يا حسين البوصلة الفائقة – الحلقة ١١ – المشروع الحسيني وفقاً لمنطق الكتاب والعترة ج٣

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 11 محرّم 1440هـ الموافق 21 / 9 / 2018م

  • لازلتُ أتحدّثُ معكم تحتَ العُنوان المُتقدّم: “المشروع الحُسيني وفقاً لِمنطق الكتاب والعترة”.

  • تقدّم الحديثُ في الجزء الأوّل والذي عنونتهُ بهذا العُنوان: “خارطةُ المشروع الحُسيني”.. ثُمّ انتقلتُ إلى الجزء الثاني في الحلقةِ الماضية وكانَ الحديثُ عن مُفردةٍ مِن أهمّ مُفرداتِ المشروع الحُسيني وهي: مُفردة (النصر). طالت الحلقةُ ولم أتمكّن مِن إكمال حديثي، وبقيتْ لديَّ بقيّة سأُحاولُ تجميعها بِقدْر ما أتمكّن.. ثُمّ أنتقلُ في الحديثِ إلى المفردةِ المُهمّةِ الثانية وهي مُفردة الثأر.

  • وقفة عند الكتاب الأوّل مِن الحُسين إلى مُحمّد بن الحنفيّة والذي كَتَبهُ مِن مكّة.. هذا الكتاب ينقلُهُ لنا الإمام الباقر في كتاب [كامل الزيارات] لابن قولويه. في صفحة 76 مِن الباب (23) الحديث رقم (15) وهو آخرُ حديثٍ في هذا الباب.

  • هذا الحديثُ المُرقّم بهذا الرقم ذُكِر فيه روايتان: وبعبارةٍ أوضح كتابان أو رسالتان كتبهُما سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” إلى مُحمّد بن الحنفيّة وبني هاشم.
  • الكتاب الأوّل: (عن زُرارة، عن ابي جعفر “عليه‌ السلام”: كَتَب الحُسينُ بن عليٍّ مِن مكّة إلى مُحمّد بن عليٍّ: بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم؛ مِن الحُسين بن عليٍّ إلى محمَّد بن عليٍّ ومَن قِبَلِهِ مِن بني هاشم؛ أمّا بعد فإنَّ مَنْ لَحِقَ بي اسْتُشْهِد، ومَنْ لَم يَلْحَقْ بي لم يُدرِكِ الفَتْحَ.. والسلام)
  • هُناك فتحٌ ولكن هذا الفتح يتحقّق بعد الاستشهاد.. هذا الفتحُ هُو الفتحُ في العَصْر المهدوي وبالتحديد في عصْرِ الرجعة.. فإنَّ الفتحَ إنْ لم يكنْ بمعنى النَصْر فهو أعلى رُتبةً مِن النَصْر. قد يُطلَقُ الفَتْحُ على النَصْر، ولكن لا يُطْلَقُ النَصْرُ على الفَتْح.. لأنَّ الفَتْح أعلى رُتبةً مِن النَصْر.
  • ● الرسالة واضحة.. فهي تقول أنَّ مَن لَحِقَ بسيّد الشُهداء يُستشَهد.. لا يبقى على وجْهِ الأرض، إنّهُ ينتقِلُ عن هذهِ الدُنيا.. ومَن لم يلحقْ بسيّد الشُهداء لم يُدرك الفتح. فالإستشهادُ مع سيّد الشُهداء مُقدّمةٌ للفَتْح، والإمامُ هُنا ذَكَر كلمة “الفَتْح” مُعرّفةً بالألف والّلام.. ومَن يكونُ على تواصلٍ مع حديثِ العترة الطاهرة ويكونُ على اطّلاعٍ وتناغمٍ عقليّ مع كُلِّ نُصوص الثقافةِ المعصوميّة (إنْ كانتْ مِن آياتِ الكتاب الكريم مُفسّرةً بحديثِ العترة.. أو كانتْ مِن زياراتهم وأدعيتهم ورواياتهم وأحاديثهم وكلماتهم الشريفة). فإنَّ الألف والّلام هُنا في كلمة (الفَتْح) إنَّها الألفُ والّلام العهديّة.. يعني هُناك شيءٌ معهود في أذهانِ الذين اطّلعوا على الثقافةِ الحُسينيّة.
  • فالألف والّلام في كلمة “الفتح” إنّها تتحدّثُ عن فتحٍ مَعهودٍ في أجواءِ الكتاب والعِترة.. هذا الفَتْح هو الفَتْحُ الذي يتحقّقُ عَمَليّاً في الرجعة.
  • قد يقول قائل: هُناك فتحٌ معنوي.
  • أقول: الفَتْحُ ليسَ مَعنويّاً وإنّما تأتي المعنويّاتُ مع الفَتْحِ الواقعي الحسّي الملموس المرئي المسموع.
  • مِثْلما النَصْرُ هُو أمرٌ واقعيٌّ ملموسٌ محسوسٌ مسموعٌ مرئي، كذلك الفَتْحُ فهو أعلى درجةً ورُتبةً مِن النَصْر.. وأعتقد أنَّ سُورةَ النَصْر واضحةٌ.. إنّها صريحةٌ في هذا المعنى الذي أقوله.. إذْ تقول سُورةُ النَصْر: {إذا جاءَ نصْرُ اللهِ والفتح* ورأيتَ الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فسبّح بِحَمْدِ ربّكَ واستغفرهُ إنّهُ كان توّابا}.. النَصْر ذُكِرَ قبل الفَتْح.. وهذا الترتيب يُشْعِرُ بأنَّ الفَتْحَ أعلى رُتبةً.
  • علماً أنّهُ ليس بالضرورةِ دائماً أن يكون الترتيبُ في الذِكْر في الكلام فيه دلالةٌ على أنَّ الذي ذُكِرَ أولاً هُو أدنى رُتبةً، فقد يكون بالعكس.. ولكنّنا هُنا إذا نظرنا إلى بُنْية سُورة النَصْر بالكامل فإنَّ هذا الترتيب يُشعِرنا بهذهِ الحقيقة أنَّ الفَتْح أعلى رُتبةً مِن النَصْر.
  • ● قولهِ: {ورأيتَ الناس يدخلون في دين الله أفواجا} يعني أنتَ حيٌّ تُرْزَق رأيتَ الناس يدخلون في دين الله أفواجا.. هُناك أمْرٌ مَحسوسٌ مَلموسٌ مَسموعٌ مَرئيٌ مُتجسّدٌ في الواقع الخارجي.. والذي يترتّب على هذا: {فسبّح بِحَمْدِ ربّكَ واستغفرهُ}
  • هذهِ عمليّةٌ مَحسوسةٌ مَلموسةٌ يَختلطُ فيها الجانب المعنويّ والمحسوس. السُورةُ واضحةٌ.. ومِن خلال كُلّ هذهِ التفاصيل فإنَّ النَصْر يكونُ أدنى رُتبةً مِن الفَتْح إذا ما فهِمْنا السُورةَ بهذا الفَهْم وتَعاملنا معها بالطريقةِ التي تعاملتُ بها مع السُورة.. وسنعودُ إلى رواياتِ العِترةِ الطاهرةِ التي ترتبطُ بهذه السُورة.
  • ● سيّد الشُهداء في كتابهِ هذا يتحدّثُ عن هذا الفَتْح.. هُناك فتحٌ مَعهودٌ عند آل مُحمّد، مَعهودٌ في ثقافتهم.. مَعهودٌ في الأذهانِ التي تناغمتْ مع ثقافةِ مُحمّدٍ وآل مُحمّد..
  • أقّربُ لكم الصُورة: سُورةُ الفَتْح مِن السُوَرِ التي تَخضعُ لهذهِ القاعدةِ التفسيريّة التي وردتْ عن أمير المؤمنين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في هذا المقطع مِن هذهِ الرواية في [تفسير البرهان: ج1] يقولُ سيّد الأوصياء في هذهِ القاعدةِ التفسيريّة مِن قواعد التفسير:
  • (وأمَّا ما تأويلُهُ بعد تَنزيلِهِ، فالأُمورُ التي حدثتْ في عَصْرِ النبي “صلّى اللهُ عليه وآله” وبَعْدهُ مَن غَصَب آلَ مُحمّدٍ حقَّهُم، وما وعدَهَم اللهُ مِن النُصْرةِ على أعدائهم، وما أخبرَ اللهُ به نبيّهُ مِن أخبارِ القائمِ وخُرُوجه وأخبارِ الرجعة والساعة..)
  • ثُمّ تستمرُّ الروايةُ ويستمرُّ الحديثُ العَلَوي في ذِكْرِ نماذجَ مِن الآياتِ التي تتحدّثُ عن زمانِ ظُهورِ الحُجّةِ بن الحسن وعن عَصْر الرجعة.
  • ● سُورةُ النَصْر هي مِن السُوَرِ والآياتِ التي تتحدّثُ عن العَصْر المهدوي، تتحدّثُ عن عَصْر الرجعة.. وحتّى إذا لم تكنْ عندنا رواياتٌ وأحاديث فإنَّ السُورةَ واضحةٌ في أنَّ ما جاءَ فيها مِن مضمون لم يتحقّق. فهي تقول: {إذا جاءَ نصْرُ اللهِ والفتح* ورأيتَ الناس يدخلون في دين الله أفواجا}
  • رسالةُ النبيّ هي لجميع الناس كافّة.. وقوله: {ورأيتَ الناس يدخلون في دين الله أفواجا} يعني جميع الناس يدخلون في دين اللهِ أفواجاً مِن دُون نِفاق.. فهذا الأمرُ لم يتحقّق في زمان رسول الله ولا في الأزمنةِ التي تلتْ زمان رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • ● وقفة عند مقطع مِن حديثِ سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في [تفسير البرهان: ج8] والذي يُبيّن لنا فيه متى نزلتْ سُورةُ النَصْر.
  • في صفحة 411 يقولُ أمير المؤمنين “عليه السلام”: (لمَّا نزلتْ على رسول اللهِ “صلّى اللهُ عليه وآله”: {إذا جاء نصْرُ اللٰهِ والفتح} قال لي: يا عليّ، لقد جاءَ نصْرُ اللهِ والفَتْح، فإذا رأيتَ الناس يدخلونَ في دينِ الله أفواجا فسبِّحْ بحَمْدِ ربّكَ واستغفره إنّهُ كان توابا.. يا علي، إنَّ الله تعالى قد كتبَ على المُؤمنين الجهاد في الفِتنةِ مِن بعدي كما كتبَ عليهم جهاد المشركين معي…). يعني أنّهُ في زمان رسول اللهِ لم يتحقّق هذا المعنى:
  • {إذا جاء نصْرُ اللٰهِ والفتح}.. لأنَّ النبيّ يقولُ لسيّد الأوصياء: (فإذا رأيتَ الناس يدخلونَ في دينِ الله أفواجا…). ثُمَّ إنَّ النبيُّ يتحدّثُ عن فتنةٍ مِن بَعْدهِ، وعن جهادٍ مِن بَعْدهِ، وعن نَصْرٍ وفَتْحٍ مِن بَعْدهِ. السُورة نزلتْ بهذهِ الحقيقةِ: وهي أنّها تتحدّثُ عن شيءٍ بعد رسول الله.
  • ● إلى أن تقول الرواية في آخرها، حين يسأل سيّد الأوصياء رسول الله عن أولئكَ الذين هُم مِن أهل الفتنة ويجبُ جهادهم.. يقول:
  • (أهُم أهلُ فتنةٍ أم أهلُ رِدّة؟ فقال: هُم أهْلُ فتنةٍ يعمهون فيها إلى أن يُدركَهُم العَدْل – يعني العدل التام في العصر المهدوي – فقلتُ: يا رسول الله، العدلُ منّا أم مِن غيرنا؟ فقال: بل منّا، بنا فتَحَ الله وبنا يختم الله، وبنا ألّف اللهُ بين القُلوب بعد الشِرْك، وبنا يُؤلّف بين القُلوب بعد الفتنة. فقُلت: الحَمْدُ للهِ على ما وهب لنا مِن فضله..). الحديثُ عن العَصْر المهدوي الذي هو مُقدّمةٌ لِعَصْر الرجعة.
  • ● وقفة عند ما جاء في [تفسير القُمّي] في قولهِ تعالى {إذا جاء نصْرُ اللهِ والفتح}
  • (قال: نزلتْ بمِنى في حجّة الوداع: {إذا جاءَ نصْرُ اللهِ والفتح} فلمّا نزلتْ قال رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله”: نُعيتْ إليَّ نفسي، فجاء إلى مسجد الخِيف فجَمَعَ الناس…) وحدّثهم بحديث الثقلين فقال:
  • (يا أيُّها الناس.. إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا ولن تزلّوا، كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، فإنّهُ قد نبأنيَ الّلطيفُ الخبير أنَّهُما لن يتفرقا حتّى يرِدَا عليَّ الحوض، كاصبعيَّ هاتين، وجمَعَ بينَ سبّابتيهِ – مُسبّحتيه – ولا أقولُ كهاتين، وجَمَعَ بين سبّابتهِ والوسطى، فتَفضُلُ هذهِ على هذهِ).
  • فالسُورةُ نزلتْ في آخر أيّامِ حياةِ رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله”.. نزلتْ في حجّة الوداع، وفي حجّة الوداع لم يكنْ هُناك لا مِن قتالٍ ولا مِن حرْب.. السُورة تتحدّث عن مرحلةٍ مُستقبليّة.
  • ونحنُ إذا ذهبنا إلى المُصحف ودقّقنا النظرَ في ألفاظِ السُورة، نَجد أنَّ السُورةَ ليس لها مِن تطبيقٍ على أرض الواقع لا في زمان رسول الله ولا في الزمن الذي جاءَ بعد رسول الله “صلّى الله عليه وآله” إلى يومنا هذا.. وليس بالإمكان أن يتحقّق هذا بِحَسَب المُعطياتِ الموجودةِ على الأرض إلّا في عَصْر ظُهور إمامِ زماننا الحجّة بن الحسن وما بعدهُ مِن عَصْر الرجعةِ الطويل والطويل جدّاً.
  • هذا إذا رجعنا إلى ألفاظ الآيةِ حتّى مِن دُون الرجوع إلى الأحاديث وأردنا أن نُطبّقها على أرضِ الواقع وأن ندرسَ التأريخَ مُنذ زمانِ رسول اللهِ إلى يومنا هذا.. أو أن ندرسَ المُعطياتِ المُتوفّرة بين أيدينا هل يُمكن أن يتحقّقَ هذا الأمرُ قبل ظُهورِ إمام زماننا.. ولذا فإنَّ السُورةَ هي مِن جُملةِ السُوَر والآياتِ التي تنطبقُ عليها القاعدةُ القُرآنيّةُ العَلَويّةُ التي أشرتُ إليها وهي قاعدةُ: “ما تأويلُهُ بعد تنزيله”.. فضلاً عن الرواياتِ والأحاديثِ التي أشرتُ إليها.
  • فبِحَسَب تفسير القُمّي عن الأئمة المعصومين فإنَّ السُورةَ نزلتْ في مِنى في حجّة الوداع، فلا يُوجد هُناك لا قتالٌ ولا حرْبٌ ولا أيّ شيء، ولا أنَّ الناس قد دخلوا جميعاً في دين محمّدٍ “صلّى اللهُ عليهِ وآله”.. فهُناك الكثير والكثير مِن المُنافقين.. والآيةُ 67 مِن سُورةِ المائدة تُحدّثنا عن هذهِ الحقيقة حين تقول: {واللهُ يعصِمُكَ مِن الناس} لكثرةِ المُنافقين.
  • المُنافقون الكُثُر الذين لم يُذعنوا لبيعة الغدير وإنّما بايعوا هكذا ظاهراً.. فالقومُ قد كَتَبوا الصحيفة، وهُم يُخطّطون لِقَتْل رسول الله ولِقَتْل عليٍّ أمير المؤمنين.. التفاصيلُ ذكرتها لنا الرواياتُ والأحاديث، فلا يُمكن أن تنطبقَ سُورةُ النَصْر على ذلك الواقع الذي نزلتْ في زمانهِ ومكانه.. فالسُورةُ نزلتْ في مِنى في حجّةِ الوداع، لا يُوجد قتال ولا يُوجد حرب.. ولم يدخلْ جميعُ الناس في الدين، والذين دخلوا كثيرٌ منهم مُنافقون، وأدلُّ دليلٍ على ذلك ما حدثَ بعد استشهادِ رسول الله “صلّى اللهُ عليه وآله” وكيف ارتدّتْ الأُمّة.. فإنّ ارتدادَ الأُمّة لم يكنْ هكذا ابتداءً بعد استشهادِ رسولِ الله، وإنّما هذهِ القضيّةُ لها مُقدّماتٌ كانتْ موجودةً في أيّامِ رسولِ الله “صلّى اللهُ عليه وآله” وجاءَ هذا البرنامجُ تَطبيقاً لِصحيفةٍ كُتِبتْ أيّام النبيّ: (إذا كُتِبَ الكتاب قُتِل الحُسين).
    فسُورةُ النَصْر ترتبطُ بالعَصْر المهدويّ الأوّل وبِعَصْر الرجعة.. فإنَّ الفَتْحَ الأعظم سيكونُ في الرجعةِ، ولِذا سيكونُ لقبُ سيّد الشُهداء في الرجعة: “المُنتصِر”.. إنّهُ صاحبُ النَصْر الأعظم وصاحبُ الفَتْح الأعظم.
  • النَصْرُ والفَتْح مِن مَصاديقهِ ما سيكونُ في ظُهور إمام زماننا، ولكنَّ المعنى يتكاملُ ويكتملُ في زمنِ الدولةِ المُحمّديّة (الدولة الخاتمة) وإلى هذا يُشيرُ رسولُ اللهِ “صلّى اللهُ عليه وآله” في كلامهِ لأمير المؤمنين، حينَ سألهُ أميرُ المؤمنين وقال: (العدلُ منّا أم مِن غيرنا؟) فقال له رسول الله: (بل منّا، بنا فتَحَ الله وبنا يختم الله..)
  • ● الذين يظنّون أنَّ السُورةَ في فَتْح مكّة، فَهذا الظنُّ ضعيفٌ جدّاً.. هُناكَ آيةٌ تحدّثتْ عن فتح مكّة.. فَتْحُ مكّة فيه دلالةٌ سياسيّةٌ عميقة، وفيهِ دلالةٌ اجتماعيّةٌ عظيمةٌ في وقتها، وفيهِ ما فيه مِن الحَشْد الوجداني، وفيه ما فيهِ مِن الواقع المعنوي الديني. هُناك مجموعةٌ كبيرة من المُعطياتِ تحقّقتْ وترسّختْ وظهرتْ في فتح مكّة.. ولكنّه فتحٌ محدود كما تُشير إلى ذلك جُملةٌ مِن آياتِ الكتاب الكريم. على سبيل المِثال:
  • ● في سُورة الصفّ في الآيةِ 13: {وأُخرى تُحبُّونها نَصْرٌ مِن اللهِ وفتْحٌ قريب}
  • لاحظوا هناك فارقٌ في التعبير.. هناك عنايةٌ بلاغيّةٌ في التمييز بين هذهِ الآية وبين ما جاء في سُورةِ النَصْر.. ففي هذه الآية جاء هذا التعبير: “نَصْرٌ مِن الله” يعني عطاءٌ مِن عطاء الله.. بينما في سُورة النَصْر جاءتْ هذهِ الصِيغة: “نَصْرُ الله” النَصْر هُنا بالكامل منسوبٌ إلى الله.
  • وأمّا الفَتْح.. ففي سُورة الصفّ جاءتْ مُنكّرة مِن دُون تعريف ومُنوّنة، وموصوفة بِصِفة القُرْب.. هذا القُرْب قد يكونُ زمانيّاً، قد يكونُ مكانيّاً، قد يكونُ في ظُروفٍ ومُلابساتٍ بسَبَبها يُوصَفُ بهذا الوصف. فهناك فارقٌ كبير ما بين ما جاء في سُورة النَصْر وبين ما جاء في سُورة الصفّ.. ففي سُورةِ النَصْر هُناك قضيّةٌ عميقةٌ واسعةٌ قويّةٌ جدّاً.. أمّا التعبيرُ في سُورة الصفّ فهو في مرتبةٍ أدنى.
  • يُمكننا أن نُطبّقَ الصيغة التي جاءتْ في سُورة الصفّ: {نَصْرٌ مِن اللهِ وفتْحٌ قريب} يُمكنُنا أن نُطبّقها على زمان ظُهور إمام زماننا، فإنَّ ظهورَ الإمامِ قريبٌ بمنظار مُحمّدٍ وآل مُحمّد، لأنّنا حِين نتعبّدُ بانتظار الفرج فهذا يعني أنّ الفرجَ قريب.. هذا هو معنى انتظار الفرج.. ربّما نرى الفرجَ وجدانيّاً ونفسيّاً أنّهُ بعيد، ولكنّ القلوبَ المُخلصةَ التي تكونُ عندها الغَيبةُ بمنزلةِ المُشاهدة فإنّها ترى الفرجَ قريباً، وأعظمُ الفرجِ انتظارُ الفرج كما جاءَ عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”.
  • ● وقفة عند ما جاء في تفسير القُمّي بِخُصوصِ الآية 13 من سُورة الصفّ
  • (جاء في تفسير القُمّي في قولهِ تعالى: {نَصْرٌ مِن اللهِ وفتْحٌ قريب} يعني في الدُنيا بفتحِ القائمِ وأيضاً قال فتحُ مكّة…)
  • الأئمة قالوا: “في الدُنيا” لأنّ سِياق الآية السابقة (وهي الآية 12 مِن سُورة الصفّ) يتحدّث عن الآخرة.
  • الآية تتحدّثُ عن نَصْرٍ وفَتْحٍ مِن الله بنحوٍ عام، لا بِخُصوصيّةٍ يتميّزُ بها النَصْرُ والفتحُ كالذي تحدّثتْ عنهُ سُورةُ النَصْر.. فكُلُّ نَصْرٍ هو مِن الله، وكُلُّ فَتْحٍ هو مِن الله.. وما كان في بَدْرٍ هو نَصْرٌ وفَتْح وما كان في خيبر هو نَصْرٌ وفَتْح وما كان في فتح مكّة هو نَصْرٌ وفَتْح ولكن بدرجات، بِلِحاظات، بِحيثيّات.. وما سيكونُ عند ظُهور إمامِ زماننا هو نَصْرٌ مِن الله وفَتْحٌ قريبٌ أيضاً.. ولكن إذا تكاملتْ المعاني فوصلنا إلى الدولةِ المُحمّديّة الخاتمة، ووصلنا إلى يوم القيامةِ الحُسينيّة هُنا يتكاملُ النَصْرُ ويتكاملُ الفَتْحُ في كُلّ مَراتبه.. وهذا الفَتْحُ هو الذي يتحدّثُ عنهُ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” حِين يقول: (أمّا بعد فإنَّ مَنْ لَحِقَ بي اسْتُشْهِد، ومَنْ لَم يَلْحَقْ بي لم يُدرِكِ الفَتْحَ)
  • فليس هُناك مِن نَصْرٍ على أرض الواقع، وإنّما هي بداياتٌ ومُقدّماتٌ لِتحقيقِ أهدافٍ قريبة ومُتوسّطة حتّى يتحقّق الهدفُ البعيد بِنَصْرٍ وفَتْحٍ وحتّى تتكاملَ مراحلُ الرجعةِ بكُلّها.. وهذا هو الذي مرَّ علينا مِن أنَّ الرجعةَ بكُلّ تفاصيلها هي عِوَضٌ عن قتل الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” كما حدّثتنا رواياتهم الشريفة.. هذا ما يرتبطُ بالكتاب الأوّل.

  • الكتاب الثاني مِن الحُسين إلى مُحمّد بن الحنفيّة كَتَبهُ مِن أرض كربلاء.

  • (عن أبي جعفر “عليهِ السلام” قال: كَتَبَ الحُسينُ بن عليّ “عليهما‌ السلام” إلى مُحمّدٍ بن عليّ مِن كربلاء: «بسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم؛ مِن الحُسين بن عليّ إلى مُحمّد بن عليّ ومَن قِبَلِهِ مِن بني هاشم، أمّا بعد، فكأنَّ الدُنيا لم تكنْ، وكأنَّ الآخرةُ لم تزلْ، والسلام)
  • الكتاب الأوّل كان مِن مكّة.. علماً أنَّ اختيارُ الأزمنةِ والأمكنةِ لم يكنْ جُزافاً.. فمكّةُ تُمثّل بدايةُ عصْر الظهور، وكربلاء نُقطةٌ مِحوريّةٌ في برنامج الظُهور الشريف.
  • هذهِ الكُتُب لم تُكتَب هكذا مِن دُون دِقّةً.. فنَحنُ نتحدّثُ عن الحُسين، نتحدّثُ عن صاحب المشروع الإلهي الأعظم.. فهذا هو الحُسين يُنفّذ مشروع الله.
  • ● سيّد الشهداء يقولُ في كتابهِ الثاني: أنّنا في هذا المقطع الزماني لم نُخطّطْ لِدُنيا باقية.. الواقعُ السياسيُّ، الإجتماعيُّ، الدينيُّ.. واقعُ دين مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله” الهدفُ العظيمُ لِرسول الله الذي يتحقّقُ في حُصولِ المشروع المهدويّ الأعظم وما بعدَهُ مِن عَصْر الرجعةِ العظيم لابُدَّ أن يكونَ الذي كان مُقدّمةً.. بالضبط كما عبَّر عنها سيّد الشُهداء بهذا التعبير: (أمّا بعد، فكأنَّ الدُنيا لم تكنْ، وكأنَّ الآخرةُ لم تزلْ، والسلام) يعني أنَّ برنامجَنا هُو برنامجُ الشهادة، فها نحنُ (أنا ومَن لَحِقَ بي) راحلون عن هذا التراب.. هذهِ الصحيفةُ الأولى مِن صحائفِ المشروع الحُسيني التي تقدّم الحديثُ عنها حينما حدّثتُكم عن خارطة المشروع الحُسيني.
  • ● ما يُطرحُ في أجواء الثقافةِ الحُسينيّة المُعاصرة مِن قبيل: “انتصار الدم على السيف” أو “يُظلَم الإنسانُ كي ينتصر”.. هذا الكلام إنْ أُريدَ منهُ المعنى الحقيقي التام الكامل فلا صِحّةَ لهُ لا على أرضِ الواقع ولا يتطابقُ ولا يتوافقُ مع منطقِ الكتاب والعترةِ في فَهْم المشروع الحُسيني.. وقد تقدّم الكلامُ مُفصّلاً. لكن إنْ أُريدَ مِن هذا المضمون “أنَّ الدم ينتصرُ على السيف” إنْ أُريدَ منهُ أن تتحقّق بعضُ الأهداف، كُلّ الأهداف التي لأجلها سُفِكتْ الدماء، أو أنَّ الشخص أو المُجتمع حين يتّخذُ المظلوميّةَ سبيلاً لتحقيقِ أهدافهِ فإنَّه سينجحُ في بعضها أو في كُلّها.. إذا كانَ الحديثُ عن تحقيقِ الأهدافِ بنحوٍ جُزئيّ، أو بنحوٍ كُلّي ويُطَلَقُ على هذا النَصْر والانتصار، فإنَّ الإطلاقَ مجازيٌّ حِينئذٍ ولا إشكالَ في الأمر.
  • تأريخُ البشريّةِ حافلٌ بهذهِ الحقيقة قبل الإسلام وبعد الإسلام.. فَلَطالما تُسفَكُ الدماء في أيّ اتّجاهٍ مِن الاتّجاهات، ولطالما تكونُ هُناك مُظلوميّات، وبسبب تلكَ الدماء أو بسبب تِلكَ المظلوميّات قد تتحقّقُ أهدافُ الذين سُفِكتْ دِماؤُهم كُلّاً أو جُزءاً، ولكن قطعاً مِن دُون وُجودهم.. ولو كانوا موجودين فإنَّ إدارتَهُم لتحقيقِ الأهداف قَطْعاً ستكونُ مُختلفةً عن إدارةِ الذينَ يُحقّقونَ الأهدافَ بعد ذلك، وحينئذٍ فإنَّ النَصْرَ بالمعنى الحقيقي لم يتحقّقْ لهم.. وكذلك إدارةُ الأهدافِ مِثلما رَسمُوا ومِثلما خطّطوا لم تتحقّق.. هي تحقّقتْ بنحوٍ وبطريقةٍ أُخرى تنسجِمُ مع الذي كانوا يتحدّثون عنه أو مع شعاراتهم التي رفعوها بِحَسب فَهْم الذين يُحقّقونَ أهدافَهُم على أرض الواقع.
  • فهذا المضمون الموجود في هذهِ المَقولة: “انتصار الدم على السيف” إذا كان المُراد مِنهُ هذا الفَهْم وهو: تحقيقُ بعضِ الأهداف أو كُلُّ الأهداف وإطلاقُ النَصْرِ والانتصار مِن هذهِ الحيثيّة المجازيّة، لا إشكال في ذلك.. هذا الكلامُ يكونُ صحيحاً وقد يكونُ أيضاً في جُملةِ آثارِ المشروع الحُسيني على الواقع الإنساني بشكلٍ عام بغَضّ النظر عن الانتماء الديني أو القومي أو العرقي أو غير ذلك مِن العناوين التي يختلفُ فيها وحولها وعليها الناس.
  • قَطْعاً للمشروع الحُسيني هُناك مِن الآثار ومِن التأثير ومِن التردُّداتِ الكبيرة التي سبَّبها هذا البركانُ الدمويُّ الوجدانيُّ العَلَويُّ الزهرائي.. هُناكَ تردّداتٌ وإنعكاساتٌ كثيرة، لكنّ هذا الكلام سيبقى في الحاشية.. أمّا مَتنُ الحقيقةِ فهو الذي ذكرتُهُ لكم حيثُ تعاضدتْ آياتُ الكتابِ الكريم مع أحاديثِ العترةِ الطاهرة وأشرقتْ زياراتُهم وأدعيتُهم وكلماتُهم بتلكَ الحقيقةِ الناصعةِ البيّنةِ التي تقدّم ذِكْرها.

  • المُفردةُ الثانيةُ – وهي مُفردةٌ مُهمّةٌ جدّاً – هي مُفردةُ: (الثأر) أو (الثار) والمعنى واحد.

  • الموجودُ في زياراتِ سيّد الشُهداء حِين نُسلّم عليه: (السلامُ عليكَ يا ثارَ الله وابن ثاره..) مِن دون همز.. ولكن إذا أردنا أن نقرأها: (يا ثأرَ الله وابن ثأره) فالّلفظُ صحيحٌ، ولكن عُرِفَ عن قُريشٍ أنّهم لا يُحبّذون الهَمْز كثيراً في الكلام.. وأئمتُنا في الأعمِّ الأغلب يتحدَّثون بِلغةِ قريش.. هذا لا يعني أنّهم لا يتحدّثون خارجَ النطاق المُتعارف عليه عند قريش.
  • ● في لُغة العرب (ثار، أو ثأر) معناها: “الدم”.. ويستعملونها أيضاً في معنىً آخر يرتبطُ بالدم وهو: “حقُّ الدم”
  • فالمعنى الأوّل حِين يُقال: ثارُ فلان.. يعني: دَمُهُ الذي يجري في عُروقهِ وقد سُفِح وبِسفْحهِ فقد قُتِل.. ويُقال: “ثارُ زيد” هو حقُّ أوليائهِ في المُطالبةِ بأخذِ حقّهِ بأن يقتصُّوا مِن قاتله.. حقُّ الدم. فهذهِ الّلفظةُ (ثار) في لُغة العرب إمّا أن تُعطي معنى: الدم وهو المعنى الأولّ والشائع في لُغةِ العرب.. أمّا المعنى الثاني وهو: “حقُّ الدم” فهو بِحاجةٍ إلى قرينة. فالمعنى الأصل لِمُفردة “الثار” هو الدم.. والمعنى الفرع لِهذه هو: “حقّ الدم” الذي يمتلِكُهُ وليُّ المقتول.
  • (وقفة توضيح لهذه النقطة).
  • ● فحينما نُخاطب سيّد الشُهداء في زياراته الشريفة: (أشهدُ أنّ دَمَكَ سَكَن في الخُلْد) هذا هو دَمُهُ، هذا هُو ثارهُ.. فحينَ نقول: “يا ثار الله” إنّنا نقولُ بالأصالة: يا دمَ الله.. وبالتفرّع فقد يكون المعنى أنَّ اللهَ هُو وليُّ الدم، وإلّا المعنى الأصل لكلمة “ثار” هو الدم. وحديثي هُنا في أجواء المعنيّين: في معنى أنَّ الثار هو الدم، وفي معنى أنَّ الثار هو: حقّ الدم.. لأنَّ هذين المَعنيين يظهرانِ بوُضوح في نُصوصِ الثقافة الحُسينيّة.

  • نبدأ بالدم.. ومِن هُنا أبدأُ حديثي عن الدم، أبدأ مِن هذا المقطع مِن حديثٍ مرويٍّ عن إمامنا الصادق “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في كتاب [تُحُف العقول] لابن شُعبة الحرّاني. في صفحة 258 الإمام الصادق يُحدّثنا عن الإنسان جَسَداً ورُوحاً، ويُخبرنا عن طبيعةِ جسدهِ ومُكوّناته.. فيقول “عليه السلام”

  • (إنّما صار الإنسانُ يأكلُ ويشرب….) إلى أن يقول: (والدمُ في جَسَدهِ بمنزلةِ الماءِ في الأرض. ولا قِوام للأرض إلّا بالماء، ولا قِوام لِجَسَد الإنسان إلّا بالدم..)
  • الماءُ هو حياةُ الأرض بكُلّ شُؤوناتها وبكُلِّ أجزائها، والدمُ في جَسَدِ الإنسان بمَنزلةِ الماءِ في الأرض ولا قِوامَ للأرض إلّا بالماء.. يعني أنَّ الأرض مِن دُون الماء ستكونُ ميّتةً عديمةَ النفعِ والفائدة.
  • هذهِ الكلمةُ لإمامنا الصادق تُجمِلُ الكثير مِن الحقائق.. وأعتقدُ أنَّ العلومَ المُعاصرةَ التي تتخصّصُ بِدراسةِ جِسْمِ الإنسان والأجهزةِ الفاعلةِ فيه ودراسة ما يُسمّى بالجهاز الدموي قد حقّقتْ الكثير، ولكنّني أعتقدُ أنَّ كلامَ إمامنا الصادق لو أنَّهُ هُو شَرَحهُ وفسّرهُ لنا لكانَ هُناك الكثيرُ والكثيرُ مِن الحقائق التي لازالتْ تخفى على بني البشر.. ومع ذلك فإنَّ العلوم المُعاصرةَ قد حقّقتْ المعاجز الكثيرة
  • (وقفة أُحدّثكم فيها بالإجمال عن الدم في ثقافتنا العامّة وأَثَرُ الدمِ في حياتنا، وأُبيّن فيها الوظائف والمنافعُ والحاجات التي يُحقّقها الدم في أجسامنا.. حتّى يتجلّى لنا بعضُ شيءٍ مِن معنى قول إمامنا الصادق: “والدمُ في جَسَدهِ بمنزلةِ الماءِ في الأرض. ولا قِوام للأرض إلّا بالماء، ولا قِوام لِجَسَد الإنسان إلّا بالدم”).
  • قد يقول قائل: لِماذا كُلُّ هذا الكلام عن الدم؟ فَهل نَحنُ في برنامجٍ يُحدّثنا في موضوعاتِ البايولوجي مثلاً..؟!
  • وأقول: بأنَّ السبب الذي جعلني أُحدّثُكم عن أهميّة الدم ووظائفهِ ومنافعهِ في أجسامنا هُو أنّني أُريدُ أن أنقُلَكم إلى نُقطةٍ مُهمّةٍ ومنها أدخلُ إلى البحث.

  • وقفة عند حديثِ الإمام الصادق في كتاب [المُؤمن] للحُسين بن سعيد الأهوازي القُمّي (وهُو شخصيّةٌ علميّةٌ شيعيّةٌ مِن أصحابِ أئمتنا.. وهُو مِن سُلالةِ أُولئكَ العَبيد الذين أعتقَهم إمامُنا السجّاد بعد أن شَحَنَهم بفِكْرِ المشروع الحُسيني). فالحُسين بنُ سعيد الأهوازي هُو أنموذج للمُبلّغ الشيعي، وهُو مِن رُموز المَنهج القُمّي.. تَنقَّل في كُلِّ مكانٍ يَستطيعُ فيهِ أن ينشرَ فيهِ حديثَ أهل البيت وفِكْرَ أهل البيت.. وكتابهُ هذا مِن الأصول الأصليّة.

  • ممّا جاء في هذا الكتاب حديثٌ لإمامنا الباقر “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” يُحدّثنا فيه عن الباري سُبحانه وتعالى، فيقول:
  • (قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: مَن أهانَ لي وليّاً فقد أرصدَ لِمُحاربتي، وما تقرَّب إليَّ عبدٌ بمِثْل ما افترضتَ عليه، وإنّهُ ليتقرّبُ إليَّ بالنافلة حتَّى أُحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبصرُ به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورِجلَهُ التي يمشي بها، إنْ دعاني أجبتُهُ ، وإنْ سألني أعطيتُهُ)
  • ● قولهِ: (وإنّهُ ليتقرّبُ إليَّ بالنافلة حتَّى أُحبَّهُ) النافلة هي كُلُّ ما يتجاوزُ الفرائضَ والواجبات، ليس في حُدودِ الصلواتِ فقط، بل في كُلّ شيء.
  • ● الباري تعالى في هذا الحديث يتحدّث عنّي وعنكم ويقول (عنّي وعنكم): ” كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبصرُ به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورِجلَهُ التي يمشي بها”.. هذهِ الأعضاءُ الجسديّةُ الذي يبعثُ الحياة والنشاطُ فيها هُو الدم.
  • فهذا العَبْدُ صارَ سمْعُهُ إلهيّاً، وصارَ بَصَرهُ إلهيّاً، وصارتْ يَدُهُ إلهيّةً، وصارتْ رِجْلُهُ إلهيّةً.. كُلُّ أعضاءِ بدنهِ صارتْ إلهيّةً.. صار دَمُهُ دماً إلهيّاً، لأنَّ الدمَ هُو الذي يبعثُ النشاطَ ويبعثُ الحياةَ في هذهِ الأعضاء.. ومِن هُنا فإنَّ الشهيدَ الذي يُقتَلُ في سبيلِ الله في ساحةِ المعركة يكونُ دَمُهُ طاهراً لأنَّ دَمَهُ صار دماً إلهيّاً. الشهيدُ لم يمتْ وإنّما استعجلَ الموت {وما أعجلَكَ عن قومكَ يا مُوسى} فإنَّ موسى لمّا جاءَ عَجِلاً قبل قَومهِ إلى الميقات، قال لهُ سُبحانهُ وتعالى: {وما أعجلَكَ عن قومكَ يا مُوسى} فقال: {وعجلْتُ إليكَ ربّي لِترضى}
  • فهذا العبدُ الذي يتقرّبُ إلى اللهِ بالفرائضِ ثُمّ يتقرّبُ بالنافلة، إنّهُ يتعجّلُ الرضا.. هذا العبدُ صارتْ رِجلُهُ إلهيّةً.. فأيُّ عظمةٍ هذهِ..؟! هذهِ الرجلُ التي تتّسِخُ وندوس بها على الأرض وندوس بها حتّى على النجاسات، ونضعُها في أحذيتنا.. هذهِ الرجل تَصيرُ رجْلاً إلهيّة (وكُنُتُ رِجلَهُ التي يمشي بها)
  • هذا الذي تكونُ رِجْلُهُ إلهيّةً ويَدُهُ إلهيّةً قَطْعاً سيكونُ دَمُهُ إلهيّاً، لأنَّ سِرُّ الحياةِ في رِجلهِ وسِرُّ الحياةِ في يدهِ هُو في الدم الذي يتحرّكُ فيها.. فلو انقطعَ الدمُ عن رِجلِهِ أو عن يدهِ أو تجمّد وتجلّط وفَسَد تكوينهُ فإنَّ الحياةَ ستتوقّف في هذهِ الأعضاء، وتكونُ هذهِ الأعضاء معطوبة.
  • فهذهِ رجلٌ إلهيّة دمُها إلهي، وهذهِ يدٌ إلهيّة دمُها إلهيٌّ.. ومِن هُنا نستطيعُ أن نَفهمَ طهارةَ دمِ الشهيدِ في ساحةِ المعركة حينما يُقتَل وتَخرجُ رُوحُهُ مِن بدنه.. لقد تعجَّل الرضا، وتعجّل القُرْب.
  • ● الموتُ حقٌّ واجبٌ تكوينيٌّ، ولكنَّ الشهيد تحرّك إلى النافلة، تجاوز حُدود الواجب وزاد عليها.. فلو لم يذهبْ إلى المعركةِ لكان موتُهُ ربّما بعد سِنين.. لا ندري، العِلْمُ عند إمام زماننا.. ولكنّ الشهيد تعجّل الرضا وتعجّل القُرْب وتعجّل الوَصْل.. ومِن هُنا صارَ دَمُهُ إلهيّاً.
  • السُؤال هُنا: هذا الشهيدُ الذي بسبب تعجّلهِ الوصْل والقُرْب والرضا.. هل يكونُ شهيداً مِن دُون إمضاءِ إمام زماننا..؟
  • قَطْعاً لا يُمكن ذلك.. ولا يفرقُ هذا في عَصْر الغَيبةِ وفي عَصْر الحُضور، في عَصْر الرجعة، في الّليلِ، في النهار.. ففي كُلّ أحوالنا لابُدّ لنا مِن إمامٍ، ولابُدّ أن ترتبطَ جميعُ شُؤوننا الدينيّةِ والدنيويّةِ به. فهذا الشهيدُ لا يكونُ شهيداً مِن دُون رعايةِ الإمامِ ومِن دُون قَبولِ الإمام.. يعني إذا لم يُقرّ الإمامُ شهادتَهُ فإنَّ شهادتَه لا معنى لها.. فإذا عرفنا هذا المعنى، هُنا أطرحُ هذا السُؤال وأُوجّههُ لكُلّ مراجع وفُقهاء الشيعة الذين يُفتون بنجاسةِ دم المعصوم وأقول لهم:
  • كيف يُمكن أن يكون المأمومُ في حالةٍ مِن الحالات أعلى شأناً وأعلى رُتبةً في أيّ جهةٍ مِن جهاتهِ مِن إمامه..؟! كيف يُفتى بنجاسةِ دم المعصوم وهذا شيعيٌّ مِن شيعتهِ يُقتَلُ في ساحةِ المعركة فيكونُ دَمُهُ طاهراً..!
  • فكيفَ نستطيعُ أن نتصوَّر مأموماً يكونُ في حالةٍ هُو أكملُ مِن الإمام.. والإمامُ أساساً هُو لإكمالِ نَقْصنا..؟! (هذهِ الجهةُ التي تَرتبطُ بنا وبالحكمةِ مِن وجودهِ فيما بيننا، وإلّا فإنّ شأن الإمام أعلى بكثيرٍ مِن ذلك)
  • ● المراجع يُفتون بأنّ الإمام دمُهُ نجسٌ في حالِ الحياة، وحتّى بعد الموتِ إنْ لم يُقتَل.. وهذا مِن شيعيٌّ مِن شيعتهِ ولا ندري كم ارتكبَ مِن الذنوب، وما هو مُستوى الجهل والحُمْقِ الذي هو فيه.. ومع ذلك يُحكَمُ بطهارةِ دمِهِ، ويحكم المراجع والفقهاء بنجاسةِ دم المعصوم..!!
  • أنا أقول لِكُلّ شخصٍ يُفكّرُ بهذهِ الطريقة وأقول:
  • ما هذهِ فقاهةٌ، هذهِ سفاهة.. وما هذهِ حِكمةٌ وإنّما هي حماقة.. وما هذا عِلْمٌ وإنّما هو جهلٌ.. وما هذا ذكاءٌ وإنّما غباءٌ.. وما هذا قُرْبٌ مِن إمام زماننا وإنّما بُعْدٌ وجفاءٌ وسُوءُ أدب أن نقولَ عن دمِ المعصومِ أنّهُ دمٌ نجس.
  • سُوءُ حظّ المراجع والفُقهاء والخُذلان الواضح الذي يعيشونَهُ هو الذي يجعلهم يقولونَ هذا القول السفيه.

  • أنا أقول لكلِّ مرجعٍ غبيٍّ يُفتي بنجاسةِ دم المعصوم “صلواتُ الله وسلامهُ عليه”:

  • صحيحٌ أنّك أيُّها المرجع قد تجد شيئاً في رواياتِ أحكامِ الطهارةِ ما يُمكِنُكَ أن تستدلَّ بهِ أو أن تستنتجَ منه، ولكن غابَ عنكَ الكثيرُ مِن الحقائق لأنّكَ مُرتكِسٌ في الفِكْر الناصبي.. فهذا الأمرُ يتعارضُ بشكلٍ واضحٍ مع الكتاب الكريم.
  • فإنَّ الآية 33 بعد البسملة مِن سُورة الأحزاب وهي آيةُ التطهير.. هذهِ الآية إذا ما تركتم القذاراتِ الحوزويّةَ على جهةٍ فإنّها آيةٌ واضحة إذا رجعنا إليها بذوقٍ أدبيٍّ عربي وببساطة الفَهْم بعيداً عن النواصب وبعيداً عن سفاهاتِ عُلماء الشيعة الذين ارتكستْ عُقولهم في الفِكْر الناصبي.. إذا رجعنا إلى الكتاب الكريم وإلى أحاديث العترةِ ونظرنا في آية التطهير ومِن النظرة الأولى نجد أنَّ التطهير المذكور في الآية تطهير مُطلق في جميع الاتّجاهات وفي جميع الأبعاد (في التطهير المادّي والتطهير المعنوي) وهذا هو الذي ينسجمُ مع الفطرةِ الشيعيّة التي أودعَ فيها آلُ مُحمّدٍ مِن ثقافتهم عِبْر العُصور وتوارثناها أنّنا حينما نتصوّرهم “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم” فإنّنا نتصوّرُهُم كاملين مِن جميع الجهات.
  • ● المعصوم كاملٌ مُكمّل في جميع الاتّجاهات، وآيةُ التطهير واضحةٌ في ذلك.. ولكن عليكَ يا أيُّها الفقيه والمرجع الغبيّ الذي تقول بنجاسةِ دم المعصوم، عليكَ أن تعودَ للآيةٍ بذوقٍ أدبيٍّ عربيٍّ صافٍ خالصٍ مِن كُلّ هذه القذاراتِ التي أشرتُ إليها. الآيةُ واضحة تدلُّ على طهارتهم المُطلقة الكاملة.
  • علماً أنَّ الأمر لا يقفُ عند هذا الحدّ.. فإنَّ الأئمة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” قالوا: أنَّ ما عارضَ القُرآن فإنّنا نضربُ به عَرْض الجدار.. لأنَّ الأئمةَ تارةً يتكلّمون بِلسانِ التقيّةِ، وأُخرى بلسانِ المُداراة، وأُخرى بلسان التوضيح، وأُخرى لأجلِ أن يلتزمَ الناسُ بالأحكام.. فحِينما يتنزّهُ المعصوم عن أشياءَ ترتبطُ بهِ أمامَ الناس أو أن يُحدّثهُم بذلك كي لا يتساهل الآخرون في هذا الأمر إذا كانَ المعصومُ هو بنفسهِ يتنزّهُ عن هذا.
  • المعصومُ ليس بحاجةٍ للوضوء ولا للغُسل، ولكنّه يتوضّأُ ويغتسل.. وحينما يُتوفّى يُغسَّل مع أنّهُ لا يحتاجُ عند وفاتهِ إلى غُسْل فهو طاهرٌ مُطهَّر ومُطهِّر.
  • فهذا القولُ الذي يقول بنجاسةِ دم المعصوم قولٌ مُخالفٌ للقرآن بشكلٍ واضح.

  • نقطة أخرى: في قواعد حديث أهل البيت هُناك مُحكَمٌ ومُتشابه، فعَلينا أن نفهمَ المُتشابهَ بِحَسَبِ القواعد المُحْكمة.. ولكنّكم لا تعملون بذلك لأنَّ طريقةَ الاستنباط عندكم – أيّها المراجعُ الأغبياءُ الفاشلون الذين تُفتون بنجاسةِ دمِ المعصوم – طريقةُ استنباطكم للأحكام هي وفقاً لطريقة الشافعي.. بينما الأئمة وضعوا لنا أُصولاً.

  • المُشكلةُ أنّكم حتّى هذهِ الروايات التي تتحدّث عن أنّ الأصول مِن الأئمة والفُروع يُفرّعُها فُقهاءُ الشيعة، تفهمون الأصول بأنّها أصول الفِقه.. بينما الأئمةُ لا يقصدونَ ذلك، وإنّما يقصدونَ أُصول فِكْرهم وأصول ثقافتهم وفي الدرجةِ الأولى في الجانب العقائدي، فلابُدّ أن تكون الفتاوى مُنسجمةً مع الأصولِ العقائدّيةِ لا معَ أُصولِ الفِقْه التي جئتم بها مِن الشافعي.
  • القولُ بنجاسةِ دمِ المعصوم يتعارضُ تعارضاً واضحاً مع أُصولِ العقيدةِ الشيعيّة في منطقِ الكتاب والعترة.
  • ● وقفة عند حديث الإمام الرضا عن المُحكم والمُتشابه في كتاب [عيون أخبار الرضا: ج1]
  • (قال الإمامُ الرضا “عليه السلام”: مَن ردَّ مُتشابهَ القُرآنِ إلى مُحْكَمِهِ هُديَ إلى صراطٍ مُستقيم – وهذهِ مِن بديهيّات قواعد فَهْم القرآن – ثمَّ قال “عليه السلام”: إنَّ في أخبارنا مُتشابهاً كمُتشابهِ القُرآن ومُحكَماً كمُحكَمِ القُرآن فردّوا مُتشابهها إلى مُحكَمها ولا تتّبعوا مُتشابهها دُون مُحْكَمها فتضلّوا).
  • فأنتَ أيُّها الشيعي حينما تُواجهُكَ نُصوصٌ تَفْهَمُ منها القولَ بنجاسةِ دمِ المعصوم، إذا كُنتَ أيّها الشيعي مُعبّأً بثقافةِ العترةِ الطاهرة فإنَّ هذا الأمر يُفترَضُ أن يستوقِفَك، وحينما يستوقِفُكَ هذا الأمر فهذا يعني أنّنا قد وقفنا على حُدود المُتشابه.. لابُدَّ أن نعودَ إلى المُحكَم.. وهل هُناك مِن نصٍّ مُحكمٍ، واضحٍ، ثابتٍ، بيّنٍ، صريحٍ كالزيارةِ الجامعةِ الكبيرة..؟! الزيارةُ الجامعة هي دُستورنا العقائديّ المُحكم.
  • ● ممّا جاء في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة هذهِ العبارات:
  • (وأنَّ أرواحكم ونُورَكُم وطينَتكُم واحدة طابتْ وطهُرَتْ بعضُها مِن بعض، خلقكُم اللهُ أنواراً فَجَعَلَكُم بعرشهِ مُحدقين حتّى مَنَّ علينا بكم فجعَلَكُم في بيوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسْمه، وجعَلَ صلاتنا عليكم وما خصّنا به مِن ولايتكم طِيباً لِخلقنا وطهارةً لأنفسنا وتزكيةً لنا وكفَّارةً لذُنوبنا…)
  • خَلَقهم اللهُ أنواراً.. فهل الأنوار أو حتّى آثارُها تُوصَفُ بالنجاسة؟!! الزيارةُ واضحة، ولكنَّ سُوءَ التوفيق والجهل المُركّب والمنهجيّة الشافعيّة في الاستنباط هي التي تقودكَ يا أيّها المرجعُ الغبيُّ الفاشلُ أن تقولَ عن إمامكَ المعصوم أنَّ دَمَهُ نجس!
  • ● قول الزيارة: (وأنَّ أرواحكم ونُورَكُم وطينَتكُم واحدة) هذهِ كُلُّ نَشَأتهم.. وظُهورُهُم في الدُنيا هو نشأةٌ مِن جُملةِ هذه النَشَأت.
  • فهل يستطيعُ أحدٌ أن يقول عنهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم” أنّهم كانوا طاهرينَ في كُلّ شيء ولكن حينَ مَنَّ علينا بهم فإنَّ بعض حالاتهم وبعض شُؤونهم تُوصَفُ بالنجاسة..؟! هذا هراء مِن القول.
  • ● قول الزيارة: (وجعَلَ صلاتنا عليكم وما خصّنا به مِن ولايتكم طِيباً لِخلقنا وطهارةً لأنفسنا وتزكيةً لنا وكفَّارةً لذُنوبنا) كُلُّ هذا تطهير.. فهل كُلُّ هذا التطهير يأتي مِن ذوات يُمكن أن تُوصَفَ بعضُ حالاتها بالنجاسة؟!
  • هذهِ الجُمَل الواردةُ في هذا المقطع مِن الزيارة الشريفة مِن أوّلها إلى آخرها تتحدّثُ عن تمامٍ كمالٍ وجَمالٍ وجَلالٍ وعَظَمةٍ وطَهارة.. والشيءُ المنطقيُّ حينما نَحنُ نَحتاجُ إلى التطهّر فلابُدَّ أنَّ الجهةَ التي تمنحُنا التطهّر هي مركزُ الطهارة وجوهرها.. كما نُخاطبُ سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” في زيارته الشريفة ونقول:
  • (أشهدُ أنَّكَ طُهْرٌ طاهرٌ مُطهَّر مِن طُهْرٍ طاهرٍ مُطهَّر طَهُرْتَ وطَهُرتْ بكَ البلاد وطَهُرتْ أرض أنتَ بها وطَهُرَ حرمُكَ..) هُنا مَصدرٌ الطهارة.. هذهِ ثقافةُ آل مُحمّد.. ولعنةٌ على عِلْم الرجال، ولعنةٌ على عِلْم الأصول، ولعنةٌ على عِلْم الكلام، ولعنةٌ على العمليّة الإستنباطيّة الفتوائيّةِ البغيضةِ الناصبية.
  • ● بعد هذهِ البيانات لابُدَّ للفتوى وللإفتاء أن يكون مُنسجماً مع الأصول المُحكمةِ لِعقائدنا.. فِقْهُ آل مُحمّدٍ لابُدَّ أن يكونَ مُنسجماً في فتاواهُ مع هذا الفِقْه الأعظم.. مع أُصولِ عقائدهم وأُصولِ فِكْرهم وثقافتهم.. مع المُحكَم البيّن.. وهل هُناك مِن إحكامٍ أوضح مِن إحكامِ الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة.

  • أذهبُ إلى جهةٍ ثالثة وأنا أُخاطبُ كُلَّ فقيهِ وكُلَّ مرجعٍ غبيٍّ يُفتي بنجاسةِ دم المعصوم، وأقول:

  • هُناك في سيرةِ المعصومينَ والتي لا تُدرَّسُ في حوزاتنا بشكلٍ صحيح ومراجعنا ليس لهم مِن اطّلاعٍ واسعٍ ودقيقٍ عليها، هُناكَ مِن الأحكامِ ومن المواقف التي تنقُلها لنا الأحاديثُ والروايات، المعصوم لطالما يصدرُ منهُ ما يصدر لأجل التدريب والمُمارسة.. كي يُدرّب المُسلمين في زمان رسول الله على التطبيقِ العَمَلي والإجراء الفعلي لكثيرٍ من الأحكام التي هي جديدةٌ عليهم أو يجدونَ صُعوبةً في تطبيقها.
  • (وقفة عند مثال مِن الكتاب ومِثال مِن حديث العترة لتوضيح هذه النُقطة).
  • المثال مِن الكتاب:
  • في سُورة الأحزاب الآية 37 حينما تزوّج النبيُّ “صلّى الله عليه وآله” زينب بنتَ جحش – وهي بنتُ عمّتهِ – وكان زيد بن حارثة الذي كان يُسمّى في الجاهليّةِ بأنّهُ ابنُ مُحمّد.. ولهذه التسمية حكاية مُلخّصها هو:
  • أنَّ زيد لم يكن عبداً، وإنّما سُبي في غزواتِ السبي، وبالنتيجةِ أُخِذَ مِن أهلِهِ وهو صغير وبِيعَ في سُوقِ النخاسةِ إلى أن جيءَ بهِ إلى سُوقِ النخاسةِ في مكّة، فاشتراهُ أبو طالب “صلواتُ اللهِ عليه”، ثُمَّ وهَبَهُ للنبيّ، فكان مُرافقاً للنبيّ “صلّى الله عليه وآله” مُنذ أيّام صِغَرهِ.
  • سَمِعَ أهلُهُ – بعد سنواتِ مِن سبيهِ في الغزواتِ والحروب أيّام الجاهليّة – سَمِعوا أنّ ابنهم زيد في مكّة وعند أبي طالب.. فجاءَ أبوهُ وعمّهُ ووصلوا إلى أبي طالب، وأخبرهُم أبو طالب أنّهُ وهَبَهُ لابن أخيهِ مُحمّد “صلّى الله عليه وآله”.. فجاءَ أبوه وعمّهُ لنبيّنا “صلّى الله عليه وآله” أيّام الجاهليّة قبل البعثة، فطلبوا مِن نبيّنا “صلّى الله عليه وآله” ولدهم، ولكنّ زيد رفضَ أن يعودَ مع أبيهِ وعمّه، لأنّهُ لا يُريدُ أن يُفارقَ رسولَ الله “صلّى الله عليه وآله” فهو تربّى في أجواء نبيّنا الأعظم.
  • فلّما رفضَ زيد أن يعودَ مع أبيهِ وعمّه، تبرّأ أبوهُ منهُ أمامَ الملأ وقال: أنَّ زيداً ليس ولدي.. وهَذهِ في العُرْف العربي قَضيّةٌ كبيرةٌ جدّاً.. فلأنَّ هذا الأمْر سبَّب أذىً ولَطْمةً نفسيّةً لِزيد فإنّ رسول الله قام فقال: إنَّ زيداً ولدي وليس خادماً عندي.. فعُرِفَ أنّ زيد هو ابنُ مُحمّد.. ولذلك قالتْ الآية 40 في سُورة الأحزاب: {ما كان مُحمَّدٌ أبا أحدٍ مِن رجالكم ولكن رسولَ الله وخاتمَ النبيّين}
  • وفي بداية سُورة الأحزاب جاءتْ هذهِ الآية: {وما جعَلَ أدعياءَكُم أبناءَكم…}
  • السُورةُ هُنا تُريدُ أن تُؤسّس حُكماً.. لأنَّ العرب كانتْ تُعامِلُ أبناءَها بالتبنّي كالأبناءِ الأصليّين، وبهذا تَختلُّ منظومةُ الأنسابِ وأحكامُ المواريثِ وتفاصيل أُخرى بِحَسب المنظومة الدينيّة المُفصّلة.
  • فكانوا يقولون: زيد هو ابنُ مُحمّد، وكان العَرَب يتعاملون مع أبنائهم بالتبنّي كأولادهم الأصليّين.. فالقُرآنُ أرادَ أن يُبيّن أنّ الأبناء بالتبنّي لهم أحكام، وأنَّ الأبناء بالّلحمةِ والنَسَب لهم أحكام.. فزوجةُ الإبن بالتبنّي يُمكن أن يتزوّجها مَن يُقال لهُ الأب في العُرْف.. فأراد القرآن أن يُدرّب المُسلمين على هذا الحُكْم، وكان قاسيّاً عليهم لأنّهم اعتادوا عليه ومن وجهةِ نَظَرٍ عُرفيّةٍ كان معيباً ومرفوضاً ومُحرّماً.
  • فلِذا قام رسولُ الله بهذا الأمر مثلما تُبيّن الآية 37 من سُورة الأحزاب حيث تقول:
  • {فلمّا قضى زيد منها وَطَراً زوجناكها لكي لا يكونَ على المُؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهُنَّ وَطَراً وكان أمرُ اللهِ مفعولا}
  • حتّى تكون هناك عمليّةُ كسْر لهذا الطوق العُرفي الخاطئ الذي يُخالف الفِطرة الإلهيّة ويُخالف المنظومة الشرعيّة التي يُريدُ اللهُ سُبحانَهُ وتعالى أن تُنفَّذ وأن يُعمَل بها على الأرض.
  • وقد قال المُستشرقون وغيرُ المُستشرقين عن هذهِ الواقعة ما قالوا، وحتّى في كُتُب النواصب.. فقد أوردوا مِن الرواياتِ والأحاديث التي تُسيءُ إلى رسول الله.. والحال أنَّ القضيّةَ واضحةٌ جدّاً.. فالآية بنفسها تقول: {لكي لا يكونَ على المُؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم} يعني أنَّ هذهِ القضيّة هي لتأسيسِ حُكْمٍ يَرفعُ الحَرَج عن المُؤمنين.. فالنبيُّ الأعظم قامَ بهذا الأمر لأجل التدريب والمُمارسة العمليّة في الواقع المُجتمعي.. وإلّا فإنّ الأمر لو لم يكنْ كذلك لَما فَعلَهُ رسول الله “صلّى الله عليه وآله”.
  • بل إنَّ القضيّةَ قد تتجاوزُ هذا الأمر، فإنَّ زينب بنتَ جحش كانتْ مِن البداية أهلُها سمّوها بإسْم رسولِ الله، وزواجُها مِن زيد كانَ جُزءاً مِن برنامجٍ لأجلِ تبليغ الرسالة، وليس لأجل شهوةٍ ورغبةٍ شخصيّةٍ عند رسول الله كما يزعمون.. فنبيّنا الأعظم فوق الرغَبَات. هذا مثال مِن الكتاب الكريم.
  • وقفة عند مثالٍ مِن حديثِ العترة:
  • وقفة عند حديث الإمام الصادق “عليه السلام” في [الكافي الشريف: ج7] – باب 260 الحديث الأوّل
  • (عن أبي عبد الله “عليه‌ السلام” قال: قال رسولُ اللهِ “صلّى الله‌ُ عليه‌ِ وآله‌”: إنّما أقضي بينكم بالبيّناتِ والأيمان، وبعضُكم ألحنُ بحُجّتهِ مِن بعض، فأيُّما رجلٍ قَطعْتُ لهُ مِن مالِ أخيهِ شيئاً فإنّما قطعتُ لَهُ به قِطعةً مِن النار)
  • هُناك قانون قضائي معروف وهو: “البيّنةُ على مَن ادّعى واليمينُ على مَن أنكر”.. هكذا تترتّبُ أحكامُ القضاءِ حينما يترافعُ المُترافعون لأجل خَصْم القولِ في مسألةٍ مِن المسائل.
  • النبّي في هذهِ الرواية يُريدُ أن يقول أنَّ النظامَ القضائي مبنيٌّ على هذهِ القاعدة: “البيّنةُ على مَن ادّعى واليمينُ على مَن أنكر” ولكن يُمكن بِحَسَب هذهِ القاعدة أنّ أشخاصاً يشهدون شهادة الزُور، وأنَّ شخصاً يدّعي حقّاً لهُ فعلاً لا يملكُ الأدلّة، فحينئذٍ المُنكِرُ يَحلِفُ يَميناً ويسقُطُ حقُّ المُدعي.. فهذا القانونُ يستطيعُ الناس بشكلٍ عام أن يُحصّلوا حُقوقَهم مِن خِلال تطبيقهِ، ولكن ليس في جميع الحالات.
  • رسول الله كان يعملُ بهذا القانون مع الناس لأنّهُ يُريد أن يُدرّب المُسلمين على استعمالِ وإجراء هذا القانون.. لأنّهُ في الأعمّ الأغلب حينما يُطبَّق هذا القانون وبشكلٍ صحيح وبِمقدّمات صحيحة، ففي الأعمّ الأغلب الحقّ يصِلُ إلى صاحبه.. وحالاتُ الالتفافِ على القانون ستكونُ حينئذٍ قليلة.
  • — نبيّنا الأعظم “صلّى الله عليه وآله” يعلمُ أنَّ هذا الحقّ لـ(س) مِن الناس وليس لـ(ص)، ولكن بِحَسَب البيّنات وبِحَسَب المُجريات فإنَّهُ يحكمُ لِغَير صاحب الحقّ، لأنَّ المُسلمين لا يعلمونَ الحقائق.. فالقُضاةُ حينَ يقضون بِحَسَب قواعد شرعيّة.. فلِذا النبيُّ “صلّى الله عليه وآله” كان يعمل بهذهِ القواعد الشرعيّة.. والأئمةُ مِن بعدهِ كذلكَ وهُم يعلمون الحقائق.
  • في زمن ظُهور إمامِ زماننا ستُعطَّل هَذهِ القواعد، وحينئذٍ سيكونُ الحُكْم على الحقائق.. طَريقةُ الحُكْمِ والقضاءِ ستختلفُ بعيداً عن هَذهِ الموازين.
  • موطنُ الشاهد هُنا:
  • أنّ المعصوم في حالاتٍ كثيرةِ يُجري الأحكام ويُفعّلها على مُستوى التدريب للعباد.. الرواياتُ والأحاديث التي استدلّ مَن استدلَّ بها، فتلكَ الرواياتُ مُعارضةٌ للقُرآن وهي في مُستوى المُتشابه العقائدي.. فهي تتعارضُ مع منطق النصّ المُحكَم الثابت وهُو: الزيارةُ الجامعةُ الكبيرة.. وهي جاءتْ بِلسان التدريب والمُمارسة – كما مرّ -.

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٣ والأخيرة – زيارة الأربعين

موضوع هذهِ الحلقة هو: "زيارةُ الأربعين في المكتبة الشيعيّة"، في كُتُب كبار علمائنا، سأتجوّ…