يا حسين البوصلة الفائقة – الحلقة ١٢ – المشروع الحسيني وفقاً لمنطق الكتاب والعترة ج٤

صور

فيديو

 

 

يوتيوب

 

 
 

اوديو

 

 

مطبوع

 

 

ملخـّص الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 12 محرّم 1440هـ الموافق 22 / 9 / 2018م

  • هذا هو الجُزء الرابع مِن حديثنا تحت عنوان: المشروعُ الحُسينيُّ وفقاً لِمَنطق الكتابِ والعترة.

  • في الحلقةِ الماضيةِ وصلَ الحديثُ بنا إلى المُفردةِ الثانية المُهمّة مِن مُفرداتِ المشروع الحُسيني وهي مُفردة: “الثأر”.. وبيّنتُ في الحلقةِ الماضية أنَّ الثأر في أصل لُغةِ العرب هو “الدم”.. ويأتي بمعنىً آخر وهو: “حقُّ الدم الذي يمتلِكُهُ أولياء القتيل”.

  • هذهِ الحلقة هي تتمةٌ لِما تقدّم في الحلقةِ الماضية في أجواءِ معنى ومضمون: “الثأر”.. بحَسَب منطقِ الكتاب والعترة.

  • وعدتُكم أن يكونَ الحديثُ في هذهِ الحلقة في أجواءِ أسرارِ الدم الحُسيني.. وإذا أردتُ أن أكونَ دقيقاً في التعبير فإنَّ حديثي في هذهِ الحلقة عبارةٌ عن إيماضةٍ تلوحُ مِن بعيد، عن شيءٍ من سِرٍّ من أسرار الدم الحُسيني الطاهر المُطهَّرُ والمُطهِّر.. فهذا هو عُنوانُ حديثي وقد حاولتُ أن أضبطهُ في جُملةِ نقاطٍ.
  • هذهِ الإيماضةُ هي جولةٌ في أنحاءِ وأحناءِ الكتاب والعترةِ يُعطّرها ذِكْرُ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.

  • أبدأ حديثي في هذهِ الإيماضة مِن هُنا:

  • ● وقفة عند حديث سيّد الشُهداء “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه” في كتاب [عيون أخبار الرضا: ج1] للشيخ الصدوق.
  • في صفحة 62 – الحديث (29) بسندٍ معصوميٍّ حتّى يَصِلَ السَنَدُ إلى سيّد الشُهداء:
  • (دخلتُ على رسول الله وعندهُ أُبَيُّ بن كعب – شخصيّةٌ صحابيّةٌ معروفة – فقال لي رسول الله: مرحباً بكَ يا أبا عبد الله يا زينَ السماواتِ والأرض، قال لهُ أُبَيّ: وكيف يكونُ يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحدٌ غيرك؟ قال‌ “صلّى اللهُ عليه وآله”: يا أُبَيّ والذي بعثني بالحق نبيّاً إنَّ الحسينَ بن عليٍّ في السماء أكبرُ منهُ في الأرض، وإنّهُ لَمكتوبٌ عن يمين عَرْشِ اللهِ عزَّ وجلَّ مصباحُ هُدىً وسفينةُ نجاة وإمامُ خيرٍ ويُمْنٍ وعزٍّ وفَخْرٍ وعِلْمٍ وذُخْر…)
  • فالحُسين في السماء أكبرُ منهُ في الأرض.. وأنا هُنا لستُ بصدد شرْح هذه الكلمة، فذلك يحتاجُ إلى شرحٍ وتفصيلٍ طويل.. وإنّما أُحاولُ أن أحشِدَ النُصوصَ في هذهِ الحلقةِ بالنحوِ الذي يُفسّرُ بعضُها بعضاً.. وأنتم يُمكنُكم أن تُرابطوا بينَ هذهِ النُصوص وبين ما تقدّم في الحلقاتِ السابقةِ مِن هذا البرنامج.
  • — الكلامُ في هذهِ الرواية كُلّهُ مُنيرٌ وواضح، ولكنّني أُركّزُ النظرَ هُنا على هذهِ الجُملة والكلمة المُنيرة: “الحُسينُ في السماء أكبرُ منهُ في الأرض”.
  • وأقول: نَحنُ ما عرفنا الحُسين في الأرض، فكيف نعرفُ الحُسين في السماء..؟؟!!
  • ومِن هذا النصِّ الجميل العَجيب أُذكّركم فقط أنّي في الحلقةِ الماضية قرأتُ عليكم حديثاً مِن كتاب [المُؤمن] للحُسين بن سعيد الأهوازي، وهُو الحديث الذي نَقَلهُ إمامُنا الباقر عن الله.. مِن أنَّ الله سُبحانَهُ وتعالى قال عن عبدهِ الذي يتقرّبُ إليه بالنافلة أنّهُ سيكونُ يَدَهُ التي يبطِشُ بها، وسيكونُ رِجْلَهُ التي يمشي بها..! ومرَّ الكلامُ عن الشهيد الذي يُقتَلُ في ساحةِ المعركة وكيف أنَّ الله سُبحانهُ وتعالى ينظرُ إليه لأنّهُ قد تعجَّل إلى ربّهِ، ولِذا سيتحوَّلُ دَمُهُ إلى دَمٍ إلهي فيكونُ دَمُهُ طاهراً.. مِثلما تَتحوّلُ رِجْلُ هذا العَبْد الذي يتقرّبُ إلى اللهِ بالنافلة فتكونُ رِجْلُهُ إلهيّةً.
  • ● وقفة عند زياراتِ سيّد الأوصياء المُطلقة (وتحديداً: وقفة عند الزيارة السادسة مِن زيارات سيّد الأوصياء وهي مِن الزيارات المُطلقةِ المُهمّة).
  • ممّا جاءَ في هذهِ الزيارة الشريفة هَذهِ العبارات التي نُخاطِبُ بها سيّد الأوصياء فنقول:
  • (السلامُ عليكَ يا بابَ الله، السلامُ عليكَ يا عينَ اللهِ الناظرة، ويدَهُ الباسطة، وأذنَهُ الواعية، وحكمتَهُ البالغة، ونعمتَهُ السابغة، ونقمتَهُ الدامغة…)
  • الإمامُ المعصوم هُو عينُ اللهِ الناظرة، فإنَّ الله سُبحانهُ وتعالى إذا أرادَ أن ينظرَ نَظَرَ الّلطفِ الى عبادهِ فإنَّ نَظَرَهُ يكونُ عِبْر عينهِ الناظرة.. فذاك الشهيدُ صارَ دَمُهُ طاهراً لأنَّ الله نَظَرَ إليهِ عِبْر عينهِ الناظرة.
  • إذا كان اللهُ سُبحانهُ وتعالى ينظرُ إلى عبادهِ عِبْر عينهِ الناظرة، وطهارةُ دم الشهيد جاءتْ بِسبب نَظَرِ عينِ اللهِ الناظرة (الذي هُو الإمامُ المعصوم) فكيف يكونُ دمُ المعصومِ نجساً..؟! قولوا لِمراجعكم الذين يُفتون بنجاسة دم المعصوم.
  • — فنحنُ في هذا المقطع مِن الزيارة السادسة للأمير هكذا نُخاطِبُ سيّد الأوصياء: (السلامُ عليكَ يا عين اللهِ الناظرة)
  • فإذا كان عبدٌ من عامّة العبيد إذا تقرّب إلى اللهِ تعالى بالنافلة، فإنَّ سُبحانهُ وتعالى يقول: أكونُ رِجْلَهُ التي يمشي بها..! (إذا كان هذا المعنى يصعبُ تصوّرهُ، فكيف نستطيعُ أن نتصوّر هذا المعنى الذي تتحدّثُ عنه هذهِ الزيارة مِن زياراتِ الأمير..؟!)
  • — إلى أن تقول الزيارة: (السلامُ على اسْم اللهِ الرضي، ووجههِ المُضي، وجَنْبهِ العلي..)
  • الإمامُ المعصوم هو وجهُ اللهِ وهو جنبُ الله، وهو اسْمُ الله، وهو عينُ اللهِ الناظرة، ويدهُ الباسطة.
  • كُلُّ هذهِ المعاني وكُلُّ هذهِ الأوصاف تختصِرُها هذهِ الكلمة في زيارة عاشوراء حين نُخاطبُ سيّد الشُهداء بهذهِ العبارة: (السلامُ عليكَ يا ثار اللهِ وابن ثاره..) هذهِ المعاني هي هي في أمير المُؤمنين وفي الحُسين الشهيد.. فما كان لأوّلهم فهو لآخرهم وما كان لآخرهم فهو لأوّلهم.. وهذا المضمون يُقرّب المعنى الذي أشرتُ إليه مِن أنَّ معنى ثأر الله يعني دم الله.. فالحُسين عينُ اللهِ الناظرة، والحُسينُ يدُ اللهِ الباسطة، والحُسين أُذن الله الواعية.
  • هذه الأوصاف وهذهِ الأسماءُ وهذهِ المظاهرُ واضحةٌ جدّاً ونحنُ نُخاطبُ سيّد الأوصياء “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.
  • ● في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق.. في صفحة 160 الحديث (1) من الباب (22) عن أبي عبد الله “الصادق عليه‌ السلام” قال:
  • (إنَّ أمير المؤمنين قال: أنا عِلْمُ الله، وأنا قَلْبُ الله الواعي، ولسانُ اللهِ الناطق، وعينُ الله، وجنبُ الله، وأنا يدُ الله…)
  • — قد يقول قائل: أنَّ القراءةَ الصحيحةَ للعبارة هي: “أنا عَلَمُ اللهِ” بفتح العين والّلام.. مِن العلامة، يعني أنَّ الإمام علامةٌ مِن علاماتِ اللهِ سُبحانهُ وتعالى.. وأقول: صحيح هذا فمِن جُملة معاني “الإمام” في لُغةِ العرب هو أنّهُ العَلَم الشاخصُ الواضح.. يُقال لهُ إمام لأنَّ الناس في الّليلِ حينما تسير ويُوضَعُ لها شاخصٌ عالٍ في رأسهِ نار يُقالُ لهذا الشاخص وهذهِ العلامة أنّها: “إمام”.. لأنَّ الذين يسيرون في الصحراء في الّليل يأمُّونَ هذا الشاخص ويقصدونَهُ ويتوجهون إليه إمّا للمكوثِ عنده، أو لِتشخيص الطريقِ مِن خلالهِ.. فيأمّون هذا العَلَم وهذا الإمام.. هذا في أصل الّلغة.
  • ولكن بقرينةِ ما بعد هذهِ العبارة فإنَّ القراءة الصحيحة هي: “أنا عِلْمُ الله” ولو لم يكنْ كذلك لَما كانتْ الشهادةُ في الآية الأخيرة مِن سُورة الرعد شهادةً صحيحة: {ويقول الذين كفروا لسْتَ مُرسلاً قُلْ كفى باللهِ شهيداً بيني وبينكم ومَن عِندهُ عِلْم الكتاب}
  • الذي عندهُ عِلْمُ الكتاب هُو أميرُ المُؤمنين كما وردَ في رواياتهم الشريفة “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • وحتّى مِن دُون الروايات.. مَن ذا الذي يكونُ شاهداً وشهادتُهُ مُساويةٌ لِشهادة الله..؟! ونَحنُ نَعلمُ أنَّ الشُهود لابُدَّ أن يكون عِلْمُهم واحداً مُتساويّاً في كُلّ تفاصيلهِ بخُصوصِ القضيّةِ التي يشهدون عليها.
  • فحين تقول الآية: {قُلْ كفى باللهِ شهيداً بيني وبينكم ومَن عِندهُ عِلْم الكتاب} هُناك مُساواة في العِلْم، فإنَّ الله سُبحانهُ وتعالى قد أعطى مُحمّداً وعليّاً وآلهما الأطهار.. فإنّهُ قد فاضَ عليهم بعِلْمِهِ عزّ وجلّ. أضف أنَّ هذهِ العبارات: (أنا قَلْبُ الله الواعي، ولسانُ اللهِ الناطق، وعينُ الله) هذهِ كُلّها تُشير إلى حقائق تتعانقُ مع حقيقةِ العِلْم.. فَحينئذٍ يتّضحُ المعنى المُراد مِن قولنا (يا ثار الله) يعني: يا دمَ الله.
  • فكُلُّ هذهِ المضامين تقودُ إلى نفس الجهة.. وإذا أردنا أن نُرابطَ في المعاني بين القَلْب والدمِ بشكلٍ تَقريبيّ باعتبار أنَّ الدمَ في جِسْم الإنسانِ علاقتُهُ علاقةٌ وثيقةٌ بقلب الإنسان.. هذا على مُستوى جِسْم الإنسان.. وكُلُّ ما في الوجودِ مظاهرٌ وهذهِ المظاهرُ تعكِسُ لنا ما وراءَها مِن الحقائقِ في عوالم الغَيب، حتّى ما يجري في عالم التُرابِ وفي عالم المادةِ.. إنّها صُوَرٌ عن حقائق في عالم الغَيب الواسع تتمظهر بهذا الظُهور المادي التُرابي في عالم الطبيعةِ وحيثما نحنُ نكون وحيثما نحنُ نحيا ونموت في هذا العالم.
  • ● وقفة عند زيارة النُدبة في كتاب [بحار الأنوار: ج99] وهذهِ الزيارة غير دُعاء النُدبة (وتُسمّى في بعضِ كُتُب المزارات بزيارةِ آل ياسين غير المشهورة) وهي صادرةٌ مِن الناحيةِ المُقدّسة. هكذا نُخاطِبُ إمام زماننا في هذهِ الزيارة:
  • (السلامُ عليكَ يا صاحب المرأى والمسمع الذي بعينِ اللهِ مواثيقهُ، وبيدِ اللهِ عُهُوده، وبقُدرةِ اللهِ سُلطانه)
  • أنا لا أستطيع أن أفهمَ ما جاءَ في حديثِ إمامنا الباقر الذي أوردتُهُ يوم أمس مِن أنّ الله يتحدّثُ عن عبدهِ الذي يتقرّبُ إليهِ بالنافلة فيقول: أكونُ سَمْعَهُ الذي يسمعُ به، وأكون بَصَرَهُ الذي يُبصِرُ به..!
  • أنا لا أستطيعُ أن أفهم حقيقةَ ذلك في عبْدٍ مِن عامّةِ عبيده.. فكيف أستطيعُ أن أُدرِكَ كُنْهَ حقيقةِ هذهِ المضامين التي قرأتُها عليكم مِن زيارةِ النُدبة..؟! إنّنا نطوفُ حول الحقيقةِ مِن بعيد.. وهذا ما جعلتهُ عنواناً لِحديثي، فقُلتُ: إنّها إيماضةٌ تلوحُ مِن بعيد.. وأنا أتحدّثُ هُنا عن دم الحُسين. هذهِ المعاني لا نستطيعُ أن نُدركَ كُنهها، ولكنّها تتركُ في نفوسنا أثراً إجماليّاً.. وهذا هو الذي أبتغيه.. أن تستمِعوا إلى هذهِ النُصوص كي تتركَ أثراً إجماليّاً في نفوسكم يشدُّكم إلى الحُسين عليه السلام ومِن خلالِ ذلكَ نتلمّسُ شيئاً يلوحُ لنا من بعيدٍ عن نفحةٍ، عن أثرٍ مِن سرٍّ مِن أسرار الدم الإلهي.. إنّهُ دمُ الحُسين.
  • — (السلامُ عليكَ يا صاحب المرأى والمسمع الذي بعينِ اللهِ مواثيقهُ، وبيدِ اللهِ عُهُوده، وبقُدرةِ اللهِ سُلطانه) إنْ كانتْ العباراتُ تتحدّثُ عنهُ (بعينِ اللهِ مواثيقهُ، وبيدِ اللهِ عُهُوده، وبقُدرةِ اللهِ سُلطانه) أو كانتْ تتحدّث عن المَرأى والمَسْمع الذي جاء في أوّل العبارة: (السلامُ عليكَ يا صاحبَ المَرأى والمَسْمع)
  • على كلا الاحتمالين المعنى واحدٌ.. فإنَّ المرأى والمسمع هي من شُؤونه “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” وكُلُّ تلكَ الشُؤون هي بعَين اللهِ وبيدِ الله وبقُدْرةِ الله.
  • — إلى أن تقول الزيارة:
  • (السلامُ عليكَ يا محفوظاً بالله. اللهُ نُورُ أمامِهِ وورائِهِ ويمينهِ وشمالهِ وفَوقهِ وتحته، السلامُ عليك يا مخزوناً في قُدْرةِ الله نُورُ سمعهِ وبصره…)
  • المعاني صارتْ أعمق وأدق وصارتْ أعقد بالنسبةِ لي ولكم.. ولكنّها بالإجمالِ تُحقّقُ الهدف الذي مِن أجلهِ أُوردُ هذهِ النُصوص التي أشرتُ إليها قبل قليل.
  • — قول الزيارة: (السلامُ عليك يا مخزوناً في قُدْرةِ الله نُورُ سمعهِ وبصره) العبارةُ عجيبةٌ جدّاً.. فَالمَخزونُ لابُدَّ أن يكونَ عزيزاً جدّاً حتّى يُوضَعَ في الخُزانة.. فكيف يُمكن أن نتصوّر الحقيقةَ حينئذٍ..؟!! إنّها أسرارُ آل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”
  • ● وقفة عند مُقتطفاتِ مِن دعاء الأسماء الحُسنى الذي يشتملُ على جليل الأسرار وعظيم المعارف، والمروي عن رسول الله “صلَّى اللهُ عليه وآله” في كتاب [بحار الأنوار: ج90]
  • — ممّا جاء في هذا الدُعاء: (وأسألُكَ باسْمكَ القادرِ بكَ على كلّ شيء يا الله..)
  • المضامينُ هي هي الموجودة في دُعاء السَحَر وفي دعاء يوم المُباهلة.. حين نقرأ فيهِ هذهِ العبارات: (الَّلهم إنّي أسألُكَ بقُدرتك التي استطلت بها على كلّ شيء…). هذه المضامينُ تلتقي بشكلٍ واضح.. حينما نقرأ في زيارة النُدبة: (السلامُ عليك يا مخزوناً في قُدْرةِ الله نُورُ سمعهِ وبصره) ومرَّ علينا الكلام لتقريب المعنى مِن أنَّ الدم هو الذي يبعثُ الحياة والنشاط في كُلّ أجزاء البَدَن.
  • — إلى أن يقول دُعاء الأسماء الحُسنى:
  • (وأسألُكَ باسْمكَ الذي هُو على كُلّ شيء، وفوق كُلّ شيء، وقبل كُلّ شيء، وبعد كُلّ شيء، ومع كُلّ شيءٍ يا الله)
  • هو هذا تفصيلٌ لِما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة حين تقول: (وذلَّ كُلّ شيءٍ لكم) وكذلك حين تقول الزيارة الشريفة: (خلقكُم اللهُ أنواراً فَجَعَلَكُم بعرشهِ مُحدقين) فقد أحاطوا بالعَرش، والعرشُ هُو سُلطانُ الله.. وكذلك حين تقول الزيارة الجامعة: (إيابُ الخَلْقِ إليكم، وحسابهم عليكم)
  • فهذهِ العبارات تتحدّثُ عن السُلطة الفِعليّة وهي مِن تجلّيات هذا المعنى: (وذلَّ كُلّ شيءٍ لكم).. هذهِ السُلطة الفعليّة مِن آثارها هذهِ المضامين: (إيابُ الخَلْقِ إليكم، وحسابهم عليكم)
  • ودُعاءُ الأسماء الحُسنى يتحدّثُ عن هذهِ الحقيقة ولكن في طبقةِ الأسماء الحُسنى.. وإمامُنا الصادق في كتاب [الكافي الشريف: ج1] يقول: (نحنُ الأسماء الحُسنى) وهذا الأمرُ واضحٌ وجليٌّ.. فلسنا بِحاجةٍ إلى تفصيل القول فيه. علماً أنَّ أسماء اللهِ مخلوقة.. أسماؤهُ هُم مُحمّدٌ وآل مُحمّد عليهم السلام.
  • — إلى أن يقول دُعاء الأسماء الحُسنى:
  • (وأسألك باسْمك الذي خَلقتَ به الكُرسيَّ سِعةَ السماواتِ والأرض يا الله، وأسألُكَ باسْمك الذي خَلقتَ به العَرش العَظيم الكريم وعَظَّمتَ خَلْقَهُ فكان كما شِئتَ أن يكونَ بذلك الاسْم يا عظيمُ يا الله، وأسألكَ باسْمكَ الذي طوَّقتَ به العَرش بهيبةِ العِزّة والسُلطان يا الله…)
  • والكُرسيُّ يكونُ في باطن العَرش، فالعَرشُ يُمثّلُ سُلطةَ الإستواء الإلهي {الرحمنُ على العَرش استوى} هذا هُو الإستواءُ الرحمانيُّ المُطلق.. الباري سُبحانهُ وتعالى جعلهم مُحدقين بكُلّ ذلك.. خلقهم اللهُ أنواراً فجعلهم بعرشهِ محدقين .. أسرارٌ في أسرار.. ولذا قُلتُ بأنّها إيماضةٌ تلوحُ مِن بعيد.
  • — أيضاً نقرأ في دُعاء الأسماء الحُسنى:
  • (وأسألُكَ باسْمكَ الذي تُسبّحُ لكَ بهِ الملائكةُ الذين حولَ العَرْشِ والأرضين يا الله، وأسألُكَ باسْمكَ الذي تُسبّحُ لَكَ به الملائكةُ الذين خلقْتَهُم مِن ضياءِ ذلك الاسم يا الله، وأسألكَ باسمكَ الذي تُسبّح لكَ به الملائكة الذين خَلَقْتَهم مِن الرحمةِ يا الله…)
  • — قوله: (وأسألُكَ باسْمكَ الذي تُسبّحُ لكَ بهِ الملائكةُ الذين حولَ العَرْشِ والأرضين يا الله) هُو نفس المضمون الذي ورد في رواياتهم الشريفة “صلواتُ الله وسلامهُ عليهم” حين يقولون: (فَسبَّحنا فسبَّحتْ الملائكة…)
  • — قوله: (وأسألُكَ باسْمكَ الذي تُسبّحُ لَكَ به الملائكةُ الذين خلقْتَهُم مِن ضياءِ ذلك الإسم يا الله) والأحاديثُ الشريفة عندنا تُخبرنا أنّ الملائكةَ خُلِقوا مِن نُور عليٍّ “صلواتُ الله وسلامه عليه”.
  • — إلى أن يقول دُعاء الأسماء الحُسنى:
  • (وأسألكَ باسمكَ الذي يُسبّحُ لكَ به إسرافيل فيقطعُ تَسبيحهُ على جميعِ الملائكةِ عبادتَهُم لاستماعِهِم إلى طِيبِ صَوته وتَسبيحهِ بذلكَ الإسْم يا الله..)
  • إسرافيلُ لهُ تسبيحٌ خاص، والدعاءُ يتحدّثُ عن هذا التسبيح.
  • حلاوةُ تسبيح إسرافيل وطيبُ صوتهِ وجمالُ ذِكره نتلمّسُها في هذهِ الرواية عن سيّد الأوصياء في كتاب [بحار الأنوار: ج15] والأمير يُحدّثنا فيها عن نُور رسول اللهِ الذي هُو نُور عليٍّ، نُور فاطمة، نُور حَسَنٍ، نُور حُسينٍ، نُورُ أئمتنا، نُورُ إمامِ زماننا.. وقَطْعاً كُلُّ الأحاديثِ هي بلسانِ المُداراة.. كما يقولون هُم “صلواتُ اللهِ وسلامه عليهم”: (ما كلّمنا الناسُ قط على قدْر عُقولنا، وإنّما كلمناهم على قَدْر عُقولهم)
  • فالحديثُ على قَدْر عُقولنا، لا على قَدْر عُقُول مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.

  • يقولُ سيّد الأوصياء وهُو يُحدّثنا عن نُور نبيّنا الأعظم “صلّى اللهُ عليه وآله”:

  • (إنَّ الله تعالى خلَقَ مِن نُور مُحمّدٍ “صلّى الله عليهِ وآله” عشرين بحراً مِن نور، في كلّ بحْرٍ عُلومٌ لا يعلمُها إلّا الله تعالى…)
  • ● إلى أن تقول الرواية:
  • (فخرَّ النُور ساجداً – أي نُورُ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله – ثمَّ قام: فقطرتْ منهُ قطرات كان عددُها مائة ألف وأربعةً وعشرين ألف قطرة، فَخَلَقَ اللهُ تعالى مِن كُلّ قطرةٍ مِن نُوره نبيّاً مِن الأنبياء، فلمَّا تكاملتْ الأنوار صارتْ تطوفُ حول نُور مُحمّدٍ كما تَطوفُ الحُجّاجُ حولَ بيتِ اللهِ الحرام…)
  • هذا الذي أشرتُ إليهِ قبل قليل مِن أنَّ الذي نَرآهُ في هذا العالم التُرابي هو انعكاسٌ لِحقائق في عالم الغَيب وهذا موضوعٌ طويل.
  • ● إلى أن تقول الرواية وهي تتحدّثُ عن نفسِ المضمون الوارد في دُعاء الأسماء الحُسنى والذي يتحدّثُ عن حلاوةِ تسبيحِ إسرافيل، وأنّهُ بسبب حلاوةِ الإسم الذي يُسبّحهُ ويُسبّحُ به ويُسبّحُ لَهُ فإنَّ الملائكة تنقطعُ عبادتهم.. إنّهم يهيمون حُبّاً وَوَلهاً بهذا التسبيح الذي لا نستطيعُ أن نتصوَّر عُذوبته وجمالَهُ وحلاوته.
  • يقول سيّد الأوصياء: (وخلَقَ مِن نُور الّلوح القَلَم، وقال لهُ: اكتبْ توحيدي، فَبقي القَلَمُ ألفَ عامٍ سكران مِن كلام اللهِ تعالى..! فلمَّا أفاقَ قال: اكتب، قال: يا ربّ وما أكتب؟ قال: اكتب: “لا إله إلا الله، مُحمّدٌ رسول الله” فَلمَّا سَمِعَ القَلَمُ اسْم مُحمّد خَرَّ ساجداً، وقال: سُبحان الواحد القهَّار، سُبحان العظيم الأعظم، ثُمَّ رفعَ رأسهُ مِن السُجود وكتب: “لا إله إلّا الله، مُحمّدٌ رسول الله” ثُمَّ قال: يا ربّ ومَن مُحمَّد الذي قرنتَ اسْمهُ باسمك وذِكْرَهُ بذكرك؟ قال اللهُ تعالى لهُ: يا قَلَم، فلولاهُ ما خَلقْتُكَ، ولا خَلقتُ خَلقي إلّا لأجلهِ، فهُو بشيرٌ نذير، وسراجٌ مُنير، وشفيعٌ وحبيب، فعِند ذلكَ انشقَّ القَلَمُ مِن حلاوةِ ذِكْر مُحمّد، ثُمَّ قال القَلَم: السلامُ عليكَ يا رسولَ الله، فقالَ اللهُ تعالى: وعليكَ السلام مِنّي ورحمةُ الله وبركاته، فلأجل هذا صار السلامُ سُنَّةً والرد فريضة…)
  • كلامٌ مرموزٌ ولكن هذهِ الرمزيّةَ الإجماليّةَ يُمكن أن تتركَ أثراً وجدانيّاً في وجداننا.
  • ● قول الرواية: (ثُمَّ قال القَلَم: السلامُ عليكَ يا رسولَ الله، فقالَ اللهُ تعالى: وعليكَ السلام مِنّي) السلامُ من القَلَم كان على نبيّنا، ولكن الجواب جاء مِن الله لأنّهُ (لا فرقَ بينكَ وبينها إلّا أنّهم عبادُكَ وخَلْقُك..) كما نقرأُ في دعاء شهر رجب والذي جاءنا مِن إمامِ زماننا الحجّة بن الحسن عليه السلام .
  • ● أيضاً نقرأ في دُعاء الأسماء الحُسنى:
  • (وأسألُك باسمكَ التام العام الكامل يا الله، وأسألُك باسمكَ ص ويس والصافات وحم عسق وكهيعص يا الله – هذه رُموزُ العترةِ في القرآن – وأسألُكَ باسمكَ ألم الله لا إله إلّا هُو الحيُّ القيّوم يا الله، وأسألُكَ باسمكَ يا لا إله إلّا أنتَ الملكُ الحقّ المُبين يا الله..)
  • — في خُطَب أمير المُؤمنين الإفتخاريّة، يقولُ: (وأنا كهيعص) وما جاء مِن تفسيرٍ عن إمامِ زماننا في أنَّ («الكاف» اسْم كربلاء. و«الهاء» هلاكُ العِترة. و«الياء» يزيد وهُو ظالم الحُسين. و«العَين» عطشُهُ. و«الصاد» صَبره…). هذه الرُموز {كهيعص} تتحدّث عن حُسينٍ كما أخبرنا إمامُ زماننا “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”.. فالمشروعُ الحُسيني هُو ظُهورٌ مِن ظُهوراتِ معاني الأسماء الحُسنى.
  • المعاني تترابطُ، تتّسِقُ، تتناسقُ فيما بينها.. ومِن هُنا يظهرُ لنا مَدى سُخْفِ مراجعنا الذين ضعّفوا تفسيرَ إمامِ زماننا، ومدى تفاهةِ وسُخْفِ خُطبائنا الذين يستهزئون بتفسير الإمام الحجّةِ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه” ويصفونهُ بأنّهُ كلامُ عجوزٍ مُخرّفة.
  • لو كانوا على اطّلاعٍ على حديثِ العترة وعلى كلماتِ أمير المؤمنين وعلى أدعيةِ رسول الله لَما قالوا ذلك.. ولكنَّ مراجعنا وخُطباءنا وعُلماءَنا والساحة الثقافيّة الشيعيّة هي أبعدُ ما تكون عن ثقافة الكتاب والعترة.
  • — الدُعاءُ يتحدّثُ عن جمالٍ وعن حلاوةٍ في تسبيحٍ لَهُ خُصوصيّةٌ هُو تسبيحُ إسرافيل.. هذا الجمالُ وهذهِ الحلاوةُ نتلمَّسُها في دِلالةٍ لفظيّةٍ واضحةٍ لهذهِ الكلمة: “حُسين”.
  • “حُسين” جمالٌ وحُسْنٌ مُصغَّرٌ.. والتصغيرُ هُنا للتحبيب. حُسينٌ تجمعُ ما بين الجمالِ والحُبّ.. وهذهِ المضامينُ تظهرُ في الأدعيةِ والمُناجياتِ بشكلٍ واضح كما في دُعاء الجوشن الكبير الذي يشتملُ على ألفِ مِن الأسماء الحُسنى.. حيثُ يتكوّن مِن مائةِ مقطع، وكُلّ مقْطعٍ من دُعاء الجوشن الكبير يتألّفُ مِن عشرةِ أسماء.. أحدُ هذهِ الأسماء والأوصافِ التي وردتْ في دُعاء الجوشن الكبير هُو هذا الإسم: “يا مَن ذِكْرهُ حُلو”.. فهو “حُلو الذكر” وهذا الوصف إذا أردتُ أن أجِدَ لَهُ مِصْداقاً واضحاً في الألفاظ فهو: حُسين.
  • فإنَّ (حُسين) يشتملُ على معنى الجمالِ والحُسْن، وعلى معنى الحُبّ والتدليل لِتصغيرهِ، وعلى معنى الحلاوةِ في لَفظهِ ومُلامسةِ حُروفهِ والأصواتِ المُنبعثةِ مِن هذه الحروف.. وقد أشرتُ إلى جانبٍ مِن هذا المعنى في الحلقات المُتقدّمة.
  • — في نفس هذا السياق حينما نعودُ إلى المُناجياتِ المرويّةِ عن إمامنا السجّادِ “صلواتُ اللهِ وسلامه عليه”.. نقرأ في أوّل المناجاة التاسعة (مناجاة المُحبّين) هذه العبائر: (إلهي، مَن ذا الذي ذاقَ حلاوةَ محبَّتك فرامَ منكَ بدلا..) علماً أنَّ المُناجاةُ كُلّها بهذا السياق.
  • حلاوةُ محبّةِ الله نذوقُها حين نُحبُّ مُحمّداً وآل مُحمّد “صلواتُ الله وسلامه عليهم”.. فنحنُ لا نستطيعُ أن نذوقَ محبّةِ اللهِ من دُون أن نذوق حلاوةِ محبّةِ مُحمّدٍ وآل مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • والكلمةُ التي كانَ يُردّدها رسول الله “صلّى الله عليه وآله” هي هذهِ الكلمة: (أحبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسينا) وما كان ذِكْرهُ المُتكرّر لِهذه الكلمة هكذا جُزافاً.. إنّهُ يُريدُ أن يُثبّتَ حقيقةً واضحةً وواضحةً جدّاً.. فإنَّ حُسيناً مثلما قال لأبُيّ بن كعب: أنّهُ في السماءِ أكبرُ منهُ في الأرض.
  • — وفي مناجاة العارفين وهي المناجاةُ الثانية عشرة، نقرأ فيها هذه العبارات:
  • (إلهي ما ألذَّ خواطرَ الإلهام بذكركَ على القُلوب، وما أحلى المسيرَ إليكَ بالأوهامِ في مسالكِ الغُيوب، وما أطيبَ طَعْمَ حُبّكَ ، وما أعذبَ شِرْبَ قُربك..)
  • هذهِ المعاني لا تتحقّقُ إلّا حِين نَعيشُها مع مُحمّدٍ وآل مُحمّد “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.. إلّا حين نعيشُها مع إمام زماننا، ولن تتحقّقَ معرفتُنا بإمامِ زماننا مِن دُون أن تتحقّق في قُلوبنا معرفةُ الحُسين.. وقد مرَّ الكلامُ عن هذا، ووقفتُ معكم في أجواءِ زيارةِ عاشوراء أُحدّثُكم عن هذا المضمون.
  • — وفي مناجاة الذاكرين نقرأ هذهِ العبارات:
  • (إلهي لولا الواجبُ مِن قبولِ أمركَ لنزّهتُكَ مِن ذكري إيّاك، على أنَّ ذِكري لكَ بقَدْري لا بقدركَ، وما عسى أن يبلغَ مِقداري حتّى أُجعَلَ مَحلّاً لتقديسكَ..) إلى أن تقول المُناجاة: (إلهي بكَ هامتْ القلوبُ الوالهة، وعلى مَعرفتِكَ جُمِعتْ العقولُ المُتباينة فلا تطمئنُّ القوبُ إلّا بذكراك…)
  • وتستمرُّ المُناجاةُ بهذا الاتّجاهِ وبهذا المضمون. هذهِ نماذج مِن أدعيتهم، وإلّا فكُلُّ مُناجياتهم وكُلُّ أدعيتهم ما كانَ مِنها طويلاً، مُتوسّطاً، قصيراً.. لا يخرجُ عن هذه الثقافةِ، ولا يخرجُ عن هذه الأصول المعرفيّة.. لأنّ ديننا جُذورهُ تبدأُ بالنظافةِ والطهارة.
  • المُقدّمةُ هي: البراءة.. فالبراءةُ تعني النظافةَ والطهارة.. البراءةُ مَظهرٌ أوليٌّ مِن مظاهرِ الزينةِ والجمال.. دُيننا مِن هُنا يبدأ: من البراءة.. بأن نتطهَّر مِن القذاراتِ والأوساخ.. ومِن البراءةِ إلى الولاية.. الولايةُ حُبٌّ في حُبٍّ في حُبّ.. الولايةُ مودّةٌ وتواصلٌ ووِلاءٌ.. مِن الولاية، فالولاية تعني أنَّ شيئاً يلي شيئاً يتواصلُ ويترابطُ معه.
  • إنّما الدينُ الحُبّ والبُغض.. البُغضُ هُو البراءةُ والتنزّهُ والتطهُّر مِن القذارات.. وهُو البُغضُ للأوساخِ والنجاساتِ بكُلّ أشكالها.. ثُمَّ تأتي الولايةُ وهي ديننا.
  • البراءةٌ مُقدّمة.. فالبراءةُ هي الوضوء بالنسبةِ للصلاة، وأمَّا الولايةُ فهي الصلاة.. والصلاةُ هي الأصْل، وأمَّا الوضوءُ فهو المُقدّمة.. فالبراءةُ مُقدّمةٌ وأساسٌ، والدينُ ولايةٌ، والولايةُ حُبٌّ ومودّةٌ وتواصلٌ ولا تكونُ هذهِ المعاني إلّا بوجود الحُسْن والزينةِ والجمال وسائرُ المعاني التي تتعشّقها القُلوب وتميلُ إليها الفِطْرةُ ويتناغم معها الوجدان.. هذا هُو ديننا.
  • السقيفةُ هي التي سوّدتْ صحائف الإسلام، وإلّا هذا هُو ديننا.. عُنوانهُ الأوّل: مُحمّدٍ “صلّى الله عليه وآله”، وما أُرسِلَ مُحمّدٌ “صلّى اللهُ عليه وآله” إلّا رحمةً للعالمين.

  • يُمكننا أن نتلمَّس في أجوائنا الحُسينيّةِ التي ترتبطُ ارتباطاً صحيحاً ووثيقاً بالمشروعِ الحُسيني، يُمكننا أن نتلمَّس معاني الجمالِ والحُسْنِ والزينة في كثيرٍ مِن مُعطياتِ هذا المشروع العملاق.. إنّني أتحدّثُ عن ثقافةِ الكتاب والعترة.

  • ● وقفة عند حديثِ إمامنا الباقر “عليه السلام” في الباب (87) من كتاب [كامل الزيارات] الحديث (12)
  • (عن أبي جعفر “الباقر عليه‌ السلام” قال: خَلَقَ اللهُ تعالى كربلاء قبل أن يخلقَ الكعبةَ بأربعةٍ وعشرينَ ألف عام، وقدَّسها وباركَ عليها، فما زالتْ قبْلَ أن يَخلُقَ اللهُ الخَلْقَ مقدّسةً مُباركةً، ولا تزال كذلكَ، ويجعلُها أفضلَ أرضٍ في الجنَّة).
  • الرواياتُ حدّثتنا أنَّ الأرضَ ستُبدَّل وستُغيّر، والآياتُ أيضاً حدّثتنا عن هذا، لكنَّ الروايات حينَ حدّثتنا عن أنَّ الأرض ستُغيّر وتُبدَّل فإنَّ جُزءاً منها سيُرفَعُ إلى الجنان وسيكونُ هذا الجُزء مِن الأرضِ هُو أشرفُ مَحلٍّ في الجنان.. إنّها أرضُ كربلاء.. ولِذا إمامُنا الباقر يقول في هذا الحديث: (فما زالتْ – أي أرضُ كربلاء – قبْلَ أن يَخلُقَ اللهُ الخَلْقَ مقدّسةً مُباركةً، ولا تزال كذلكَ، ويجعلُها أفضلَ أرضٍ في الجنَّة)
  • ● حديث آخر أيضاً في كتاب [كامل الزيارات] عن أبي جعفر ” الباقر عليه‌ السلام” قال وهو يتحدّث عن كربلاء: (وأفضلُ مَنزلٍ ومَسْكنٍ يُسْكّنُ اللهُ فيهِ أولياءَهُ في الجنَّة) الحديثُ عن كربلاء.
  • ● حديث آخر أيضاً في كتاب [كامل الزيارات] الباب (95) الحديث (3)
  • (عن أحدِهِما – أي الباقر أو الصادق “عليهما السلام”- قال: إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى خلَقَ آدمَ مِن طِين فحرَّمَ الطينَ على وُلْدهِ، قال: فقُلتُ: ما تقولُ في طين قبر الحسين؟ فقال: يَحرمُ على الناس أكلُ لُحومِهم – مِن سائر تراب الأرض – ويحلُّ عليهم أكلُ لُحومِنا – يعني تُراب كربلاء – ولكن الشيء اليسير منهُ مثل الحُمَّصة)
  • ● حديث آخر وهو الحديث رقم (5) في كتاب [كامل الزيارات] الباب (95)
  • (عن إمامنا الصادق “صلواتُ الله وسلامهُ عليه” قال: مَن باعَ طِينَ قبرِ الحُسين فإنّهُ يبيعُ لَحْمَ الحُسينِ ويشتريه)..!
  • ترابُ كربلاء إنّهُ لَحْم الحُسين، وهذا التُرابُ نالَ ما نالَ مِن المنزلةِ لأنّهُ يُمثّلُ مَظهراً لِلَحْمِ الحُسين “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه”، فما بالُكم في دَمِه..؟! والمعنى الواحد، فإنّ لَحْمَ الحُسين، ودمَ الحُسينِ ونُورَ الحُسين (المعنى واحد). أرواحُهُم، أنوارُهم، طينتُهم واحدة، كما نقرأ في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة.. وكُلّ هذهِ المعاني هي مظاهرُ لآياتٍ مِن آياتِ حُسْنِهم وجمالهم “صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم”.
  • علماً أنَّ هذهِ الخِطابات مِن المعصومين هي خطِاباتٌ محدودةٌ على قدْر عُقولنا نحنُ لا على قَدْرِ عُقولهم، لأنّنا محدودون، وبالتالي إذا أردنا أن نعودَ إلى الحقيقةِ الكاملة فهذه عقولنا، وأمّا الحقيقةُ فهي أعظمُ من ذلك.. كما يقولُ نبيّنا الأعظم “صلّى الله عليه وآله”: (الحُسينُ في السماء أكبرُ منه في الأرض).
  • ● وقفة عند حديث الإمام الصادق في الباب (89) مِن كتاب كامل الزيارات – الحديث (4) وهو روايةٌ مُهمّةٌ جدّاً وجميلة جدّاً.. (علماً أنّنا نتحدّثُ في آثارٍ وفي صُوَرٍ بعيدةٍ نلمحُ فيها شيئاً مِن الجمالِ الحُسيني).
  • (عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعتُ أبا عبد الله “عليه السلام “يقول: إنَّ لِموضعِ قبرِ الحسين بن عليٍّ حُرمةً معلومة، مَن عرَفَها واستجار بها أُجير. قُلتُ: فصِفْ لي مَوضِعَها جُعلتُ فداك، قال: امسحْ مِن موضعِ قبرهِ اليوم فامسحْ خمسةً وعشرينَ ذراعاً مِن ناحية رجليه، وخمسةً وعشرين ذراعاً ممّا يلي وجهه، وخمسةً وعشرين ذِراعاً مِن خلفهِ وخمسةً وعشرينَ ذراعاً مِن ناحيةِ رأسهِ – أي مِن كُلّ الجهات – وموضعُ قَبرهِ مُنذُ يوم دُفِن روضةٌ مِن رياض الجنّة، ومنهُ – أي مِن قبرهِ – مِعراج يُعرَجُ فيهِ بأعمال زُوّارهِ إلى السماء، فليسَ مَلَكٌ ولا نبيٌّ في السماواتِ إلّا وهُم يسألونَ الله أن يأذنَ لهم في زيارةِ قَبْر الحُسين، ففوجٌ ينزل وفوجٌ يعرج)
  • علماً أنَّ حُرمةُ القَبر غيرُ حُرمة الحُسين.. هُناك فارقٌ كبير.
  • الحائرُ الحُسينيُّ على مراتب: المرتبة الأولى: القبرُ الشريف.. المرتبةُ الثانية: هذا الموضعُ الذي تتحدّثُ عنهُ الرواية.. وهكذا كُلّما نبتعد حتّى نصِلَ إلى المرتبة الثالثة وهي على بُعْد فرسخ.. والفرسخ في زماننا هذا ربّما يكونُ قريباً من خمسةِ آلافِ متر.. والأبعد كما في الرواية هُو: خَمْسُ فراسخ يعني: خمسةً وعشرين كيلو متر.. هذهِ حُدود الحائر الحُسيني بِحَسَبِ ما جاء في رواياتنا وفي أحاديثنا، ولكنّ الموضعَ الأهمّ هو هذا الذي تتحدّثُ عنهُ هذه الرواية.
  • — قول الرواية: (ومنهُ – أي مِن قبرهِ – مِعراج يُعرَجُ فيهِ بأعمال زُوّارهِ إلى السماء) مِن هُنا تأتي خُصوصيّةُ زُوّار الحُسين الذين يَزورونَهُ وهُم عارفونَ بحقّه (إنْ كان ذلك في الدُنيا، عند الموتِ في قُبورهم، وفي الآخرة) فإنّ أعمالَهم يُعرَجُ فيها مِن عند الحُسين، مِن عند مركز الدم الإلهي.. مِن هُناك..!
  • فهذه العبارة مِن الحديث الشريف تتحدّث عن المعراج الحُسيني، ومُرادي مِن المعراج الحُسيني: هو خِدمةُ الحُسين.. فخِدمةُ الحُسين مِعراجٌ فَتَحهُ أبو السجّاد.. هذا المِعراجُ الذي ينزلُ منهُ الأنبياءُ مِن السماء والملائكةُ العِظام.. أفواجُ الأنبياءِ وأفواجُ الملائكةِ تتواصلُ عِبْر هذا المِعراجِ لزيارةِ مركز الدم الإلهي في الأرض.. هُنا لَحْمُ الحُسين.. إنّها كربلاء.. هُنا دِماءُ الحُسين والتي رُفِعتْ وسكنتْ في الخُلْد، هُنا أرضُ أبي عبد الله، إنّها تُرْعةٌ مِن تُرَع الجنان.. هذهِ جنّةُ والد العترة، إنّها كربلاء.. وهذا مِعراجُ الحُسين.
  • نحنُ التُرابيّون لا نرى ذلك المِعراج، أمَّا أُولئكَ الذين ينزلونَ مِن السماء ينزلون عِبْر هذا المِعراج، هذا المعراج افتتحهُ أبو السجّاد لزوّاره مِن الأنبياء وعِظام الملائكة.. كما يُفرَشُ للمُلوكِ وأصحابِ الشأن البساط الأحمر.. فهذا هُو البساطُ المِعراجي وعليهِ لونٌ مِن دِماءٍ حُسين.. هذا هو العَبَقُ الفاطميُّ يفوحُ مِن عِطْر حُسينٍ الذي ضمَّخ هذا الثرى. هذهِ كربلاء، وهذا حُسينٌ بِكُلّ عظمتهِ التي لا حُدود لها، وهذا هو حُسينٌ الذي هو في السماء أكبرُ منهُ في الأرض.
  • هذا هو مِعراجُ الحُسين كي ينزلَ الأنبياء وكي تنزل الملائكة، ومن هنا من هذا المِعراج يأخذ الملائكة معهم إلى السماء أعمال زُوّار الحُسين، فما كان فيها مِن عيبٍ يُنظّفُ في فناءِ كربلاء.. فلا يُمكنُ أن يصعدَ مِن المِعراجِ الحُسينيّ شيءٌ قبيح، هذا مركزُ الجمال، هُنا مَصدرُ الجمال، وهُنا مَعدنُ الجمال وهُنا جوهرُ الجمال.. وقولوا ما شِئتم (الّلهمَّ إنّي أسألُكَ مِن جمالكَ بأجملهِ)
  • مِن هذا المِعراجُ يُعرَجُ بجمالِ أعمالِ زُوّار الحُسين لا لِجمالهم هُم، وإنّما لِجمال حُسين.. فما مِن قبيحٍ إلّا وينقلبُ جمالاً.. كما نُخاطبُ إمامَ زماننا: (أشهدُ أنّ بولايتكَ تُقبَلُ الأعمال، وتُزكّى الأفعال، وتُضاعَفُ الحَسَنات، وتُمحى السيّئات) هذهِ هي عمليّةُ التجميل الحُسيني، وهي هي بنفسها تتجلّى في عمليّة التجميل المهدوي. كما قُلت في الحلقات الماضية: أنّ معرفةَ إمامِ زماننا فاتحتُها معرفةُ الحُسين.. البوابةُ هُناك، ومِن دُون تلكَ البوّابةِ لن نعرفَ إمامَ زماننا.. هذا هُو التجميلُ المهدويُّ في زيارةِ إمامنا الحجّة بن الحسن “صلواتُ الله وسلامهُ عليه” (أشهدُ أنّ بولايتكَ تُقبَلُ الأعمال، وتُزكّى الأفعال، وتُضاعَفُ الحَسَنات، وتُمحى السيّئات..) هذا هو مِعراجُ حُسينٍ.
  • ● وقفة عند مقطعٍ مِن زيارةٍ لسيّد الشُهداء مرويّةٌ عن إمامنا الصادق في كتاب [كامل الزيارات] لنرى كيفَ افتتحَ سيّدُ الشُهداء هذا المِعراج الحُسيني.
  • ممّا جاء في هذهِ الزيارة هذهِ العبارات حينما نُسلّم على عليّ الأكبر.. نُخاطبهُ فنقول:
  • (بأبي أنتَ وأمّي مِن مذبوحٍ ومَقتولٍ مِن غير جُرْم، بأبي أنتَ وأمّي دمُكَ المُرتقى بهِ إلى حبيبِ الله، بأبي أنتَ وأمّي مِن مُقدّم بين يدي أبيكَ يحتسبُكَ ويبكي عليك، مُحترقاً عليكَ قلبه، يرفعُ دمكَ بكفّه إلى أعنانِ السماء لا ترجعُ منه قطرة، ولا تسكنُ عليكَ مِن أبيكَ زفرة …)
  • سيّد الشُهداء بعد مقتل عليّ الأكبر ملأ كفّهُ الشريف مِن دمهِ الطاهر ورمى بهِ السماء، فما سقطتْ منهُ قطرة.. الزيارةُ تتحدّثُ عن هذا المضمون.. لقد فتح الحُسين المِعراج، وعليُّ الأكبر هو أوّلُ الشُهداء. ها هو مِعراجُ الأنبياءِ والملائكة يُفتَحُ بدم عليٍّ الأكبر.. وهذا المِعراج هو مِعراجُ حُسينيُّ مُحمّدي، فالزيارةُ تقول: (وبأبي أنتَ وأمّي دمُكَ المُرتقى بهِ إلى حبيبِ الله) وحبيبُ اللهِ هو مُحمّد “صلّى اللهُ عليه وآله”. هذا مِعراجٌ رمزهُ : مِن حُسينٍ إلى مُحمّد.
  • ● وقفة أقرأ لكم فيها مُقتطفاتٍ أخرى ممّا جاء في هذهِ الزيارة الطويلة المعرفيّة لسيّد الشُهداء والمرويّة عن إمامنا الصادق في كتاب [كامل الزيارات]
  • — ممّا جاء في هذهِ الزيارة:
  • (الَّلهُمَّ إنّا أتيناهُ مؤمنين بهِ – أي مُؤمنينَ بالحُسين – مُسلّمين لَهُ، مُعتصمينَ بحبْلِهِ، عارفينَ بحقّهِ، مُقرّين بفضْلِهِ، مُستبصرينَ بضلالةِ مَن خالفَهُ، عارفينَ بالهُدى الذي هُو عليه الَّلهمَّ إنّي أُشهدكَ وأُشهِدُ مَن حضرَ مِن ملائكتكَ أنّي بهم مُؤمن وأنّي بمَن قتلهم كافر، الَّلهُمَّ اجعلْ لِما أقولُ بلساني حقيقةً في قلبي وشريعةً في عَمَلي، الَّلهُمَّ اجعلني مِمَّن لهُ مع الحُسين بن عليّ قَدَمٌ ثابتْ وأثبتني فيمَن استشهِدَ معه، الَّلهُمَّ العن الذين بدّلوا نِعمتكَ كُفْرا، سبحانك يا حليمُ عمّا يعمل الظالمون في الأرض، تباركتَ وتعاليتَ يا عظيم، ترى عظيمَ الجُرْمِ مِن عبادك فلا تُعجّل عليهم، تعاليتَ يا كريمُ أنتَ شاهدٌ غيرُ غائب وعالمٌ بما أُوتيَ إلى أهلِ صفوتكَ وأحبّائك مِن الأمر الذي لا تحْمِلُهُ سماءٌ ولا أرض..)
  • — قولهِ: (وعالمٌ بما أُوتيَ إلى أهلِ صفوتكَ وأحبّائك مِن الأمر الذي لا تَحمِلُهُ سماءٌ ولا أرض) أنّى لنا بمعرفةِ ما جرى على الحُسينِ بكُلّ التفاصيلِ وبتمامِ الحقيقةِ..؟! هذهِ العبارةُ مُهمّةٌ جدّاً.
  • — ثُمَّ تنكب على القبر وتقول:
  • (يا سيّدي أتيتكَ زائراً مُوقراً مِن الذنوب – يعني حملتُ ذنوبي على ظهري – أتقرّبُ إلى ربّي بوفودي إليك وبُكائي عليك وعويلي وحسرتي وأسفي وبكائي وما أخافُ على نفسي رجاءَ أن تكونَ لي حِجاباً وسَنَداً وكَهْفاً وحِرزاً وشافعاً ووقايةً مِن النار غداً، وأنا مِن مواليكم الذين أُعادي عدوّكم وأوالي وليّكم، على ذلك أحيى، وعليهِ أموت، وعليهِ أُبعَث إنْ شاء الله تعالى، وقد أشخصتُ بدني، وودّعتُ أهلي وبَعدُتْ شُقّتي، وأُؤمّل في قُربكم النجاة، وأرجو في أيّامكم الكرّة – أي الرجعة التي هي حقيقةُ المشروع الحُسيني – وأطمع في النظر إليكم وإلى مكانكم غداً في جنّانِ ربّي معَ آبائكم الماضين…)
  • الحُسينُ قدّم دَمَهُ لِمشروعهِ فهل هُناك أغلى مِن دمِهِ.. فعلينا أن نُقدّم كُلّ شيءٍ في خدمةِ مشروع الحُسين، ولا يتحقّقُ ذلك إلّا بمعرفةِ أحوالِ وشُؤون المشروع الحُسيني. وها هُو المشروعُ الحُسينيُّ تختصِرهُ هذهِ الكلمة: (وأرجو في أيّامكم الكرّة) أي أنّني حينما آتي لزيارتكَ يا حسين – التي هي أعلى وأوضح وأرقى وأبينُ الشعائر الحُسينيّة – فإنَّ الغاية مِن الإتيان بهذهِ الخدمة وهذهِ الشعائر هي لأجلِ أن أتواصلَ مع مشروعكَ العملاق يا أبا السجّاد.. وإنّني عارفٌ وعالمٌ أنَّ الرجعة هي مِحوَرُ مشروعكَ يا والدَ العترة.. ولِذا إنّني أرجو في خدمتي لكَ يا حُسين أرجوا أن أكونَ مِن أهل الرجعة.

  • المعراجُ الحُسينيُّ مِن كربلاء إلى السماء.

  • الرسالةُ الأولى التي بعثَ بها سيّد الشُهداء وافتتحَ بها هذا المِعراج هي دِماءٌ فاضتْ مِن أوداجِ شبيهِ مُحمّدٍ “صلّى اللهُ عليه وآله”.
  • أمّا الرسالةُ الثانية فكانتْ كفٌّ حُسينيّةٌ مُلئتْ مِن دماءِ شبيهٍ آخر لِمُحمّد، وشبيهٍ آخر لعليٍّ، وشبيهٍ آخر لفاطمة.. فقد ملأ الحُسينُ كفّهُ مِن دماء الرضيع بعد أن ذبحوهُ بسهمٍ مسمومٍ مِن الوريد إلى الوريد. ملأ الحُسين كفّهُ ورمى بهِ السماء فما عادتْ منهُ قطرة.. هذهِ الرسالةُ الثانية التي بُعثتْ مِن هُنا مِن كربلاء وباتّجاهِ السماء.. مِن حُسينٍ إلى مُحمّد، كما نقرأ في زيارةِ الشُهداء المرويّة عن إمام زماننا في كتاب [بحار الأنوار: ج98]
  • في هذه الزيارة يُعدّد إمامُ زمانا أسماء الشُهداء، فحينما يصِلُ إلى عبد الله الرضيع، هكذا يُسلّم عليه، فيقول:
  • (السلامُ على عبداللهِ بن الحُسين، الطفلِ الرضيع، المرميِّ الصريع، المُتشحّط دماً، المُصعّد دَمُهُ في السماء، المذبوحِ بالسَهْم في حِجْرِ أبيه، لَعَنَ اللهُ راميَهُ حرملةَ بن كاهل الأسدي وذويه).
  • فهذا مِعراجٌ آخر افتُتح بدماء الرضيع.. وإنّما كان دمُ عليّ الأكبر ودم عليّ الأصغر كان مُقدّمةً وتمهيداً وتدرّجاً في هذا المِعراج، وكان إظهاراً لِما سيأتي.
  • أمّا الذي سيأتي فهو ما جاء في كتاب [بحار الأنوار: ج45] في صفحة 53 لمّا وقعَ السهمُ المُثلّث في صدْر الحُسين ووقع في قلبه الشريف، تقول الرواية:
  • (ثُمَّ أخذَ السَهْم فأخرجهُ مِن قفاهُ فانبعثَ الدمُ كالميزاب، فوضعَ يَدَهُ على الجُرح، فلمّا امتلأتْ رمى بهِ إلى السماء فما رجَعَ مِن ذلكَ الدم قَطْرة، وما عُرفتْ الحُمْرةُ في السماء حتّى رمى الحُسين بدمهِ إلى السماء، ثُمَّ وضعَ يدهُ ثانياً فلمّا امتلأتْ لطَّخَ بها رأسه ولحيته وقال: هكذا أكون حتّى ألقى جدّي رسولَ الله وأنا مخضوب بدمي – والخضابُ للزينة – وأقول يا رسول الله قتلني فلان وفلان – وهُم أعمدةُ السقيفة -)
  • دم عليّ الأكبر كان مُقدّمة، ودمُ عليّ الأصغر كان مُقدّمة وكلاهما دمٌ حُسيني.. ولكن الدم الأصل هو دم سيّد الشهداء.. فالرسالةُ الثالثةُ كانتْ مِن قَلْبِ حُسين (فانبعثَ الدمُ كالميزاب) هذهِ رسالةٌ عِبْر هذا المعراج من قلب حُسينٍ إلى مُحمّد “صلّى الله عليه وآله”.

  • ملاحظةٌ سريعة:

  • ● قول الرواية: (ثُمَّ وضعَ يدهُ ثانياً فلمّا امتلأتْ لطَّخَ بها رأسه ولحيته) أقولُ لهؤلاءِ الذين لا يتذوّقون فِقهَ العترة الطاهرة وإنْ كبرتْ عمائمهم وكثرتْ ألقابُهم وكَثُرَ مُقلّدوهم من الشيعة، أقول:
  • حُسينٌ يُريد أن يُهيّء نفسهُ لِمُلاقاةِ اللهِ سُبحانهُ وتعالى، ولِمُلاقاةِ جدّهِ رسول الله “صلّى الله عليه وآله”.. يُريد أن يتزيّنَ لَهم، فهل يتزيّنُ الحُسين بشيءٍ نجس..؟! فالحُسين لازال على قيد الحياة..!

تحقَق أيضاً

الحلقة ٢٣ والأخيرة – زيارة الأربعين

موضوع هذهِ الحلقة هو: "زيارةُ الأربعين في المكتبة الشيعيّة"، في كُتُب كبار علمائنا، سأتجوّ…