يا حسين البوصلة الفائقة – الحلقة ٢ – نافذةٌ صغيرةٌ على معنى عرفانِ حقّ الحسين

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 2 محرّم 1440هـ الموافق 12 / 9 / 2018م

  • (يا حُسين) جوابٌ لِسُؤالٍ أطلقهُ أبو السجّاد في يوم عاشوراء: (هل من ناصرٍ ينصرني؟)

  • مرَّ الحديثُ في الحلقةِ المُتقدّمة في هذهِ الأجواء، ولا زالَ الحديثُ يتدافعُ مُتواصلاً في أفنيةِ عاشوراء.
  • ● وصلتُ إلى هذهِ النُقطة وهي: أنّنا حِين نُطلقها صرخةً، نداءً، تعبيراً بأيّ لونٍ مِن ألوان التعبير والإنشاء والحديث: (يا حُسين) إنّنا نُعلنُ نُصْرتَهُ.. ونُصرةُ الحُسين مثلما مرَّ الكلامُ في الحلقةِ الماضية هي نُصرةُ مشروعه.. فالحُسينُ الحُسينُ بما هو هو ليس مُحتاجاً لِنُصرتنا.. يحتاجُنا لِنُصرةِ مَشروعهِ الذي نحتاجهُ نحنُ، فنصرة الحُسين نُصرةٌ لأنفسنا.
  • ● خُلاصةُ القول:
  • نُصرةُ الحُسين هي نُصْرةُ مشروعهِ، ويتجلَّى ذلك بالنسبةِ لواقعنا الذي نَعيشهُ اليوم يتجلّى في إحياءِ أمره، وإحياءُ أمر الحُسين هو إحياءٌ لأمر مشروعهِ، و ما إقامةُ الشعائرُ الحُسينيّة إلّا مِصداقٌ بارزٌ وواضح لإحياء أمرِ الحُسين ولِنُصرةِ مشروعهِ العملاق.. لكن هُناك أمرٌ لابُدّ أن نلتفت إليه وهو أنَّ الشعائر على نوعين:
  • النوع الأوّل مِن الشعائر هو: الشعائر الحُسينيّةُ الشيعيّة.
  • وهي الشعائر التي يقترحُها الشيعةُ ويُحبّون إقامتها ويُصرّون على إحيائها، وهي الشعائرُ التي لا يشترطونَ في إقامتها وفي أدائها أن يكونَ القائمُ عليها وأن يكونَ المُنفّذَ لها عارفاً بحقّ الحُسين وذلكَ أمرٌ راجعٌ إلى الشيعةِ.. ولا شأنَ لي بشعائر يقترحُها الشيعة.. يُثابون ويُؤجرون عليها بِحَسَب نواياهم.
  • إنّني أتحدّثُ عن النوع الثاني مِن الشعائر وهي: الشعائرُ الحُسينيّة المهدويّة.
  • فالنوع الثاني مِن الشعائر هو: الشعائرُ الحُسينيّة المهدويّة.
  • وهي الشعائر التي يُريدها الحُسين والتي تكون نُصرةً لِمشروعهِ.. وهذه الشعائر هي الشعائر المشروطةُ بمعرفةِ الحُسين.. وهذا موضوعٌ طويلٌ عريض.
  • إنّني هُنا لا أتحدّثُ عن نوعٍ مِن أنواع المُمارساتِ والأفعالِ والطُقوس.. إنّني أتحدّثُ عن المضمون.. فالشعائرُ التي عنونتُها بـ(الشعائر الحُسينيّة الشيعيّة) يُمكن أن تكون هي هي وبكُلّ تفاصيلها يُمكن أن تكونَ الشعائرَ الحُسينيّة المهدويّة إذا اشتملت على المضمون.

  • أبرزُ الشعائر الحُسينيّة (إن كانت شيعيّة أو كانت مهدويّة) : الزيارة.

  • الزيارةُ هي العنوانُ الأوسعُ في كُلّ ثقافتنا الحُسينيّة.
  • إذا أردنا أن نعودَ إلى ما بأيدينا مِن أحاديثِ العِترة في أجواء الحُسين، فإنَّ العُنوان الأوّل (الزيارة) وبقيّةُ العناوين تأتي بعد ذلك.. بل هي جُزءٌ في سياقها وهي جُزءٌ منها.
  • لستُ بِصددِ الحديثِ عن أنواع الشعائرِ التي وردتْ في أحاديثِ العترة الطاهرة، وإنّما أخذتُ الزيارةَ لأنّها العُنوانُ الأبرز.. وحِين تحدّثوا “صلواتُ اللهِ عليهم” عن زيارةِ الحُسين تحدّثوا عن لونينِ مِن الزيارة: تحدّثوا عن زيارةٍ حسينيّةٍ شيعيّة ليستْ مشروطةً كما يُريدونَ هُم.. فهم “صلواتُ اللهِ عليهم” يشترطون هذا الشرط: (مَن زار الحُسين عارفاً بحقّه..) هذا هو شرطُهم.. هذهِ هي الزيارةُ الحُسينيّة المهدويّة.
  • ● زيارةٌ تُسجَّلُ في ديوان الشيعة.
  • ● و زيارةٌ تُسجَّلُ في ديوان القائم مِن آل مُحمّد.
  • — الزيارةُ للحُسين مِن دُون معرفةِ حقّهِ.. تلكَ زيارةٌ شيعيّةٌ يُؤجَر عليها الإنسان، ولكنّني لا أتحدّثُ عنها هُنا، فهذا شأنٌ شيعيٌّ.
  • أمَّا الزيارة التي يُريدها إمامُ زماننا فهي الزيارةُ المشروطةُ بعِرفان حقّ الحُسين.. وهذا الأمرُ ينجرُّ على سائر الشعائر الحُسينيّة.. فإذا كانتْ الشعائرُ الحُسينيّة مقرونةً بِمعرفةِ حقّ الحُسين كانتْ تِلكَ الشعائرُ شعائرُ حُسينيّةً مهدويّة، فإنْ لم تكنْ فإنّها شعائرُ الشيعة، وليسَ الحديثُ عن الأجر والثوابِ وما يتفرّعُ عن هذهِ المضامين.. الحديثُ عن معرفةٍ حُسينيّةٍ مهدويّة.

  • وقفة عند رواية الإمام الكاظم في كتاب [كامل الزيارات] الباب (54) والتي قرأتُها عليكم في حلقة يوم أمس:

  • (عن فائد – الحنّاط – عن إمامنا مُوسى بن جعفر “صلواتُ اللهِ عليه”، يقولُ فائدُ الحنّاط: دخلتُ عليهِ – أي الإمام الكاظم “عليه السلام” – فَقُلتُ لَهُ جُعِلْتُ فِداك، إنَّ الحُسين قَد زارهُ الناس مَن يعرفُ هذا الأمْر ومَن يُنْكِرهُ، و ركبتْ إليهِ النساء، و وقَعَ حالُ الشُهرة – يعني اشتُهِر الذين يزورونه “سواء بقصدٍ أو مِن دُون قصد” فالزمان زمانُ تقيّةٍ شديدة – وقد انقبضتُ مِنهُ – أي امتنعتُ عن زيارتهِ بسبب ما يجري – لِما رأيتُ من الشُهرة، قال: فَمَكثَ مليّاً لا يُجيبني، ثُمَّ أقبل علي فقال: يا عراقي إنْ شهروا أنفُسَهم فلا تشهر أنتَ نفسَكَ، فو اللهِ ما أتى الحُسين آتٍ عارفاً بحقّهِ إلّا غَفرَ اللهُ لَهُ ما تقدَّم مِن ذنبهِ و ما تأخَّر)
  • ● قولهِ: (مَن يعرفُ هذا الأمْر ومَن يُنْكِرهُ) كما قُلتُ في حلقةِ يوم أمس، فليسَ المُراد مِن قولهِ “مِن يُنكرهُ” يعني أنّهُ مُعادٍ للحُسين، ليس المُراد هذا المعنى، وإلّا كيف يزورُ الحُسين..؟! ولكن يقعُ تحتَ هذا العُنوان كثيرٌ مِن الشيعةِ وكثيرٌ مِن المُخالفين أيضاً.. لأنَّ الإنكار على درجات كما يُشير إلى ذلك إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في رسالتهِ المُوجّهة للشيعة حِين يقول: (طَلَبُ المعارفِ مِن غَير طَريقنا أهل البيت مُساوقٌ لإنكارنا).
  • فهذا إنكارٌ يُمارسهُ كبارُ مراجع الشيعة حينما يطلبون المعارف مِن المُخالفين.. والواقعُ الفقهيُّ والعقائديُّ والحوزويُّ والمرجعيُّ الشيعيّ يُشيرُ إلى هذهِ الحقيقة..! فتحتَ عُنوانُ الإنكار يقعُ الكثيرُ مِن الشيعةِ والكثيرُ مِن المُخالفين أيضاً..!
  • ● قول فائد الحنّاط وهو يتحدّث عن الإمام: (فَمَكثَ مليّاً لا يُجيبني) الإمام فعل ذلك عن قصد.. فهذهِ وسيلة مِن وسائل التنبيهِ الشديد.
  • ● قول الإمام: (فو اللهِ ما أتى الحُسين آتٍ عارفاً بحقّهِ إلّا غَفرَ اللهُ لَهُ) الإمام هُنا يُقسم لأنَّ أحاديثهم بيّنتْ لنا أنَّ أدنى ما ينالهُ زائر الحُسين “العارفُ بحقّه” أدنى ما ينالهُ هو أن يُغفَر ذنبهُ ما تقدّم منه وما تأخّر.. ولِذا فالإمام هُنا يُقسِمُ.
  • فإنَّ الإمام لم يُقسِم على المراتب العالية التي قد ينالُها الزائرُ العارفُ وقد لا ينالُها، لأنَّ مراتب الأجرِ بِحَسَب المعرفة وبِحَسَب النيّة، ومعرفةُ العارفين بالحُسين مُختلفة، ومَراتبُها لا تُعدُّ ولا تُحصى، والنوايا مُتباينة.. لكنَّ الإمام أقسمَ على هذا الحدّ وهذا المُستوى: مغفرةُ ما تقدَّم مِن ذنبٍ وما تأخّر للزائر العارف بِحقّ الحُسين، لأنَّ هذا هو أدنى ما ينالهُ الزائرُ العارف.
  • مع مُلاحظة أنّني حينما أتحدّثُ عن هذا العُنوان (الزائرُ العارف) فإنّني لا أستعملُ هذا العُنوان كما يستعمِلهُ العرفانيّون، فلا شأن لي بهم.. وإنّما أتحدّث بهذا العُنوان بِحَسَب اصطلاح آل مُحمّد، وبِحَسَب وصفهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” لا بِحَسَب وصف العُرفاء مِن صُوفيّة الشيعة.
  • ● الرواية تتحدّث عن نوعين من الزيارة:
  • — زيارة العارف بحقّ الحُسين.
  • — و زيارة المُحبّ للحُسين (مِن الذين يُعدَّون في شيعةِ الحُسين، ومِن الذين يُعدّون خارج هذا الوصف وخارج هذا الإطار).
  • الزيارةُ التي يُريدُها إمامُنا الكاظم، ويُريدُها رسولُ الله، وتُريدُها الزهراء، ويُريدُها صاحبُ الأمر هي الزيارةُ المشروطةُ بعرفانِ حقّ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. وهذا المعنى يجري على سائر الشعائر الحُسينيّة.
  • ● شعائرنا الحُسينيّة يا خُدّام الحُسين، إنْ كانتْ هذهِ الشعائر مُستندةً إلى هذا الشرط: (إلى معرفة حقّ الحُسين) فَهذهِ هي الشعائرُ المطلوبةُ التي يتحقّقُ فيها معنى نُصْرةُ مَشروع الحُسين.. إنّها الشعائرُ الحُسينيّةُ المهدويّة.
  • أمَّا الشعائرُ التي يأتي بها الشيعةُ بأيّةِ نيّةٍ وتحتَ أيّ عنوان وما هي بمشروطةٍ بهذا الشرط، فذلكَ شأنُهم وهُو أمرٌ راجعٌ إليهم، وأنا لا أعبأُ بهذا الموضوع ولا أُريدُ الحديث عنه.. حديثي عن الشعائر الحُسينيّة المهدويّة.. إنّها الشعائرُ المشروطةُ بِمعرفةِ حقّ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • ● الخُلاصة من كُلّ ما تقدّم:
  • إنّنا حين نقول: (يا حُسين) نُعلنُ نَصْرنا للحُسين، ونُعلنُ استجابتَنا لِندائه: (هل مِن ناصرٍ ينصرُني) ونَحنُ نُجيب: (لبّيك داعي الله، إنْ كان لم يُجِبكَ بَدَني عند استغاثتكَ ولساني عند استنصاركَ فقد أجابكَ قلبي وسَمْعي وبَصَري..) مِثلما جاءَ في نصِّ الزيارةِ الرجبيّة والشعبانيّة وهي الزيارةُ المخصوصةُ الأولى مِن زيارات الحُسين المَخصوصة بحَسَب ترتيبِ كتاب مفاتيح الجنان.

  • حِين نتحدّثُ عن عرفان حقِّ الحُسين ومَن زارَ الحُسينَ عارفاً بحقّه مِثلما جاء في كلماتهم الشريفة.. ما المُراد من ذلك؟

  • بنحوٍ مُوجزٍ ومُجمَل.. أقول:
  • مَعرفتُنا بحقّ الحُسين قَطْعاً بِحَسَبنا.. مرَّةً نتحدَّثُ عن معرفةِ الحُسين وعن معرفةِ حقِّ الحُسين بِحَسَبهِ هو.. فهذا أمرٌ يتجاوز عُقولنا، ولا أُريدُ أن أتوجّه إلى هذهِ الجهة في الحديثِ والكلام.
  • ولاحظوا دِقّة عباراتِ الأئمةِ حين يقولون: (مَن زار الحُسين عارفاً بحقّه..) فهم يقولون: (عارفاً بِحقّهِ) وليس (عارفاً بهِ) لأنَّ المعرفةَ بالحُسينِ بابُها مَسدود.. الحديثُ هُنا عن معرفةِ حقّهِ، وهذا هو الذي يلزمنا نحنُ ويُلزِمُنا وذلك يتحقّقُ مِن خلال مَعرفتنا بالحُسين بِحَسَبنا، مِن جهتنا، وفقاً لِمداركنا، ووفقاً لِعُقُولنا، ووفقاً لِما يجري ويدورُ في مكنونِ ضميرنا وفي أجواءِ قُلوبنا.. فحينما نتحدّثُ عن معرفةِ حقّ الحُسين إنّهُ بِحسبنا.. هذهِ النُقطة الأولى التي لابُدّ أن نلتفتَ إليها.. فحينما نُريد أن نتحرّك بهذا الاتّجاهِ لابُدَّ أن نكون على علمٍ بالطريقةِ التي نتحرّكُ بها.
  • معرفتنا بالحُسين مِن حيثُ هو بِحَسَبهِ هذا شيءٌ بعيدٌ عن منالنا، ولِذا فَإنّني سأتركهُ وأفرُّ منه.. وإنّما سأبحثُ في هذهِ الجهة: معرفةُ الحُسين مِن حيثُ أنا وبِحَسَبي أنا ووفقاً لِمداركي وعقلي.. وهذا ينطبقُ على الجميع.

  • هل هناك مِن درجةٍ واحدة من درجاتِ معرفةِ الحُسين؟

  • الجواب: أبداً.. فَالدرجاتُ لها بداياتٌ ولا نهايةَ لها.. عُقولُ الناس مُختلفة، نوايا الناس مُختلفة، قُلوبُ الناس مُختلفة، الناسُ مُختلفون ومعرفةُ كُلُّ إنسانٍ بِحَسَبه.. ولِذا فَإنَّ مَراتبَ الناس في يومِ القيامة في الجنانِ أو في النيران كُلٌّ بِحَسَبه، والحسابُ يَجري بحَسَب كُلِّ إنسانٍ وبِحَسَب مَرتبةِ عَقْلهِ، وبِحَسَب ماذا يجري في قلبهِ ومكنونِ ضميره.
  • فالمعرفةُ إذاً بِحَسَبنا والمعرفةُ لا حُدود لها.. يُمكن أن تكونَ هُناك بداية، فَحينما يسألون الأئمةَ عن مَعرفةِ حقِّ الإمام المعصوم (عارفاً بِحقّهِ) فَإنّهم يُجيبون: بأنَّ نَعرف أنَّ الإمام “حُجّةٌ مِن اللهِ مُفترضُ الطاعةِ” وهذا العُنوان عُنوانٌ كبيرٌ جدّاً.. لكنّنا إذا أخذنا المعنى الّلغوي في بداياتهِ والذي هُو في حواشي المعنى الحقيقي يُمكن أن يُشكّل ذلكَ مُقدّمةً للخُطوةِ الأولى في مَسيرةِ معرفةِ حقِّ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • أمّا كيف نَعرفُ الحُسين؟ وما هي الوسائلُ التي تُعينُنا في الوصولِ إلى هذهِ الغاية، فهذهِ المطالبُ سأتحدّثُ عنها بنحوٍ مِن التفصيل في بعض الجهات، وبنحوٍ مِن الإجمالِ في جهاتٍ أُخرى في حَلَقاتِ هذا البرنامج.

  • معرفةُ حقّ الحُسين تتوقّف على أمور:

  • مِن هذهِ الأمور التي تتوقّف عليها معرفةُ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وبالتحديدِ ما جاء في كلماتهم الشريفة: “أن نكونَ عارفين بحقّ الحُسين” صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه.. إنّنا نحتاجُ إلى التوفيق أوَّلاً وآخراً، ومَصدرُ التوفيق مَصدرٌ واحد: هُو إمامُ زماننا الحُجّة بن الحسن “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • فنحنُ بِحاجةٍ إلى التوفيق أوّلاً وآخر.. والتوفيقُ لُطْفٌ وجُودٌ وسخاءٌ مِن إمام زماننا، ولِهذا التوفيقِ مُقدّماتٌ نستطيعُ أن نستجلِبَ بها التوفيق، مِن هذهِ المُقدّمات:
  • التوجّهُ الصادقُ لإمام زماننا، ومُرادي مِن التوجّهِ الصادق لإمامِ زماننا هُو المضمون الذي نُردّدهُ في دُعاء النُدبة الشريف: (أين وجه اللهِ الذي إليه يتوجّه الأولياء؟)
  • الخُطوةُ الأُولى في تَحقيقِ هذا المعنى أن يكونَ إمامُ زماننا هو الأولويّةُ التي لا تُشاركُها أولويّةٌ أُخرى في حياتنا على جميع المُستويات.
  • التوفيق يأتي مِن هُنا، حينما نكونُ صادقين في توجّهنا لإمام زماننا : (أين وجه الله الذي إليه يتوجّه الأولياء؟) وأن نكونَ صادقين بعَهد الولاية والإمامة.. ولِذا فإنَّ إمامَ زماننا حِين كَتَب للشيخ المُفيد رسالةً يتحدّثُ فيها عن مراجع الشيعةِ وعن فُقهائها وعُلمائها، جاءَ في هَذهِ الرسالة:
  • (ومعرفتُنا بالزلل الذي أصابكم، مُذ جنح كثيرٌ منكم إلى ما كان السلفُ الصالح عنه شاسعاً و نبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون..)
  • الإمام الحجّة يُوجّهُ الخطاب في هَذهِ الرسالةِ بشكلٍ مُباشر إلى الشيخ المُفيد وعِبْره إلى مراجع الشيعة في ذلك الزمان وعِبْر الزمن الطويل.
  • ● قولهِ: (مُذ جنح كثيرٌ منكم إلى ما كان السلفُ الصالح عنه شاسعاً) ذلكَ حينما ركضَ مَراجعنا مُنذُ بداياتِ عَصْر الغَيبةِ الكُبرى إلى العُيون الكدرة، إلى الثقافةِ الناصبيّةِ المُخالفةِ للعترة الطاهرة.. فالإمام في هذهِ العبارة يُشير إلى هذا المعنى.
  • علماً أنَّ أكثرَ مراجعِ الشيعة بحَسَب هذهِ الرسالة في أوائلِ زمان الغَيبة الكُبرى نبذوا العهد المأخوذَ منهم وراء ظُهورهم كأنّهم لا يعلمون.
  • العهدُ المأخوذُ علينا هُو عهدُ الولايةِ والإمامة، والفِقْرةُ الأولى في هذا العهد هي: أن تكونَ مَعرفتُنا منهم فقط.. مصدرُ المعرفة هُم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” فقط.
  • أمّا مراجعنا بِحَسَب رسالةِ إمامِ زماننا إلى الشيخ المُفيد فإنَّ أكثرَهُم نبذوا هذا العهد وتركوه وراء ظُهورهم..!
  • ● فَنحنُ بحاجةٍ إلى التوفيق، والتوفيقُ مصدرهُ واحد هو: إمام زماننا الحُجّة بن الحسن.. وننالُ التوفيق مِن خلالِ توجُّهنا الصادق لإمام زماننا، ومِن خِلالِ وفائنا الصادق لِعَهْد الإمامةِ والولاية، وأبرزُ نُقطةٍ في ذلك: أن تكونَ مَعرفَتُنا مِن العُيون الصافية التي يذكرها سيّد الأوصياء في حديثهِ الشريف في [الكافي الشريف: ج1] – باب معرفة الإمام والردّ إليه، والحديثُ عن صادق العترة عن أمير المؤمنين.. يقول سيّد الأوصياء “عليه السلام”:
  • (ولا سواء‌، حيثُ ذهب الناس إلى عُيونٍ كَدِرة يفرغ بعضُها في بعض، وذهبَ مَن ذهب إلينا إلى عُيونٍ صافية تجري بأمر ربّها، لا نفادَ لها ولا انقطاع)
  • فنحنُ بحاجةٍ إلى التوفيق أوّلاً وآخراً، وبِحاجةٍ إلى أن تكونَ مَعرفتُنا مِن العُيون الصافية.. لا كما يجري الآن على مَنابرنا وفي فضائيّاتنا وفي حوزاتنا.. إنّهم يعرفون الحُسين مِن خلال ما يشربون مِن العُيون الكَدِرة القذرة.. تركوا العُيون الصافية.. فكيفَ يستطيعونَ حينئذٍ أن يعرفوا حقّ الحُسين؟!
  • ومِن هُنا نشأتْ شعائر حُسينيّة شيعيّة، والأئمة يُريدون منّا أن تكونَ شعائرُنا الحُسينيّة شيعيّةً مهدويّة، وهذا لا يتحقّق إلّا بتحقّق هذا الشرط: أن نكون عارفين بِحقّ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • ● وهناك أمرٌ ثالث: نَحنُ بحاجةٍ إلى سعيٍ مُتواصل لأجل أن نُحقّق هذهِ المُقدّمات والوسائل: (التوجّهُ الصادق، الوفاءُ الصادق بعهد الولايةِ والإمامة، والحرصُ الأكيد والشديد على أن تكونَ ثقافتُنا وأن تكون معرفتنا في أصلها وفي مَصدرها مِن العُيون الصافية…)

  • في زيارة عاشوراء هُناك مُمازجةٌ واضحةٌ جدّاً فيما بين مَعرفتنا بالحُسين ومعرفتنا بإمام زماننا.. إذا عرفنا الحُسين عرفنا إمامَ زماننا.

  • نحنُ يجبُ علينا أن نعرفَ إمام زماننا، ومعرفتُنا بإمامِ زماننا، معرفتُنا بحقّهِ ومعرفتُنا بمشروعهِ تتوقّفُ تماماً على مَعرفتنا بحقّ الحُسين.
  • زيارةُ عاشوراء هذا النصُّ تتمازجُ فيه معرفتُنا بالحُسين معَ معرفتِنا بإمامِ زماننا.. وهذا ما سأُحدّثُكم عنهُ في حلقةِ يوم غد.. لكنّني أأخذُ عِبارتين وأُشيرُ إلى مَوضعينِ واضحينِ في هذا النصّ الوجيز.
  • فزيارةُ عاشوراء نصٌّ مُختصر.. نصٌّ وجيز.. قد تكونُ طويلةً بسبب الّلعن المئوي والسلام المئوي.. لكنّنا إذا أردنا أن ننظر إلى نصّها بعيداً عن هذهِ الأرقامِ والأعداد فإنّها نصٌّ مُركّزٌ مُوجزٌ مُختَصر.. ومع ذلك فهُناك موضعانِ صريحانِ يتحدّثانِ عن إمامِ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. أمّا بقيّةُ المضامين في كُلّ أرجاءِ الزيارةِ فهذا ما سأُحدّثكم عنهُ في حلقةِ يومِ غدٍ إن شاء اللهُ تعالى.
  • ● جاء في زيارة عاشوراء في هذا الموطن والزائرُ يُخاطِبُ سيّد الشُهداء.. يقول:
  • (فَأسألُ اللهَ الذي أكرمَ مقامكَ وأكرمني بكَ أن يرزُقني طلَبَ ثاركَ مع إمامٍ منصور مِن أهل بيتِ مُحمَّد “صلّى الله‌ُ عليه‌ِ وآله”)
  • والإمامُ المنصور هو إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” مِثلما جاءَ في سُورة الإسراء، في الآية (33) قولهِ تعالى: {ومَن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لِوَليّهِ سُلطاناً فلا يُسرفُ في القتل إنّهُ كان منصورا} فَهُناك تطابقٌ واضح بين الزيارات والأحاديث والآيات.
  • مع مُلاحظة أنّهُ بِحَسَب قراءة المُصحف فإنَّ الفعل المُضارع (فلا يُسرفْ) مجزوم بالسُكون، وبِحَسَب قراءة أهل البيت (فلا يُسرفُ) يبقى الفعل المُضارع مرفوعاً.. وفارقٌ بين المعنيين.. فإنَّه على قراءةِ المُصحف تكون (لا) التي تسبق الفعل المُضارع هي (لا الناهية).. أمّا بِحَسَب قراءة أهل البيت فإنَّ (لا) هي (لا النافية).
  • علماً أنَّ هَذهِ الآية وهي الآية (33) مِن سُورة الإسراء – بحَسَب أحاديثِ أهل البيت – هي في الحُسين وفي إمام زماننا.. (أين الطالبُ بدم المقتول بكربلاء؟) هكذا نُناجيه في دعاء النُدبة الشريف.
  • ● وفي موطن آخر تقول الزيارة:
  • (وأسألهُ أن يُبلّغني المقامَ المحمودَ لكم عند الله وأن يرزقَني طَلَبَ ثاري مع إمامٍ مهديٍّ ظاهرٍ ناطقٍ بالحقّ منكم)
  • ستُلاحظونَ في حلقةِ يوم غد أنَّ هُناك ممازجةً شديدةً أكيدةً عميقةً كبيرةً وعظيمة فيما بين المعرفة الحُسينيّة والمعرفة المهدويّة.
  • وأقولُها بكُلِّ قاطعيّةٍ – بِحَسَب مَداركي وبِحَسَب معرفتي واطّلاعي على ثقافة الكتاب والعترة – أقولُها بقاطعيّةٍ: لن نستطيعَ أن نعرفَ إمام زماننا مِن دُون أن نعرف حقّ الحُسين.. وهذا هو الذي قصدتُهُ مِن أنَّ الزيارةَ التي يُريدُها آل مُحمّد هي الزيارةُ الحُسينيّةُ المهدويّة.. لا يُريدون زيارةً حُسينيّةً شيعيّة.
  • الزيارةُ الحُسينيّة الشيعيّة يُؤجَرُ الشيعةُ عليها، ولكنّها ليستْ الزيارةُ التي يُريدها آل مُحمّد.. فالعبادة على مَراتب (عبادةُ العبيد، وعبادةُ التُجّار، وعبادةُ الأحرار..) والحُسينُ يبحثُ عن الأحرار: (ألا حُرٌّ يَدَعُ هذهِ الُّلماظة) بل إنَّ الحُسين يَطلبُ الحُريّةَ حتّى لِقاتليه: (كُونوا أحراراً في دُنياكم) على الأقل في المقطع الدُنيوي.
  • المعرفةُ الحقيقيّةُ التي تُطَلبُ مِنَّا هي هذهِ.. مَعرفةٌ حُسينيّةٌ تَقودنا إلى مَعرفةِ إمامِ زماننا.
  • ● زُبدةُ المَخْضِ مِن كُلّ هذا:
  • إذا أردنا أن نكونَ صادقين حِين نقول: (يا حُسين) إذا أردنا أن نكون بهذا المُستوى مِن الصِدْق في الإستجابةِ لسيّد الشُهداء وأن ننصرَ مَشروعَهُ، فَإنَّ ظُلامةَ الحُسين هي مشروعُهُ.. الحُسينُ لم يُجنّد جُيوشاً مِن الرجال والخُيول.. جيوشُ الرجالِ والخُيول وأسلحةُ السُيوفِ والرماح تنتهي آثارُها، بينما جنّد الحُسين جُيوشاً وأسلحةً آثارُها باقية.. لقد جنَّد الحُسينُ العواطفَ وجيّش المآسي، وركّز معنى ظُلْم الظالمين، ورَسَم مَظلوميّتهُ في لوحةٍ وبانوراما لا تُشابهها بانوراما عِبر التأريخ.
  • نُصْرَتُنا لِظُلامةِ الحُسين هي نُصْرةٌ لِمشروعهِ العملاق.. وسيأتينا الكلامُ عن جانبٍ مِن خَصائص هذا المشروعِ العِملاق الذي قزَّم الجَهْل، وقزَّم الظُلْمَ بِكبرياء حقّهِ والأئمةُ يُطالبوننا أن نعرفَ شيئاً مِن حقّهِ (مَن جاء الحُسين عارفاً بِحقّهِ)
  • أنتم الذين تُقيمون شعائرَ الحُسين قد أقبلتم على الحُسين، فَهل أقبلتُم على الحُسين وأنتم تَعرفون حقّهُ..؟! أم ستبقونَ في متاهةِ المِزاج الشيعي الذي تشكّلتْ ثقافتهُ بعيداً عن ثقافة العترة الطاهرة.
  • تابعوا هذا البرنامج، فَسأعرضُ لكم فيهِ جوانبَ مِن حقائق المَشروع الحُسيني الذي يَجبُ علينا أن نَنصُره.. أنتم يا خُدّام الحُسين تُناصرون مَشروعاً وهميّاً، تُناصرون مَشروعاً أبتر تُسبِغُون عليه “الوصف الحُسيني”.
  • المشروع الحسينيّ المهدويُّ هُو هذا الذي يُريدهُ سيّد الشُهداء، وهُو هذا الذي مِن أجلِهِ سُفكتْ دِماؤهُ الطاهرة، وهو هذا الذي يُطالبنا أئمتُنا أن نكونَ في نُصْرتهِ، ومِن دُون أن نعرفَهُ.. كيف نستطيعُ أن ننصُرَه..؟! فإذا كُنتم تُريدون أن تعرفوا جانباً مِن الحقيقةِ، فتابعوا حلقاتِ هذا البرنامج.
  • ● الشعائرُ التي تُريدون أن تُقيموها بإسم الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” مِن دُونِ مَعرفةِ حقّ الحُسين الذي يَقودُنا إلى معرفةِ إمامِ زَماننا، إنّها طُقُوسٌ تنالون عليها الأجر إذا كان مُبتغاكم أن تنالوا الأجر والثوابَ مِن حيثُ أنتم، مِن حيث نواياكم ومِن حيث اقتراحاتكم.. فأنتم أحرار فيما تختارون.
  • وإذا كُنتم تبحثون عن معنىً آخر في التواصلِ مع الحُسين فعليكم أن تعرفوا ماذا يُريد الحُسين منّا جميعاً.

  • قانونُ “الضجيج والحجيج” ينطبقُ بنفسهِ على ما يجري في واقع الشعائر الحُسينيّة.

  • مِثلما يجري في مكّة أيّام الحجيج: كثرةٌ في الضجيج وقِلّةٌ في الحجيج.. مع مُلاحظة أنّ ثقافة العترة تُمازجُ في الذِكْر دائماً بين زيارة الحُسين وبين الحجّ.. والأحاديثُ تُخبرنا مِن أنَّ الله سُبحانهُ وتعالى ينظرُ إلى زُوّار الحُسين في يوم عرفة قبل أن ينظُر إلى الحُجّاج في موقف عرفة.
  • هُناك مُمازجةٌ على طُول الخطّ.. بل إنَّ الأحاديث الشريفة تُحدّثنا عن مُحاججةٍ ومُبارةٍ بين أرض مكّة وأرض كربلاء.. الروايات تحدّثتْ في مِثل هذهِ المضامين ولستُ بِصدد ذِكرها، لكنّني حِين أشرتُ إلى هذا القانون: “قانونُ الضجيج والحجيج” فهذا القانون يُحدّثُنا دائماً عن كَثْرةٍ في الضجيج وقِلّةٍ في الحجيج والسبب هو الابتعادُ عن العترة (هذا السبب العام)
  • أمّا السبب الخاصّ تُلخّصهُ رسالةُ إمام زمانا إلينا: (طَلَبُ المعارفِ مِن غَير طَريقنا أهل البيت مُساوقٌ لإنكارنا).
  • فهذا القانون (قانون: الضجيج والحجيج) يجري في الحجّ وهو يجري بنفسهِ في أجواء الشعائر الحُسينيّة.
  • فَهُناك ضجيجٌ وضجيجٌ وضجيج.. وقِلّةٌ في الحجيج..!
  • الشعائرُ الحُسينيّةُ الشيعيّةُ يَعلو ضجيجُها في كُلّ مكان.. إذا أردنا أن نبحثَ عن الشعائر الحُسينيّة المهدويّة قد لانجدُ شيئاً.. أو رُبّما يكونُ هُناك شيءٌ مِن نَزرٍ يسير..!

  • أُريد أن أقِف عند شعائرنا الحُسينيّة الشيعيّة، لأنّني في الحقيقةِ لا أعتقدُ بِوُجود شعائر حُسينيّة مهدويّة.. الشعائرُ الحُسينيّة المهدويّة هذا المعنى يتجلّى في أحاديثهم، أمَّا على أرض الواقع – بِحَسَب تجربتي في واقع الخِدمة الحُسينيّة وفي واقعنا الشيعي – فإنّني لا ألمسُ شيئاً أستطيعُ أن أُعنونهُ بـ(الشعائر الحُسينيّةِ المهدويّة).

  • إذا ما تابعتم حلقةَ يومِ غد ستتضحُ هذهِ الفكرة وتتجلّى هذهِ الصُورة بشكلٍ واضحٍ جدّاً حينما تَجدونَ أنَّ زيارةَ عاشوراء في حقائقها تُشيرُ إلى إمامِ زَماننا في الّلفظ، في المعنى، في التصريح، في التلميح، في الإشارة القريبة وفي الإشارة البعيدة ستعرفون حينئذٍ أين أنتم وأين شعائرُكم الحُسينيّة مِن إمام زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. ولذا سأذكرُ لكم نماذج مِن الشعائر التي تُقام – وهذا بِحَسَب تجربتي – قد أكونُ مُخطئاً، وقد أكونُ مُصيباً.. هذا الأمرُ يحكمُ عليهِ الواقعُ الذي نعيشُ فيه.

  • أصنافُ الشعائر الحُسينيّة الشيعيّة:

  • الصنفُ (1): هُناك الشعائرُ للشعائر: وهذا الأمرُ بدأ ينتشرُ كثيراً في السِنين الأخيرة.. وهُناكَ مَن يُطِلقون على أنفُسِهم بـ(الشعائريّين) وقطعاً أنا لا أقصدُ الجميع، ولكن هذهِ الظاهرُ باتتْ واضحةً جدّاً.
  • هُناك مَن يُقيم الشعائر لأجل الشعائر وتلكَ هي صنميّةُ الشعائر.. حيثُ تَحوَّلَ الّلطمُ على الصُدور وعلى الرُؤوسِ تحوّل إلى غايةٍ بنفسهِ، وتحوّل التطبيرُ وضَرْبُ السُيوفِ بالقامات إلى غايةٍ بنفسه، وهذا أسوأُ ما يُمكنُ أن تصِلَ إليه شعائرُنا الحُسينيّة الشيعيّة. (وأُصِرّ بأنّني لا أتحدّثُ عن الشعائر الحُسينيّةِ المهدويّة التي يُفتَرضُ بنا أن نُقيمها، ولا وُجود لها)
  • حينما تُقامُ الشعائرُ لأجل الشعائر، هذهِ هي صنميّةُ الشعائر، وهذا أمرٌ استجدَّ في العقدين الأخيرين مِن أيّامنا هذهِ – بِحَسَب ما أعرفهُ – إنّها صنميّةُ الشعائر، دفاعٌ عن الشعائرِ الحُسينيّة بما هي هي.. بعيداً عن مَضمونها، بعيداً عن مُحتواها، بعيداً عن مَعرفةِ حقّ الحُسين، وبعيداً عن مَعرفةِ إمام زماننا.. وتلكَ سخافةٌ كبيرةٌ جدّاً، وبابٌ شيطانيٌّ واسع، ومتاهةٌ تاه فيها شبابُنا الشيعي..!
  • ولا أُخفيكم سِرّاً هُناك مراجع وراء هذهِ القضيّة – قَطْعاً مِن دُون قَصْدٍ سيّئ – وإنّما بسبب قِلّةِ مَعرفتهم بسيّد الشُهداء، وبِسببِ أنَّ ثقافتهُم نشأتْ مِن ثقافةٍ شافعيّةٍ أو قُطبيّةٍ.. إنْ كان موقِفُهم إيجابيّاً أو سلبيّاً مِن الشعائر فقد أدّى إلى نُشوء هذا الّلون وهذا الاتّجاه مِن التفكير الشعائري: (الشعائرُ للشعائر) إنّها صنميّةُ الشعائر.
  • الصنفُ (2): الشعائرُ للرموز البشريّة وليستْ للحُسين..!
  • في هذا الصِنف يُقيمون الشعائر الحُسينيّة الشيعيّة بهذا الطراز : لأنَّ الزعيمَ الديني – إنْ كانَ مرجعاً، أم كانَ مِن زُعماءِ الدين في أيٍّ مُستوىً مِن المُستويات (الدينيّة، أو السياسيّة، أو الإجتماعيّة) – فيُقيم الذين يُقيمونَ مَراسم العزاء وِفقاً لِمذاق المرجع (س) أو المرجع (ص).. وهكذا.. وفي الحقيقةِ هي صَنميّةٌ لِهؤلاء الرُموز، صنميّةٌ للأشخاص بحيث أنَّ هذا الشخص حينما يتغيّرُ مِزاجهُ ويُريدُ للشعائر أن تتغيّر، فَإنَّ هؤلاء الذين يُقيمون هذهِ الشعائر ويُحيونها سيتغيّرُ مَوقِفُهم ومِزاجُهم أيضاً..!
  • فكما أنَّ هُناك الشعائرُ للشعائر، هُناك أيضاً الشعائرُ للرُموز البشريّة..!
  • وهذهِ الرُموزُ البشريّةُ تارةً بنحوٍ فردي لِمرجعٍ مُعيّن، وأُخرى لأجل تجمُّعات بشريّة (لأجل أحزاب، لأجل تيّارات واتّجاهات مُختلفة، لأجل الانتماء إلى قبيلةٍ مُعيّنة، إلى مَدينةٍ مُعيّنة، إلى مَحلَّةٍ في مَدينةٍ وإلى حيٍّ مِن أحيائها، وتُقامُ الشعائرُ دِفاعاً وتعصُّباً عن المدينةِ (س) وعن المدينة (ص)، وعن المَحلَّةِ (س) وعن المدينة (ص).. وكثيرٌ ممّا يجري في واقع الخِدمةِ الحُسينيّة يجري في هذا المَجرى، ويسيرُ في هذا المَسار.. إنّها صنميّةُ الرُموز وصنميّةُ العناوين والتجمُّعات.. فأين الحُسين مِن كُلّ هذا..؟! لأنَّ الجميع لا ينطبِقُ عليهم هذا الوصف (مَن زار الحُسين عارفاً بِحقّه).
  • فإتيانُ الحُسين لا يكون فقط بالذهابِ إلى قبرهِ الشريف.. الإتيانُ قد يكون إلى مَجلسهِ، وقد يكون الإتيان إلى دائرة خِدمتهِ.
  • الصنفُ (3): الشعائر للشأن الشخصي.
  • تُقامُ الشعائرُ، ولكن إذا ما بَحثنا عن جُذورها نجدُ أنّها ترتبطُ بالشُؤون الشخصيّة للذين يُقيمون هذهِ الشعائر.
  • في هذا الصِنف مِن الشعائر نجد ما يلي:
  • أولاً: الاعتيادُ الشخصي أو الموروث.. هُناك اعتيادٌ لإقامةِ هذهِ المجالس، والدليلُ على ذلك أنَّ الذي يُقيمُها لا ينتفعُ مِنها شيئاً على المُستوى العقلي وعلى المُستوى القلبي.
  • فقد يُقيم الذين يُقيمون الشعائر وراثةً عن آبائهم وهُم لا شأن لهم بمعرفةِ حقّ الحُسين.. قضيّةٌ مَوروثةٌ، فإنَّ الأبناء ساروا وِراثةً وصارتْ هذهِ العادة مَوروثةً.
  • علماً أنّني لا أُحاربُ إقامةَ الشعائر حتّى بهذهِ النوايا.. ولا حتّى بِعُنوان “صنميّة الشعائر”.. فوجودها خيرٌ مِن عدمها، لأنَّ كثيرين يُريدون أن يقضوا على الشعائر.. ولكنّني في هذا البرنامج لا أُريدُ الحديث عن الشعائر الحُسينيّة الشيعيّة، وإنّما أتحدّثُ عنها لأجل أن نتبيّن معنى الشعائر الحُسينيّة المهدويّة.. فإنّما تستبينُ الأمور بأضدادها، لأنّ الشيعة لا تعرفُ معنى الشعائر الحُسينيّة المهدويّة إذْ وجود لها على أرض الواقع، وإنّما اعتادتْ الشيعةُ التعامُل مع الشعائر الحُسينيّة الشيعيّة التي هي باقتراحٍ من الشيعةِ أنفُسِهم ومِن دُون معرفةٍ بحقّ الحُسين ومِن دُون معرفةٍ بإمامِ زمانهم.. لأنَّ الثقافةَ الموجودة التي يأخذونها مِن الخُطباء أو مِن الشُعراء والرواديد لا صِلَةَ لها بآل مُحمّد، وهذا ما ستضعون أيديكم عليهِ حينما نَقِفُ على زيارةِ عاشوراء ونُسائلُها عن إمامِ زماننا.
  • ثانياً: الاستئناسُ الاجتماعيُّ بالّلقاءاتِ والطُقوس.. فَهُم إنّما يُقيمون الشعائر ويشتركون في مُمارستها لأنّها تُشكّل لوناً مِن الاستئناس الاجتماعي عِبْر الّلقاءات وعِبْر مُمارسة الطُقوس بشكلٍ جماعي مِثلما يستأنسُ الكثير مِن الناس في إتيانهم بطُقوسٍ في أجواءِ الفلكلور الشعبي لكلّ شعوب العالم.
  • ثالثاً: تحقيقُ الأغراض والمصالح السياسيّة والإجتماعيّة والتجاريّة على مُستوى صناعةِ السُمعة وتأسيسِ العلاقاتِ بالإضافةِ إلى الربح المادّي – بنحوٍ مُباشر أو غير مُباشر – (وقفة توضيح لهذه النُقطة بأمثلة).
  • الصنفُ (4): الشعائرُ للاستئناس النفسي والتلذّذ الصُوفي.. فقد يُقيمُ مَن يُقيم مِن الشعائرَ الحُسينيّة أو قد يُشاركُ مَن يُشاركُ فيها طَلَباً للاستئناس النفسي والتلذّذ الصُوفي، فهُناك نزعةٌ صُوفيّةٌ موجودةٌ عند كُلّ إنسان.. وإنّني أتحدّثُ عن النزعةِ البشريّة في تحسّسِ ما وراء المادّة.. قد تختفي عند كثيرين وقد تظهرُ عند كثيرين في جوٍّ مِن الأجواء.. فيجِدُ الذي يُقيمُ الشعائر الحُسينيّة أو يُشارك فيها يجدُ في داخلهِ استئناساً نفسيّاً ونوعاً مِن التلذّذ الصُوفي مِن أنّهُ يتجاوزُ عالم المادّة وهو يُلامِسُ شيئاً مِن الغَيب بِحَسَب ما يَجِدُ ذلك في نفسه.
  • أو أن يُؤتى بالشعائر بِسبب الارتياحِ لِجَلْد الذات..! (إنْ كان ذلك الجَلْد على المُستوى المعنوي ممّا يسمعه من الخطيب أو مِن الشاعر أو مِن الرادود، أو كان بنحوٍ حسّيٍّ يُوقِعهُ على نفسهِ لِمُشاركةِ الحُسين ومُؤاساتهِ وفي الوقتِ نفسهِ يطلبُ التكفير عن ذُنوبهِ وعن أخطائه..)
  • علماً أنّني هُنا لا أنتقدُ كُلّ هذهِ العناوين، وإنّما أستعرضُ ألوان الشعائر الحُسينيّة الشيعيّة.. ورُبّما يقومُ الإنسان بِجُهدِ الشعيرة ويُعطي ما يُعطي مِن الدُموع والعواطِف وما يُمارِسهُ مِن جُهْدٍ عَضَلي أو مِن إنفاقٍ مالي.. فيُؤدّي إلى التحلّل مِن المسؤليّة أي أنّهُ يَشعرُ بأنّهُ أدَّى ما يجبُ عليه، وبذلك تَحلّل مِن المسؤوليّة المُلقاةِ على عاتقهِ اتّجاهَ دينهِ، اتّجاهَ إمامهِ، إتّجاهَ عقيدتهِ.. وهذا الأمرُ قد يكونُ صواباً في بعض الأحيان، وقد يكون خطأً في أحيان أُخرى.
  • الصنفُ (5): الشعائرُ للثواب على طَريقةِ سُوق البقالة (أُقدّمُ كذا وأنالُ كذا..) فهذا نَوعٌ مِن الخِسّة والّلؤم بالمُقايسةِ إلى الأفضل..
  • هذا الصِنف مِن الشعائر هو ما ينتشرُ في حديثِ الخُطباء وفي حَديثِ الرواديد على طُول الخط.. وكأنّها عمليّةُ مُقايضة.. هُناك مِن الخُطباء ومِن الرواديد مَن يُصرّون على المُشاركة لأجل قضاء الحوائج.
  • أنا لا أُشكِلُ على أنَّ الناس تقصِدُ المَجالس لِقضاء حوائجها، ولكن أن نُحوّل الشعائر الحُسينيّة إلى عُنوانٍ لأجل قضاء حوائجنا هذا هُو الذي أُشْكِل عليه.. أمَّا أن نطلبَ حوائجنا وأن نتوسَّل بأئمتنا وأن نمُدَّ أيدينا نطلبُ جُودَهم على ضِفافِ شعائرنا الحُسينيّة فهذا أمرٌ حَسَنٌ وهو جُزءٌ مِن آدابِ زيارةِ الحُسين التي هي أُمّ الشعائر الحُسينيّة.

  • بقي عندنا لونان مِن الشعائر أترُكُهما لحلقةِ يوم غد.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢١ – عقيدة التوحيد ما بين مراجع الشيعة والعترة الطاهرة ج٢

يازهراء …