنا وعُلمائنا..؟!
  • ● وفي الفضائيّات، منابرُ عميد المنبر الحُسيني ومَن يُتابعهُ ويُقلّدهُ مِن مراجع الشيعة المعاصرين، الوثائقُ التي عُرضتْ للمراجع الأمواتِ والأحياء وهم ينتقصون رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله”.. فلا سمعْنا شيئاً مِن المرجعيّة ولا سمعْنا شيئاً مِن الشيعة..! لماذا؟!
  • الجوابُ واضحٌ.. المرجعيّةُ هي المُشكلة، المرجعيّةُ هي التي تنتقِصُ رسولَ الله، فهل يرتفعُ ضجيجُها على نفسها..؟! هذا ليس مُتوقّعاً.. وأمَّا الشيعةُ فهُم ديخيّون مِثلما يقول المرجع المعاصر السيّد كمال الحيدري.
  • عرض الوثيقة الديخيّة.. (وهي مَقطع صَوتي للسيّد كمال الحيدري يتحدّثُ فيه عن الحالةِ الديخيّة في الواقع الشيعي، والمُراد منها: حالة استحمار المراجع للشيعة والركوب على أقفيتهم !).
  • هذا بالفعل واقع الشيعة: أنّهم “ديخيّون”.. وإلّا لماذا لم يعترضْ شيعيٌّ واحد على هذا الهُراء وهذه الأباطيل وهذا الانتقاص الذي تُلحِقهُ المرجعيّةُ الشيعيّةُ برسول الله؟!
  • المرجعيّةُ لا نُطالبها بالاعتراض لأنّها هي المُشكلة، فلا نتوقّعُ الحلَّ مِن المُشكلة.. أمَّا الشيعةُ ما بالهم؟! فالشيعةُ ديخيّون، مِثلما قال المرجعُ المُعاصر السيّد كمال الحيدري: هذا هو واقعُ الشيعة.. إنّهُ الواقعُ الديخي.
  • المُجتمعُ الديخي: هُو المُجتمعُ التافهُ السفيه، وحين أقولُ مجتمعٌ تافهٌ سفيه أعني مِن وجهةِ النظر العقائديّة.. كيف يثورونَ لأجل عائشة ويثورون لأجل السيستاني ولا يثورون لأجل رسول الله؟! أليستْ هذهِ هي السفاهةُ والتفاهة؟!
  • إنّها السفاهةُ والتفاهةُ بعينها.. والسببُ ديخيّةُ الواقع الشيعي! واقعٌ ديخيٌّ، وِمن لوازم هذهِ الديخيّة التفاهةُ والسفاهةُ العقائدّية.. وإلّا كيف يُنتقَصُ مِن رسول الله بهذه الطريقةِ البشعة التي عرضتُها بين أيديكم في الحلقةِ الماضية ولا مِن مُعترض..!
  • المُجتمعُ الديخي مُجتمعٌ فضلاً عن تفاهتهِ وعن سفاهتهِ العقائديّة هو مجتمعٌ مسلوبُ الإرادة، لا يملكُ القُدرةَ على تشخيصِ اختياراته واتّخاذِ قراراتهِ، تضيعُ عندهُ الأولويّات فلا يُميّز بين الأهمّ والمُهم ولا يُميّز بين المُهم وغيرُ المُهم.. وهذا هو الذي نعيشهُ في واقعنا الشيعي الديني إنْ كان ذلك على مُستوى المُؤسّسةِ الدينيّةِ الشيعيّةِ الرسميّة أو كان ذلك على مُستوى أتباع هذهِ المُؤسّسة.
  • — أدلُّ دليلٍ على ديخيّة الواقع الشيعي هُو أنَّ الشيعةَ يرونَ حلَّ مُشكلتهم في مُشكلتهم..!
  • أساساً مُشكلتنا هي المرجعيّة.. المرجعيّةُ تُعاني مِن فسادٍ في بُنيتها العقائدية.. وأدلُّ دليلٍ على ذلكَ هذهِ الصُورةُ البشِعةُ التي ترسمُها المرجعيّةُ الشيعيّةُ لرسول الله..! كبارُ مراجعِ الشيعة مِن الأمواتِ والأحياء يرسمونَ هذهِ الصورةَ القبيحةَ لرسولِ الله في كُتُبهم وفي تفاسيرهم وعلى منابرهم وفي فضائيّاتهم.. هُناك فسادٌ في البُنية العقائديّة للمرجعيّة الشيعيّة.
  • إذا كانتْ المرجعيّةُ الشيعيّةُ ليستْ قادرةً على أن تُصحّح وضْعها الذي هُو مِن أوّليّاتِ اختصاصها، فترسمُ لرأسِ العقيدة – وهُو رسولُ الله – هذهِ الصُورةَ القبيحةَ الضالّة، فهذا يعني أنّ بُنيتها العقائديّة فاسدة وهي ليستْ قادرةً على تصحيحها.
  • لو كانتْ قادرةً على تصحيحها فإنَّ الخُطوةَ الأولى هي أن تُبيّن للناس ضلالَ هذهِ المُعتقدات وأن تمنعَ أتباعها مِن نشْرها وتأكيدها عِبْر وسائل الإعلام.. هي عاجزةٌ عن ذلك، بل رُبّما تجدُ الصواب والهُدى في هذا الضلال وفي هذا الفساد العقائدي.. بالنتيجةِ بأيّ صُورةٍ كانتْ، فإنّها تُعاني مِن فسادٍ في بُنيتها العقائديّة.
  • مرجعيّةٌ فاسدة، كيف يُتوقّع مِنها أن تحلّ مشاكل الشيعة..؟! هي غيرُ قادرةٍ على حلّ مشاكلها الدينيّةِ الخاصّةِ بها، فترسمُ لرسول اللهِ هذهِ الصُورةَ البشِعةَ الشنيعة القبيحة، فكيفَ نتوقّعُ منها أن تُصلحَ القُبْحَ في الجهاتِ الأُخرى في حياةِ الشيعةِ في واقعها السياسي الاجتماعي الأخلاقي..!
  • هذا هُو الواقعُ الديخيُّ الذي يتّسمُ بالسفاهةِ والتفاهةِ العقائديّة ويتّسمُ بعَدَم معرفةِ الأولويّات ويتّسمُ بعَدمِ وضوحِ الرؤُية وعدمِ وجود هدفٍ واضحٍ يتحرّكُ المُجتمعُ باتّجاههِ.. هذا هو الواقعُ الديخي، هذا هو التيهُ بعينه.

  • سُورة الجُمعة والتي كانَ الحديثُ في هذهِ الحلقاتِ التي ترتبطُ بجواب السُؤال الأخير كان الحديثُ قد بدأ منها، مِثلما شخَّصتْ لنا هذهِ السُورة منهجين: منهجُ رجلِ الدين الإنسان ومنهجُ رجلِ الدين الحمار، شخَّصتْ لنا أيضاً وبالمِصداق الواضح المُجتمع التافه السفيه السخيف.

  • في آخر آيةٍ مِن سُورة الجمعة وهذا أيضاً يعودُ بنا إلى اهتمامِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد بهذهِ السُورة وإلى حثّنا على التدبّر في مضامينها.. في الآيةِ الأخيرةِ من سُورة الجمعة: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضُّوا إليها وتركوكَ قائما قُلْ ما عند اللهِ خيرٌ مِن الّلهو ومِن التجارةِ واللهُ خيرُ الرازقين}
  • في قراءة أهل البيت وردتْ بهذه الصيغة: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضُّوا إليها وتركوكَ مع عليٍّ قائما}
  • الآيةُ تتحدّثُ عن مُجتمع يثرب، عن مُجتمعِ الناس الذين كانوا يحضرون في مسجد النبيّ لِصلاة الجُمُعة.. هذهِ الآية تُحدّثنا عن تفاهةُ ذلك المُجتمع وعن سفاهتهِ وسخافتهِ.. فما إن يسمعوا أصواتَ الطبولِ والدفوف – والنبيُّ قائمٌ في المسجد يخطبُ فيهم – فإنّهم يتركونَ رسول الله ويذهبونَ مُهرولين باتّجاهِ القافلةِ القادمةِ إلى المدينةِ حيثُ الرقصُ والطبول والدفوف..!
  • تلكَ هي السفاهةُ والتفاهةُ بعينها.. هذا هو الأمرُ الذي يقومُ بهِ منهجُ رجل الدين الحمار حين يتركُ تفسيرَ عليٍّ للقرآن ويركَضُ وراء خزعبلات النواصب، يُترَكُ فِقهُ جعفر بن محمّد عليه السلام ويركضُ وراء فِقه الشافعي..! هذا هو منطقُ رجل الدين الحمار هو هو.. المُجتمعُ هو هو.. والسِيرةُ هي هي.
  • النبيُّ يُحدّثهم وهُم يذهبونَ باتّجاهٍ آخر..! وهذا الأمرُ مراجعُ الشيعةِ أيضاً يقومون به، فهم يتركون أحاديثَ آل مُحمّد الموجودة بين أيديهم ويذهبون باتّجاهٍ آخر..!
  • فهذا عميدُ المِنبر الحُسيني يتركُ حديث العترة ويصِفهُ بأنّهُ زُبالة لجهله.. ويذهبُ باتّجاهِ الفخر الرازي وباتّجاهِ سيّد قُطب..!
  • سُورة الجمعة تُحدّثنا عن منهج رجل الدين الإنسان عن منهج رجل الدين الحمار.. وتُحدّثنا عن المُجتمعِ التافهِ السفيه السخيف.. وقَطْعاً ما يُعاكسُ ذلك هو المجتمعُ الرشيد المُهتدي.. إنّما تُستبانُ الأشياء بأضدادها.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق في [تفسير البرهان: ج8] في صفحة (13) الحديث (11)
  • (عن جعفر الأحمر بن سيّار، عن أبي عبد الله “عليه السلام” في قوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائما}؟ قال “عليه السلام”: انفضّوا عنه إلّا عليُّ بن أبي طالب، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {قل ما عند الله خيرٌ مِن الّلهو ومِن التجارة والله خير الرازقين}).
  • هذا في أسبوعٍ مِن الأسابيع الجميع انفضُّوا عن رسول الله، أمَّا بقيّةُ البيتِ النبوي لم يكونوا موجودين.. هذهِ قضيّةٌ كقضيّةِ النجوى، فمِثلما في حُكْم الصدقةِ الواجبة عند مُناجاةِ النبيّ تفرّد بهذا الموقف أميرُ المُؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”، فكذلكَ حين يَخطبُ رسولُ الله في المسجد فإنَّ المُجتمعَ التافهَ السخيف يتركونَ رسولَ الله ولا يبقى معهُ إلّا أميرُ المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • ● وفي روايةٍ أُخرى في [تفسير البرهان: ج8] وهي مِن طُرُق المُخالفين، ولكن تتحدّث عن حقيقة.. مِمّا جاء فيها:
  • (فنفر الناسُ إليه إلّا عليٌّ والحسن والحسين وفاطمة وسلمان وأبو ذر والمقداد وصُهيب)
  • ● رواية أُخرى أيضاً [تفسير البرهان: ج8] صفحة (13) الحديث (10)
  • (عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: ورد المدينة عيرٌ فيها تجارة مِن الشام، فضربَ أهْلُ المدينة بالدفوف، وفرحوا وضحكوا، ودخلتُ والنبي “صلّى الله عليهِ وآله” يخطب يوم الجمعة، فخرجَ الناسُ مِن المسجد وتركوا رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” قائماً، ولم يبقَ معهُ في المسجد إلّا اثنا عشر رجلاً، عليُّ بن أبي طالب منهم)!
  • هذا هو حالُ الصحابةِ وحالُ ذلك المُجتمع التافه السفيه السخيف.. يركضون وراء الطبول والدفوف ويتركون حديث رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله”.. وهؤلاء أحسنُ حالاً مِن العُلماء والمراجع الذين يتركون حديثَ مُحمّدٍ وآل مُحمّد إلى حديث أعدائهم.. لأنَّ المُجتمع السفيه في المدينة الذين تركوا رسول الله هؤلاء خرجوا سفاهةً للالتذاذِ والتمتّع بأصواتِ الطُبول والغناء والرقص وللتفرّج على البضائع التي جلبتها هذه القافلةُ التجاريّة.. أمَّا مراجعنا وعُلماؤنا فإنّهم يضربون بأكثر مِن 90% مِن أحاديث العترة الطاهرة عرض الجدار ويركضون لاهثين وراء النواصب ويرسمون لنا صُورةً قبيحةً شنيعةً فظيعةً لسيّد الكائنات..! فهل هُناك مِن سفاهةٍ أكثرُ مِن هذهِ السفاهة؟!
  • أعتقدُ مِن كُلّ هذهِ المطالب تبيّنَ لنا السرُّ في هذا الحثّ الشديد والأكيد مِن قِبَل مُحمّدٍ وآل مُحمّد لِدفعنا لِقراءةِ وتلاوة سُورة الجُمعة، ففي التدبّر في آياتها يتجلّى لنا هذان المعنيان:
  • المعنى الأوّل: هُناك منهجان: منهجُ رجل الدين الإنسان، ومنهجُ رجل الدين الحمار.
  • المعنى الثاني: هُناك مُجتمعان: مُجتمعٌ رشيدٌ صالحٌ مُلتصِقٌ برسول الله، ومُجتمعٌ سفيهٌ فاسد بعيدٌ عن رسول الله.. فهُناك ناطقان: ناطقٌ ينطقُ عن الله وهُو رسولُ الله، وناطقُ ينطقُ عن الشيطان وتلكَ هي الطبولُ والدفوف وهي هُنا رمْز.. فناطقُ الشيطان حينما ينطقُ بالمعارف والعقائد خَطَرهُ لا يُقاسُ بِخَطَر الّلهو والغناء وأضراب ذلك..!
  • المُستمعون للناطق عن الله هُم الذين يُمثّلون المُجتمع الصالح الرشيد، والذين يُعرضون عن الناطق عن الله ويستمعون إلى ناطقٍ آخر فذلك هُو المُجتمعُ السفيهُ التافهُ السخيفُ الجاهلُ الغبيُّ الديخي.. هذهِ المعاني واضحةٌ جدّاً في سُورة الجُمعة.
  • لن أتحدّثَ أكثر مِن ذلك، لكنّني أقولُ عند هذهِ النقطة:
  • أنّني قد عرضتُ بين أيديكم رُؤيتي الّتي أنا أتحمَّلُ مسؤوليّتها، لا أخذتُها مِن أحد ولا أفرضُها على أحد، ولا أطلُبُ مِن أحدٍ حتّى مِن أفرادِ أُسرتي الصغيرة أن يتبنّوا هذهِ الرُؤية.. هذهِ رُؤيتي أنا مسؤولٌ عنها يومَ القيامة، وبإمكاني أن أُجيبَ وأُجيب.. فما ذكرتُهُ لكم ما هو إلّا قطْرة.. القضيّةُ كبيرةٌ جدّاً.
  • هذهِ رُؤيتي للواقعِ الشيعي الديني، وعلى أساس هذهِ الرُؤية إنّني أُنظّمُ حياتي الدينيّة والدنيويّة على أساسِ هذهِ الرُؤية.. إنّما ذكرتُها لا لأجل إقناعكم بها، وإنّما أردتُ أن أقولَ لكم أنّني حِين أُسألُ بهذا السُؤال وأُجيبُ بكذا.. فهُناك رُؤيةٌ أمتلكها، وللحديثِ تفاريع فإنَّ الكلام لم ينتهِ عند هذهِ النقطة.. ولكن عند هذهِ النقطة انتهى حديثي في عرضي بشكلٍ مُوجز ومُختصر لرُؤيتي في الواقع الشيعي الديني.
  • — أعتقد صارتْ الصورةُ واضحةً للذي تابعني مُنذُ بداية جوابي عن هذا السُؤال “مِن أنّني أنتقدُ مراجعَ التقليدِ عند الشيعةِ انتقاداً شديداً، وحينما يسألني عامّةُ الشيعة إلى مَن نرجعُ في مسائلنا الفقهيّة اليوميّةِ فإنّني أُرجِعُهم إلى نفس هؤلاء المراجع الذين أنتقدهم.. تناقضٌ هذا.. أو ماذا..؟!”
  • مِن خلال بياني لرُؤيتي الشخصيّة لابدَّ أن أوضّح لكم جُملةً مِن المطالب، فأقول:
  • فَمعَ هذهِ الرُؤية التي بيّنتُها لكم للواقعُ الشيعي الديني فإنّني أمتلكُ جواباً هُو الجوابُ الأوّل، وأمتلكُ جواباً ثانياً سأتناولهُ في حلقةِ يوم غد إن شاء الله تعالى.
  • الجواب الأوّل أو الحلّ الأوّل:
  • إنّه جوابٌ يرتبطُ بواقع الأمّةِ الشيعيّة.. مُشكلتُنا ليستْ في مجموعةِ مسائل فقهيّة نحتاجُها في حياتنا اليوميّة (ما يُصطَلحُ عليها بالمسائل الإبتلائيّة) هذا جُزءٌ مِن مُشكلتنا الكبيرة جدّاً.
  • ● دعوني أُحدّثكم عن مُجتمعي عن (شيعة العراق) وأيُّ تغيّرٍ سيحدثُ في الواقع الشيعي العراقي فإنّهُ سيتركُ آثارهُ الواضحةَ جدّاً في كُلّ الواقع الشيعي في العالم.
  • نحنُ الشيعةُ في العراق مُشكلتنا مُزدوجة.. عندنا مُشكلةٌ وجوديّة وعندنا مُشكلة بُنيويّة..
  • مُشكلتنا الوجوديّة مُشكلةٌ ضاربةٌ في التأريخ.. نحنُ الأكثريّةُ في واقعنا العراقي ووصلتْ السُلطة بشكلٍ وبآخر إلى أيدي الشيعة ولكنّهم إلى هذهِ الّلحظة يعيشونَ حالةَ المعارضة.. إلى هذهِ الّلحظة..! ولا أُريدُ أن أخوض في كُلّ هذه التفاصيل.
  • حينما قُلت أنَّ مُشكلتُنا مُزدوجة وُجوديّةٌ مِن جهة وبُنيويّةٌ مِن جهةٍ أُخرى.. عِبْر التأريخ وإلى يومنا هذا وإلى عهدٍ قريب (إلى العهد البعثي الإجرامي الصدّامي) الشيعةُ ما هُم بكيانٍ قادرٍ على أن يُحافظَ على كيان حدودِ كيانهِ هذا.. وأُقرّب لكم الفِكْرة بمثال عن حال الشيعة في باكستان.
  • الشيعةُ في باكستان أقليّة بالقياس إلى السُنّة، ولكنَّ الحُكومات على اختلافِ أنحائها مُنذُ تأسّستْ باكستان وإلى يومنا هذا لم تستطعْ أن تخترقَ الكيان الشيعي ولم تستطعْ أن تُلغي هذا الكيان في يومٍ من الأيّام.. ولا أتحدّثُ هُنا عن الإلغاء المادّي أو الحسّي أو الفيزيائي، وإنّما أتحدّثُ عن الإلغاء المعنوي، عن الإلغاء القِيَمي.. لأنَّ الشيعةَ في باكستان مُنذُ بدايةِ تأسيس هذهِ الدولة – وهي دولةٌ حديثةٌ – استطاعوا بأُسلوبٍ وآخر أن يُشكّلوا لهم كياناً.
  • حتّى الإيرانيّون لم يستطيعوا أن يخترقوا الكيانَ الباكستاني مِثلما اخترقوا الكيان العراقي، الّلبناني، الخليجي.. وأنا هُنا لستُ في مقام ذمّ أو مُعارضة اختراق الإيرانيّين لهذهِ الكيانات.. فعلاقتُنا بالإيرانيّين علاقةٌ قَدَريّةٌ ضاربةٌ في أعماق التأريخ.
  • لكن الإيرانيّين لم يستطيعوا أن يخترقوا الجوَّ الباكستاني لأنَّ كثيراً مِن الرُموز السياسيّةِ في باكستان على جميع المُستويات (إلى مُستوى الرئاسة ورئاسة الوزراء، إلى مُستوى البرلمان، الإستخبارات العسكريّة) هُناك تواجدٌ شيعيٌّ واضح.. الحكوماتُ على طول التأريخ الباكستاني المُعاصر لم تستطعْ أن تُلغي الكيان الشيعي رغم أنَّ الشيعة أقليّة..!
  • نعم هُناك اعتداءاتٌ مِن المجموعاتِ السُنيّة الوهابية ومِن الإرهابيّين ذلك أمرٌ آخر.. ولكن الحُكومات لم تخترق ولم تُلغِ الكيان الشيعي لأنَّ الشيعةَ وضعوا لكيانهم حُدوداً، وهذهِ الحُدودُ تظهرُ مِن خلال المُمارسةِ السياسيّة والإعلاميّةِ عِبْر تأريخ تكوّنهم، وهذا ما نفتقدهُ نحنُ الشيعةُ عِبْر التأريخ لأسباب لا أُريد أن أخوضَ فيها الآن.. هذا مُرادي مِن المُشكلة الوجوديّة.
  • ● الشيعةُ في العراق لا يملكون كياناً مُحدّداً بحيث لا تستطيعُ الحكومات أن تُلغي وُجودهم.. الحكوماتُ عبثتْ بالوضع الشيعي عَبَثاً كبيراً.. (عمليّةُ التسفير المُتكرّر هي عَبَثٌ بالكيان الشيعي، عمليّةُ نقل القبائل والعشائر الشيعيّةِ مِن مكانٍ إلى آخر عَبَثٌ واضح، اتلافُ مناطق زراعيّة هائلة وبساتين وغابات وقُرى شيعيّة عَبَثٌ واضح، تجفيفُ الأهوار في المناطق الشيعيّة وإحراقُ قَصَبها وبرديِّها عَبَثٌ واضح..) والحكايةُ طويلة.
  • لو كان الشيعةُ لهم مِن كيان وهذا الكيان لهُ حدود ولهُ علامات، لَما استطاعتْ الحُكوماتُ الجائرةُ أن تتعاملَ مع الشيعةِ هكذا..
  • ولكنَّ الشيعةَ في العراق لُمامٌ وجُماعٌ مُتناثر، فليس هُناك مِن كيان.
  • وإذا وصل الشيعةُ في هذهِ الفترة إلى الحُكْم فلا نملكُ دليلاً على أنَّ الشيعةَ سيبقون في الحُكْم وستكون الحصّةُ الأكبر لهم.. ولذا على الشيعةِ الذين يهتمّون لأمرهم (على المُثقّفين، على الحُكماء، على أصحاب الرأي، على الذين يمتلكون الخِبْرةَ السياسيّةَ الثقافيّةَ الإجتماعيّة، على زُعماءِ الدين الذين يملكون البصيرة بواقع الشيعةِ في العراق..) عليهم جميعاً أن يُفكّروا في صناعةِ الكيان الشيعي بعيداً عن السياسة.
  • فلتشتركْ الأحزابُ الشيعيّةُ في السياسة ولتحكم العراق بكُلّه، بنحوٍ جُزئي.. أجواءُ السياسة بكُلّ تفاصيلها.. أنا لا أتحدّث عن هذا الموضوع.
  • حينما أشرتُ إلى المُشكلة الوجوديّة إنّني لا أتحدّثُ عن النُظُم السياسيّة وإنّما أتحدّثُ عن الواقع الإجتماعي.. المُشكلةُ الوجوديّة هي مُشكلةٌ إجتماعيّةٌ ومُشكلةٌ سياسيّةٌ لا مِن جهة الحُكْم وإنّما مِن جهة العلاقة بالحُكْم.
  • ُأُلخّصُ الكلام وأقول:
  • مُشكلةُ الشيعةُ في العراق مُشكلةٌ مُزدوجة:
  • الجُزءُ الأوّل منها مُشكلةٌ وجوديّةٌ في نطاق الجانب الاجتماعي والسياسي، وحينما أتحدّثُ عن الجانب السياسي أي عن علاقة الكيان الشيعي بالنُظُم السياسيّة، بغضّ النظر هل أنَّ النظام السياسيّ في العاصمة العراقيّة نظامٌ ديني، نظامٌ دكتاتوري، نظامٌ ديمقراطي.. أيُّ لونٍ مِن ألوان الأنظمة.. إنّني أتحدّثُ عن كيانٍ اجتماعيٍّ تكونُ له علاقةٌ سياسيّةٌ واضحةٌ بحيث إذا ما تغيّرت أنظمةُ الحُكْم لا تعتدي على الكيان الشيعي ويتكرّر الأمر مثلما مرَّ في العُقود الماضية القريبة.. ومِن هُنا لابُدَّ مِن حلِّ هذهِ المُشكلة.
  • المُشكلةُ الثانية هي المُشكلةُ البُنيويّة.. وقَطْعاً هاتان المُشكلتان مُرتبطتان ببعضهما البعض.. فنحنُ لا نستطيعُ أن نحلَّ المُشكلةَ البُنيويّة مِن دُون أن نتجاوزَ المُشكلةَ الوُجوديّة.
  • ما يرتبطُ بالمُشكلةِ الوُجوديّة: لابُدَّ مِن مشروعٍ إستراتيجي يُؤسّسُ لكيانٍ شيعيٍّ يكونُ عصيّاً على أضرار النُظُمِ السياسيّة التي تتبدّل في العراق.. فنحنُ لا نملكُ دليلاً على أنَّ الوضْعَ السياسيَّ سيبقى على ما هو عليه الآن، خُصوصاً مع هذا الفشل وهذا الاضطراب.. الحكايةُ طويلة.
  • ما يرتبطُ بالمُشكلةِ الوُجوديّة: لابُدَّ مِن مشروعٍ إستراتيجي يُؤسّسُ لكيانٍ شيعيٍّ يكونُ عصيّاً على أضرار النُظُمِ السياسيّة التي تتبدّل في العراق.. فنحنُ لا نملكُ دليلاً على أنَّ الوضْعَ السياسيَّ سيبقى على ما هو عليه الآن، خُصوصاً مع هذا الفشل وهذا الاضطراب.. الحكايةُ طويلة.

  • في سنة 1429ه كتبتُ بحثاً بمثابةِ مُقدّمةٍ فكريّةٍ ومَعرفيّةٍ وقاعدةٍ ثقافيّةٍ يُؤسَّسُ عليها برنامجٌ ومشروعٌ لتشكيل كيانٍ شيعيٍّ يكونُ عصيّاً على أضرار النُظُم السياسيّة التي ستحكمُ العراق.

  • هذا البحثُ الذي أشرتُ إليه عنونتهُ بهذا العُنوان:
  • شيعةُ العراق اليوم مشروعُهم الحياتي ما بين ضروراتٍ ثلاث (الزمن – الأرض – المُعتقد)

  • هذا البحثُ المُوجَز طبعتُهُ في كُرّاسٍ صغير، ويتألّف مِن (72) صفحة.. طبعتُهُ سنة 1429ه.. وزَّعتُ قِسْماً منهُ والباقي وُزّع على المكتبات في العراق.. وقد سمعتُ أنَّ بعض أبناءِ مرجعيّة النجف جمعوهُ مِن المكتبات وأحرقوه..!
  • وما قيمتهُ أساساً حتّى يُحرقوه؟! أساساً أنا لا تأثير لي.. أنا حين كتبتُهُ وطبعتُهُ ووزَّعتُهُ لا أتوقّعُ أنَّ أحداً سيُرتّبُ أثراً على ذلك، إنّما هي مسؤوليّةٌ شرعيّةٌ أستشعرُها وأرى أن أُنفّذ هذهِ المسؤوليّة بغضّ النظر عن النتائج.
  • فأنا في عام 1413ه حين طبعتُ كتاب [الشهادةُ الثالثةُ المُقدّسة معدنُ الإسلامِ الكامل وجوهرُ الإيمانِ الحقّ] في وقتها حين كُنتُ في قُم، هُناك مِن الجهات وأعرفهم بالأسماء جمعوا كثيراً مِن هذا الكتاب مِن المكتبات ووضعوهُ في مكان وألقوا عليه زيتَ مُحرّكاتِ السيّارات المحروق..! أُتلفتْ هذهِ الكُتُب، وليس ذلك مُهمّاً ولا يُؤذيني ذلك..
  • فأنا في مقام أداء رسالتي ولا أعبأُ بالنتائج، لأنّني أساساً يائسٌ وآيسٌ مِن النتائج، فحين كتبتُ هذا، إنّني كتبتهُ لإحساسي بمسؤوليّةٍ شرعيّة ليس أكثر مِن ذلك، ونُشِر البحثُ على الانترنت ولازال موجوداً على الشبكة العنكبوتيّة وعلى موقع قناة القمر الفضائيّة.. فيُمكنكم أن تصِلوا إلى هذا البحث.
  • (وقفة أقرأ عليكم فيها ما جاء في هذا البحث المُعنون بهذا العُنوان: شيعةُ العراق اليوم مشروعُهم الحياتي ما بين ضروراتٍ ثلاث (الزمن – الأرض – المُعتقد)..) .. الشيخ الغزي يقرأ المشروع بالكامل.
  • تجدون هذا البحث على الرابط التالي: رابط الكتاب
  • ● شيعةُ العراق اليوم مشروعُهم الحياتي ما بين ضروراتٍ ثلاث (الزمن – الأرض – المُعتقد) هذا هو عنوانُ البحثِ المُوجز الذي قرأتهُ عليكم والذي كتبتُهُ بمثابةِ أساسٍ فكريٍّ لمشروعٍ عمليٍّ مُفترضٍ إذا أردنا أن نُطبّقهُ على أرض الواقع.
  • المشاريعُ الإستراتيجية لابُدَّ أن تبتني على فكْر، فمِن دُون فِكْر ليس هُناك مِن مشروعٍ إستراتيجي، وهذا مُقدّمةٌ لمشروعٍ إستراتيجي وهذا واضحٌ مِن العُنوان.
  • المشاريعُ الإستراتيجية لابُدَّ أن تبتني على أُسس، منها ما هو فِكْريٌّ، منها ما هو عقائديٌّ، منها ما هو ثقافيٌّ، منها ما هو نفسيٌّ يرتبطُ بالتكوين الوجداني لذلك المُجتمع، لِتلك الأُمّة.
  • فهذا الذي قرأتهُ عليكم كان مُقدّمةً، كان جَذْراً فِكريّاً لمشروعٍ ليس سياسيّاً، وإنّما مشروعٌ لأجلِ حماية الكيان الشيعي اجتماعيّاً، ولأجل أن يكونَ الموقفُ السياسيُّ للكيان الشيعي موقفاً مُؤثّراً في النُظُم السياسيّة التي تحكم العراق لا أن تكونَ النُظُم السياسيّةُ عابثةً بشأن الشيعةِ مِثلما جرى.. وهذا زمانٌ طويل وتأريخٌ طويل، ونحنُ لا نملكُ ضماناً أنَّ الظروفَ المُعاصرة للواقع الشيعي في هذهِ الأيّام ستستمرُّ طويلاً.. الحُكّام يتبدّلون، الأنظمةُ السياسيّة تتغيّر ولكن المُجتمعات تبقى.
  • فعلى المُجتمعات التي ابتُليتْ وتعرَّضتْ إلى ما تعرضتْ لهُ مِن الآلام والويلات أن تبحثَ عن سبيلٍ لحمايةِ كيانها.. فكانَ هذا الكلام الذي قرأتهُ عليكم بمثابةِ جذْرٍ فكريٍّ ونفسيٍّ وتنظيريٍّ لمشروعٍ بإمكاني أن أُحوّلهُ على الورق إلى جداول وأرقام وخرائط وخُطوط بيانيّة.. بإمكاني ذلك بما عندي مِن مُعطيات مُتوفّرة وبرجوعي إلى المُؤسّسات العلميّة الإستشاريّة التي تعود إليها حتّى الدول.
  • ففي عالمنا اليوم هُناك مُؤسّساتٌ وشركاتٌ استشارية على جميع المُستويات.. حتّى على المُستوى المُخابراتي والأمني، وباستطاعةِ الدُول وحتّى الأفراد يُمكنهم أن يدفعوا أموالاً ويُحصّلوا على المعلومات مِن هذهِ الشركات.. وهي مُنتشرةٌ في الولاياتِ المُتّحدة الأمريكيّة، في كندا، في بريطانيا، في استراليا، في فرنسا.. في كُلُّ الدُول المُتقدّمة والمُتطوّرة.
  • وأكبرُ الشركاتِ في العالم تعودُ إلى هذهِ المُؤسّساتِ الإستشاريّة، وحتّى الدول، هذهِ الحكومات القويّة في بعض الأحيان تشتري الإستشارة مِن هذه ِالمُؤسّسات.. فبإمكاني أن أُحوّل هذا المشروع إلى واقعٍ رقميٍّ ومُوثّقٍ ومُجدول.. ولكنّني كما قُلت هي خيالات.
  • وحتّى هذهِ المُقدّمة الفِكْرية التي قرأتُها عليكم لو أردنا أن نتبنّاها في هذا الوقت فهي بحاجةٍ إلى تغيير.. هذا كلامٌ كُتِبَ في ظُروفٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ تختلفُ عن الظُروف التي نحنُ في أحضانها.. أنا عرضتُ هذهِ المُقدّمة الفكريّة بين أيديكم لأقول أنَّ أجوبتي الحقيقيّة ليستْ هي التي أقولُها لعامّةِ الشيعةِ أن يعودوا إلى مراجع التقليد.. هذا ليس بجواب، هذا تعيينٌ لوظيفةٍ عمليّة وسيأتي بيانُ ذلك، وإلّا فجوابي هو هذا: أن يتغيّر الواقعُ الشيعي.
  • ● قبل قليلٍ قُلت لكم أنَّ مُشكلة الشيعة في العراق مُشكلةٌ مُزدوجة، الجُزءُ الأوّل منها مُشكلةٌ وُجوديّة والمُشكلة الوُجوديّة لا تُحلُّ إلّا بهذا المشروع، بمشروعٍ يحمي الكيان الشيعي.
  • أشرتُ إلى الخُطوطِ العامّة لهذا المشروع وبيّنتُ الأُسس الفِكريّة والعقائديّة العامّة أيضاً لهذا المشروع فيما قرأتهُ عليكم.. هذا ما يرتبطُ بالمُشكلة الوجوديّة.
    الجُزءُ الثاني مِن المُشكلة هو مُشكلةٌ بُنيويّة والمُشكلةُ البُنيويّة هي مُشكلةٌ عقائديّةٌ فكريّةٌ ثقافيّة لا كالمُشكلةِ الوُجوديّة.. المُشكلةُ الوجوديّة هي اجتماعيّةٌ سياسيّة، أمَّا المُشكلةُ البُنيويّة هي مُشكلةٌ عقائديّةٌ ثقافيّةٌ فِكريّة.. المُشكلةُ البُنيويّة لن تُحلّ إلّا بالعمل المُؤسّسي.
  • ● نحنُ شيعةُ العراق مُجتمعٌ دينيُّ التفكير، قد لا يكونُ الأعمُّ الأغلب مِن شيعةِ العراق مُتديّنين عمليّاً، حتّى الشيوعي وحتّى العلماني لا يستطيعُ أن يُفلتَ نفسهُ بالكامل مِن الأثر الديني الشيعي.. ربّما يُكابرُ على ذلك، تلكَ قضيّةٌ تخصّهُ، ولكن بنحوٍ عام بُنيةُ الشيعةِ في العراق بُنيةٌ ثقافيّةٌ دينيّة، ومصادرُ هذهِ الثقافة هي المُؤسّسةُ الدينيّةُ الشيعيّةِ الرسميّة، وهذهِ المُؤسّسةُ تُعاني مِن مشاكل كثيرة.
  • نحنُ بحاجةٍ إلى مأسسةِ واقعنا الشيعي، ولا أتحدّثُ هُنا عن مُؤسّساتٍ حُكوميّة، فأنا مِثل ما قُلتُ قبل قليل إنّني أتحدّثُ عن مشروعٍ اجتماعي ليس بديلاً عن الدولة وليس بديلاً لنظامٍ سياسيٍّ مُعين.. إنّني أتحدّثُ عن مشروعٍ تتحدّدُ فيه معالمُ الكيان الشيعي مع التواصل مع الجوّ السياسي، فلا يُوجد هناك انفصام.. إنّني أتحدّثُ عن كيانٍ اجتماعيٍّ شيعي مِثلما عاش الشيعةُ عِبْر القُرون لهم أجواءُهم الحُسينيّة، لهم حوزاتهم الدينيّة، لهم زعاماتهم المرجعيّة، لهم وسائلهم، لهم مُفرداتهم، لهم منظومتهم العشائريّة.. نحنُ بحاجةٍ إلى مُعايشةٍ مع هذهِ التغيّيراتِ الهائلةِ في العالم.. أن نُؤسّس كياناً شيعيّاً اجتماعيّاً للخلاصِ مِن مُشكلتنا الوُجوديّة.. وأن نقومَ بعمليّة مأسسةٍ في واقعنا الديني والعقائدي والثقافي للخلاصِ مِن مُشكلتنا البُنيويّة.. ولِذا نحنُ بحاجةٍ إلى مجموعةٍ مِن المُؤسّسات.
  • ● نحنُ بحاجةٍ إلى مأسسةِ منظومةِ المرجعيّة وإلى وضع شُروط أن يكون المرجع على ثقافة عالية.. المرجعيّةُ في وضعها الحالي تُشكّل مُشكلةً كبيرة للواقع الشيعي، لابُدَّ مِن مأسسةِ منظومةِ المرجعيّة.. ليس بالضرورةِ أن يكون للشيعةِ مرجعٌ واحد، إذا توفّرت الشروط فذلكَ أمرٌ جيّد، ولكن إذا لم تتوفّر الشروط في شخصٍ واحد فيُمكن أن يتعدّد المراجع.. أساساً حتّى في الرسائل العمليّة هناك بابٌ يذكرهُ نفس المراجع وهو “بابُ التبعيض في التقليد” فيُمكن للشيعي أن يُقلّد عدّة مراجع في وقتٍ واحد.
  • وحتّى إذا رجعنا إلى الكتاب الكريم، فإنَّ القرآن يقول في الآية 122 مِن سُورة التوبة: {وما كانَ المُؤمنون لينفروا كافّة فلولا نفَرَ مِن كُلّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقَّهوا في الدين وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون}
  • الكلام كلّه بالجمع، فلم تتحدّث الآية عن شخصٍ واحدٍ بالمُفرد.
  • الآية تقول: {وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} الحديث عن مجموعة.. فليسَ بالضرورةِ أن تكونَ المرجعيّةُ في شخصٍ واحد.. وحتّى في النصِّ الذي يُؤسّسُ عليهِ المراجع مُصطلح المرجعيّة، فإنّهُ يقول: (وأمَّا في الحوادثِ الواقعة فارجعوا فيها إلى رُواةِ حديثنا فإنّهم حُجّتي عليكم..) فالحديث عن جمع وليس عن شخصٍ واحد.
  • فعلينا أن نُمأسسَ منظومةَ المرجعيّة.. وبما أنَّ أكثرَ المشاكل عندنا في الواقع المرجعي هي مِن أبناء المراجع وأصهارهم وأقربائهم، فلابُدَّ أن يكونَ هُناك نظام يمنع المرجع مِن أن يعتمد على أحدٍ مِن أُسرتهِ في إدارةِ أمور الأُمّة.
  • هذا لا يعني أنَّ جميع أفرادَ أُسُر المراجع سيّئون، ولكن لأنَّ الشُبهة قائمة، فلدفع هذهِ الغائلة ولِدفع هذه المُصيبة التي حلّتْ بالواقع الشيعي لابُدَّ أن يُبعَد أقرباء المرجع عن منظومة المرجعيّة.
  • هل عقُمتْ أرحامُ نساءِ الشيعةِ أن تأتيَ برجالٍ أكفّاء يُديرون منظومة المرجعيّة ويُساعدون المراجع.. إلا أن يكونَ الأمر مُنحصراً بأولادهم وأصهارهم..؟!
  • سُؤال: هل يُوجَدُ في النجف – عِبْر تأريخها مُنذ أن أسّس الطوسي الحوزة فيها – هل يُوجد في النجف بناية يجلسُ فيها العُلماء لانتخاب المرجع؟
  • الجواب: لا يُوجد.
  • 1 – في النجف لا يُوجد نظام داخلي وقوانين لانتخاب المرجع.. حالةٌ فوضويّة، إمَّا بالوراثة، وإمَّا بتأييد حكومةٍ سياسيّة مُعيّنة، وإمَّا بسبب كثرة الامتلاكِ للأموال.. لا يُوجد هناك نظام.. هُناك فوضى بتمام معنى هذهِ الكلمة..! وكُلّ مرجعٍ يأتي يأتينا بفوضى، يموت هذا المرجع فيأتي المرجع الأوّل بفوضى أبنائهِ وأصهاره.. وللخلاص مِن هذا نحتاجُ إلى مأسسةِ العمل.
  • 2 – نحنُ لا يُوجد عندنا نظام وقانون مكتوب.. مراجعنا يكتبون الرسائل العمليّةَ لبُسطاء الناس وهُم لا يكتبون لأنفسهم نظاماً..! لأنّها فوضى ولأنّها عَبَثيّة.. ويضحكون على الناس بعد ذلك أنَّ الإمام الحُجّة انتخب هؤلاء المراجع..!
  • 3 – ونحنُ بحاجةٍ أيضاً إلى مأسسةِ النظام الدراسي والمناهج التعليميّة.. بحاجة إلى مُؤسسةٍ تُغيّرُ النظامَ الدراسيَّ إلى نظامٍ أكاديميٍّ كما هو في الجامعات العالميّة وإلّا سيبقى التخلّفُ والتحجّرُ يضربُ أطنابهُ في الواقع الشيعي، وسيبقى هؤلاء المُعمّمون المُتخلّفون المعتوهون يضحكون على الشيعة، ولابُدَّ مِن الاستعانة بالخِبرات الحِرفيّة الأجنبيّة لتأسيس جامعات كالجامعات الأكاديميّة في العالم.. ولابُدَّ مِن تغيير المناهج التعليميّة.. وأنا هُنا لا أُريد أن أقترحَ منهج أهل البيت ولكن أقول: فلتبقَ هذهِ المناهج الناصبيّة القذرة، ولكن على الأقل أشركوا فِكْر أهل البيت.. اجعلوا فكْر أهل البيت موجوداً في الحوزة، لأنَّ الحوزة ليس فيها شيء مِن فِكْر أهل البيت إطلاقاً.. كُلُّ ما فيها مُنافرٌ لآل مُحمّد..!
  • 4 – ونحنُ أيضاً بحاجةٍ إلى مُؤسّسةٍ للتقويم والتوقيت الزماني حتّى ننتهي مِن مُشكلةِ الهلال وننتهي مِن مُشكلة أوائل الشُهور وأواخر الشُهور.. لابُدَّ مِن وُجود مُؤسّسةٍ واحدة فيها مَن لهُ خبرة في الفِقه والتشريع، وفيها مَن له خبرة بعُلوم الفضاء المُعاصرة.. وهذهِ المُؤسّسة لها ضوابط ولها نظام داخلي، هي التي تُصدر التوقيتات والتقويمات والمُناسبات الدينيّة والأعياد وينهي الأمر.. ومُؤسّسة المرجعيّة تلتزم بما تُصدرهُ هذه المُؤسّسة.
  • 5 – لابُدَّ مِن مأسسةِ العمل الحُسيني على الأقل في المجال الإعلامي.. لا أن نضعَ قوانين لطقوس الناس وشعائرهم، ولكن لابُدَّ مِن مُؤسّسةٍ إعلاميّةٍ تبثُّ وعياً حُسينيّاً مُعيّناً.. على الأقل في فترة مُحرّم وصفر إلى نهاية صفر وأيّام زيارة الأربعين.. في كُلّ سنة هُناك شعارات مُعيّنة، هُناك بثّ لأحاديث ولإنتاج أفلام ومُسلسلات لِصناعة أجواء حُسينيّة على الأقل في هذين الشهرين.
  • 6 – ونحنُ بحاجةٍ أيضاً إلى مُؤسّسةٍ للطباعةِ والنشر والترجمة.. هذهِ مُؤسّسةٌ مُهمّةٌ جدّاً تحتاجُها المُؤسّسة المرجعيّة.
  • هذهِ صُورةٌ مُوجزةٌ مُختصرة.. في عُمْق هذهِ الأجواء تتشكّل المكاتبُ المرجعيّة بشخصٍ أو بعدّةِ أشخاص والتي بِحَسَب الشرائط التي تُشترطُ في مرجع التقليد أن لا يكون مُخالفاً لمنهج العترة الطاهرة ولو بالإجمال.
  • سيتحقّقُ حلٌّ حينئذٍ للشيعةِ في أن تكون لهم مُؤسّسةٌ دينيّةٌ تطرحُ الآراء المُختلفة، ولا نبقى نعيشُ على هذا النظام الكهنوتي المُتعفّن الذي أفسد في الواقع الشيعي ما أفسد.
  • هذا هو الجوابُ الأوّل إذا أردتُ أن أُجيب، وإن جعلتهُ أعور لأنّني قبلتُ المناهج الناصبيّة.. وإلّا في الحقيقةِ أنا أرفضُها رفضاً قاطعاً، وأقول لابُدَّ أن تكونَ المناهجُ مناهج آل مُحمّد.. ولكنّني قبلتُها هكذا عَرَضاً في جوّ الحديث.
  • هذا هو جوابي الأوّل وأنا أجمعهُ مِن ألفهِ إلى يائهِ وأُلقيه في المزبلة.. لأنَّهُ جوابٌ عبارة عن خيالاتٍ وأحلامٍ، لا حقيقةَ لهُ على أرض الواقع، ولِذا أنا لا أجيبُ أحداً مِن الشيعةِ بهذا الجواب مع أنّهُ هو جوابي الحقيقي.
  • ● هُناك جوابٌ ثانٍ يرتبطُ بأولئكَ الذين يصِفون أنفُسهم بأنّهم خُدّامُ الحُسين وبأنّهم زهرائيّون، مهدويّون، حُسينيّون.. هُناك حلٌّ يرتبطُ بهؤلاء سأتحدّثُ عنه في حلقة يوم غد.

تحقَق أيضاً

الجزء ٢ والأخير

تقدّمَ الجُزءُ الأوّل حيثُ ناقشتُ بيانَ المرجعيّةِ الدينيّةِ العُليا في النجف الأشرف الذي …