الجزء الثالث … الكتاب الناطق – الحلقة ٢ – المقدّمة ج٢ Show Press Release (11 More Words) الجزء الثالث … الكتاب الناطق – الحلقة 2 – المقدّمة ج2 صور OverlaysPreviousNext فيديو يوتيوب اوديو مطبوع Show Press Release (5٬436 More Words) يا زهراء بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ سَلَامٌ عَلَيكْ يَا وَجْهَ اللهِ الَّذِي إِلَيهِ يَتَوجَّهُ الأَوْلِيَاء .. بَقِيَّةَ الله .. مَاذَا فَقَدَ مَنْ وَجَدَك وَمَا الَّذِيْ وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ .. سَلامٌ عَلَيكم إخوَتِي أَخوَاتِي أَبْنَائِيْ بَنَاتِيْ .. في حلقتنا الماضيةِ وصلَ الحديثُ إلى الكيفيةِ الَّتي سأعرضُ فيها ومِن خِلالها تَفاصيلَ المطالبِ والمباحثِ الَّتي سأتناولُها في حلقاتِ هذا البرنامج، وقُلتُ بأنَّني سأعرضُ الكلامَ وفقاً لمنهجين، لمنهجٍ أزعُمُ بأنَّني استللتُهُ واستخرجتُهُ من الكتابِ والعترة، ذلكَ المنهج الَّذي عنونتهُ كما مرَّ في برامجي وأحاديثي السَّابقة “منهجُ لحنِ القول”، ومنهج آخر وهوَ المنهجُ التقليديُّ المُتّبَعُ في مؤسستنا الدينيةِ الشِّيعية. قد يلتقي هذان المنهجان في جِهاتٍ وقد يختلفانِ ويتباعدانِ في أكثرِ المطالب، وكما مرَّ علينا ما جاءَ عن إمامنا جوادِ الأئِمَّة(ع): (مَنْ أَصْغَى إِلى نَاطِقٍ فَقَد عَبَدَه فإنْ كَانَ النَّاطِقُ عَنِ الله فَقَد عَبَدَ الله وَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يَنْطِقُ عَنْ إِبْلِيس فَقَد عَبَدَ إِبْلِيس)، فهناك منطقٌ إلهي، وهناك منطقٌ إبليسي-كما بيّنتُ في الحلقةِ الماضية- هناك منطقان منطقٌ رحماني ومنطقٌ شيطاني، والحُكمُ إليكم فأنتُم المُكلَّفونَ أنْ تُميِّزوا المنطقَ الَّذي تَتَّبِعونه، ولستُ أنا الَّذي أُميِّزُ لكم ولا غيري، هذهِ مسؤوليّتكُم. وكما قُلتُ في الحلقةِ الماضية..أقولُها لنفسي إحترِم عقلك، وأقولها لكم جميعاً إحترموا عقولكم، عقولُكُم وَوجدَانُكم السَّلِيم هو الميزانُ الَّذي تَستَطيعونَ أنْ تُشَخِّصُوا فيهِ بينَ المنطقِ الرَّحماني والمنطقِ الشَّيطاني، وإنَّ الإنسان قد وهَبَهُ اللهُ ذَلِك: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}، والإنسانُ إذا لم يكُن قد منحهُ الله تِلك القدرةَ على التمييزِ بينَ المنطقين، بينَ المنطقِ الرَّحماني والمنطق الشَّيطاني، فإنَّ الحُجَّةَ ستكونُ ساقطةً عنه. هذهِ المقدرة على التمييزِ بينَ المنطقين-(إنَّا هديناهُ النجدين)- يمتلكُها الإنسانُ في داخلهِ ويستطيعُ من خلالها أنْ يُميّزَ بينَ النجدين، بينَ المنهجين، بينَ المنطقين، المنطق الرَّحماني والمنطق الشَّيطاني. لن أُميّزَ لكم فلربّما يكونُ منطقي منطقاً شيطانياً ولربّما يكونُ رحمانياً، ورُبّما يكونُ المنطقُ الآخر الَّذي سأعرضُ له منطقاً رحمانياً وقد يكونُ منطقاً شيطانياً، أنا أعرضُ الحقائقَ بينَ أيديكم وأنتُم شَخِّصوا أيّ الحديثِ وأيّ النتائجِ وأيّ الأفكارِ وأيّ المُعتقداتِ وأيّ الفتاوى والأحكام وأيّ التفاصيلِ تسيرُ وفقاً للمنطقِ الرَّحماني وأيّها وفقاً للمنطقِ الشَّيطاني. قد تقولونَ بأنَّنا لسنا من أهلِ الاختصاص، فكيف نشخّص؟ الجواب، أنا حينَ أتناولُ الموضوعات سأعرضُ التفاصيل، فأهلُ الاختصاصِ غايةُ ما عندهم هو أنّهم يمتلكونَ التفاصيل، وإذا ما عُرِضت هذه التفاصيل وصارت في أيدي الناس فإنّهم يستطيعون حينئذٍ أن يحكمُوا عليها بطريقةٍ عاديةٍ جدَّاً، وبطريقةٍ بشريةٍ، وذلكَ ما سيتضحُ جليَّاً وواضحاً جدَّاً من خلالِ كُلِّ المطالب الَّتي سأتناولها، ولكنَّني كما طلبتُ منكم في الحلقةِ الماضية أنْ اِصبروا عَلَيّ واصبِروا على البرنامج، فالمطالبُ كثيرةٌ وسلسلةُ الحديثِ طويلةٌ طويلة . • هُنا مسألةٌ مُهِمَّةٌ في مواصلةِ هذا الحديثِ وفي متابعته ؟! وهي أنّ حديثَنا هو عن منهجٍ أو منطقٍ رحماني، وآخر شيطاني، وليسَ بالضرورةِ إذا كانَ منطقِي منطقاً شيطانياً أنْ أكونَ شيطانياً ؟! كما أنّه ليسَ بالضرورةِ إذا كانَ منطقِي منطقاً رحمانياً أنْ أكونَ رحمانياً ؟! قد تقولون كيفَ ذلك ؟! بيانُ ذلك هو أنّه لربّما يستعملُ الشيطانُ الإنسانَ وسيلةً لإيصالِ فكرهِ.. وأنا هُنا لستُ بصددِ الدخول في كلِّ التفاصيل وإنّما أردتُ بيانَ هذه المسألة حتَّى لا يُساءُ فهمي، فأنا لا أحكم على الأشخاص، من أنا حتّى أحكُمَ على عواقبِ النَّاس؟ ومن أنا حتَّى أُشَخِّصَ الأمور وِفقاً لنوايا النَّاس؟ لَستُ مطَّلعاً على نوايا النَّاس، ولستُ مُطَّلعاً على عواقبِهم، لستُ عارفاً بعاقبتي حتَّى أكونَ عارفاً بعواقبِ الآخرين، ولستُ أنا الَّذي أُحدِّدُ موقفَ الأشخاصِ، فذلكَ أمرٌ موكولٌ لإمامِ زماننا(ع)، فلربّما نُحدِّدُ نهاية شخصٍ على أساسِ الظنونِ والاحتمالات فنتصوّر أنَّ نهايتهُ نهاية حُسنى، بينما الأمور عندَ إمام زماننا(ع) تكون غيرُ ذلك، والعكسُ بالعكسِ أيضاً. فعواقبُ النَّاسِ ومصائِرُهم لا يعلمها إلَّا الله وإمامُ زماننا(ع) ولا عِلمَ لنا بها. فحينَ أتحدَّثُ عن منطقٍ شيطاني وعن منطقٍ رحماني إنَّني أتحدَّثُ عن نفسِ المنهج، ولا علاقةَ لي بالأشخاص ولا حُكمَ لي على الذين يتّبِعونَ المنهجَ الأول أو يتّبِعونَ المنهجَ الثاني، فقد يكونُ إنسانٌ مؤمنٌ صادق النيّة، ولكن بحسبِ قانونِ التوفيقِ والخُذلان-وقانونُ التوفيقِ والخذلان يجري علينا جميعاً، فالعملُ الصالِحُ قد يقودُ إلى عملٍ صالِح أو يمنعُ الإنسانَ عن عملٍ طالح، والعملُ الطالِح قد يقودُ إلى عملٍ طالح أو يمنعُ الإنسانَ عن عملٍ صالح، وهذا القانونُ نحنُ محكومونَ به في كُلِّ أحوالنا الدنيوية، في ليلنا ونهارنا، في كُلِّ ساعة وفي كُلِّ دقيقةٍ، بل في كلِّ ثانيةٍ وما هو أصغر من أجزاءِ الثانية، هذا القانونُ فاعلٌ ومُفعّلٌ ونحنُ خاضعونَ له-نعم، قد يكونُ مؤمنٌ صادق النّية، ولكن بسببِ تفاصيلِ هذا القانون يُسلَّطُ عليهِ الشَّيطان، وقطعاً الشَّيطانُ نحنُ الَّذينَ نُسلِّطهُ على أنفسنا فنفتحُ لهُ أبواباً، صحيحٌ أنَّ القلوبَ الَّتي توثّقَت عقيدتها بوَلايةِ عليٍّ(ع) لا يستطيعُ الشَّيطان أنْ يُخرجِها من هذه الدائرة، ولكنَّهُ يستطيع أنْ يذهبَ بها بعيداً في المتاهات، فقد يكونُ إنسانُ مؤمنٌ ليس شيطاناً ونيَّتهُ صالحة، ولكن لأسبابٍ ترتبطُ بتفاصيلِ قانونِ التوفيقِ والخُذلان يتسلَّطُ عليهِ الشَّيطان فينقرُ في قلبهِ وفؤادهِ ويُلقي في رُوعِه كلاماً حسناً، وهذا يجري حتى في طبقةِ العلماء وفي طبقةِ الرؤساءِ الدينيين الذينَ ترجعُ إليهم الأُمَّةُ في دِينها في أغلبِ الأحيان، في الفقهاءِ، في مشايخ الطريقة، في المراجعِ، في القادةِ، في الكُبراء. نعم، قد يتحقَّقُ أيضاً في غيرهم، ولكن غالباً مايجري في هؤلاء، في هؤلاءِ الذينَ يجلسونَ في صُدورِ المجالِس ويصعدونَ المنابر ويتحدَّثون، مثلي وأمثالي، فيُلقي الشَّيطانُ في رُوع أحدهم كلاماً صحيحاً وحقيقياً ودقيقاً، ويُلقي مرّةً ثانية وثالثة ورابعة وإلى الألف، إلى أن يستحكمَ الأمرُ في هذا الإنسان فيرى أنَّ المعلومات الَّتي تأتي من خلالِ هذا الطريق-من خلالِ الإلقاءِ في الرّوع- هي معلومات صحيحة ودقيقة، وبعدَ أن يطمئن ويسكُن، يأتي الشَّيطان ويُلقي في رُوعهِ ما يريد من المعلومات الخاطئة، فيتلقّاها ويتقبّلُها بنفسِ الطريقةِ الَّتي تلقّى وتقبّلَ بها المعلومات الصحيحة السابقة!! وقطعاً حينَ يُوحي إليه ويُلقي في رُوعِه فإنَّهُ سيأتيه من طريقٍ خفيّ، لنْ يقول للشِّيعيّ، مثلاً لهذا العالِم أو للمفكِّر، بأنَّ حديثَ أهل البيت(ع) ليسَ صحيحاً، لا يأتي بهذه الطريقة، لكنَّهُ يُقنِعهُ بعدَ أنْ يُشَكِّكَهُ في مُجملِ الحديثِ على أساسِ متبنيّاتٍ تأريخيةٍ وسياسيةٍ وعُقلائيةٍ، فيُقنعهُ بوسيلةٍ لتمييز الحديثِ، مثلاً مسألة ضعف السند، فيقتنع ويُمتلئ فِكرهُ قناعةً بهذه الوسيلة، فيبدأ يُجري هذا الميزان ويعمل بهذهِ الوسيلة ليُحطِّمَ حديثَ أهل البيت(ع) من حيث لا يُضمر نيّة سيّئة-هذا مثالٌ ضربتهُ لأُقرّبُ به الصورة- فليسَ هذا الإنسانُ شيطاناً وإنَّما صارَ وسيلةً لمنطقٍ شيطاني، وفارقٌ كبير بينَ أنْ يكونَ الإنسانُ شيطاناً، أنْ يكونَ حقيقةً شيطانية، وبينَ أنْ يكون مُستَغلَّاً من قِبَل الشَّيطان. فالشَّيطانُ لا يأتي لأولياءِ أهل البيت فيجعل منهم حقائقَ شيطانية، وإنَّما قد يستغلُّهم فيجعَلُهم طريقاً وبوابةً لمنهجٍ شيطاني وهذا هو الَّذي قصدتُهُ في حديثي بأنَّ الحقائقَ الَّتي سأعرِضُها وسأتناولها في هذا البرنامج، سأتناولها وأعرضُها وفقاً لرؤيتين، والتمييزُ إليكم، وحديثي عن التمييز ليسَ هو عن الأشخاص، وإنَّما عن الأفكارِ وعن المنهج. فلربّما يكون الإنسان مؤمناً صالحاً ولكن تتسرّبُ إلى ذهنهِ أفكارٌ خاطئة، تتسرَّبُ إلى مداخلهِ النفسية أفكارٌ وقناعاتٌ شيطانية، قد تزول حينَ يلتفتُ ذلك الإنسانِ إلى المتاهةِ الَّتي وقعَ فيها، وقد تستحكمُ في عقلهِ وقلبهِ إذا صارَ مُعانِداً ولا يقبلُ الحقيقةَ، لمجرّد أنَّ هذهِ الحقيقة جاءَتهُ من فلانٍ أو من فُلان، فيتحوَّل الصِّراعُ الفكري إلى صِراعٍ شخصي وتلك طامةٌ كبيرة، وهي طامّةُ التحزُّب الفكري. حينَ يتحوَّل الصِّراعُ الفكري إلى صِراعٍ حزبي، ومُرادي من الصِّراع الحزبي ليس بالمصطلح السياسي فالتحزُّبُ ليس فقط في الأجواء السياسية، مُرادي من التحزُّب هنا بشكلٍ عام، في الجوِّ الديني، في الجوِّ الاجتماعي، في الجوِّ السياسي، في الجوِّ الفكري. وبشكلٍ عام، التحزُّبُ هو التَجَمُّعُ والالتفافُ حولَ أشخاصٍ أو حولَ شِعاراتٍ معيّنة أو حولَ منهجٍ معيّن، وهذا هو الَّذي يقودُ إلى العنادِ وإلى رفضِ الحقائقِ ومواجهةِ الحُجج الصحيحة انطلاقاً من الانتماءِ إلى ذلك الشِعار أو إلى تلك المجموعة أو بسبب الالتفافِ حول شخصٍ معيّن ، تلكَ هي الَّتي سمّاها أئمّتُنا بالولائج ، الولائج الَّتي نُهينا أنْ نتخذها من دونِهُم، فتكليفنا الأوّلُ والأخير اتجاه أئِمّتنا هو أنْ لا نتَّخِذَ وليِجَةً دُونَهُم ، والولائجُ هي التجمّعاتُ والانتماءاتُ والتحزُّبات التي تكونُ على حسابِ الحقيقةِ وعلى حسابِ المنطق الرَّحماني . • جولةٌ في آياتِ الكتابِ الكريم تُحدِّثُنا آياتهُ عن أنَّ الشَّيطانَ قد يتّخذُ الصالحينَ وقد ينفثُ ما يريدُ أن ينفثهُ من خلالِهم وحولَهم وفي أجوائِهم : نبدأُ من سورةِ الأنعام، الآية الثامنة والستون: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.. القُرآن كما يقولُ أئمَّتُنا(ع) نزلَ بِإيَّاكِ أعني واسمَعي يا جارة، فالخِطابُ في بُنيتهِ اللفظية في القُرآنِ موجّهٌ كُلِّه للنَّبي(ص)، ولكن المعنى موجّهٌ للأُمَّة هذا هو معنى ما قالهُ أئمَّتنا صلواتُ اللهِ عليهم بأنَّ القُرآن نَزلَ ب “إِيَّاكِ أعني واسْمَعي يا جَارة”، والأَئِمَّة(ع) يَتحدَّثُونَ عن كُلِّ القُرآن لا عن بعضِ آياتهِ، فاللفظُ في القُرآنِ في بُنيتهِ اللفظية والصوتية موجّهٌ للنَّبي(ص) وأمّا المضمون فهو موجّهٌ للأُمَّة، لي ولكَ ولنا جميعاً، الخِطابُ موجّهٌ للأُمَّةِ وللصالحينَ بالدرجةِ الأولى، والآية واضحة فهي تُشير إلى أنَّ للشيطان المقدرة على أنْ يُنسينا-وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ- فواضح هُنا، الخِطابُ لمجموعةٍ صالحةٍ، وليسَ لشياطين أو بشرٍ صاروا شياطين، الخطابُ لبشرٍ قد يكونون صالحينَ ولكنَّ الشَّيطان يُنسِيهم، كيفَ يُنسِيهِم؟ أساليبُ الشَّيطان مختلفة ونأتي على ذِكرها بعدَ أنْ نتجوّلَ في آياتِ الكتابِ الكريم . في سورة الأعراف في الآيةِ المئتين والَّتي بعدها: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ -ونزغُ الشيطانِ هو أحدُ أساليبهِ-فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ-كما قُلتُ، الخطابُ لفظاً للنَّبي الأعظم(ص)، والمعنى لي ولَكَ.. نزلَ القُرآنُ ب “إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة” كما يقولُ الباقرُ والصّادقُ عليهما السلام وكفى بِهما وبقولِهما شرحاً وتفسيراً للقُرآن، فهذا هو قُرآنهم وهم يُحدِّثوننا عن قُرآنهم، أفَتُراني أذهبُ إلى غيرهم كي أفهم قُرآنَهُم، هم يُخبرونني عن قُرآنِهم وهم أدرى بما في قُرآنهِم صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم أجمعين- وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ-أنا وأنتَ-مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ-الخطابُ للمؤمنين، فالشيطانُ ينزغُنا، والآية الَّتي بعدها- (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا…)- والتقوى درجةٌ مُتقدِّمة بينَ المؤمنين-(… إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ…)، (وَإِخْوَانُهُمْ…)-إخوانهم منَ الجنِّ والشَّياطين والمراد من الأُخُوّة ليست الأُخُوّة في الإيمان، وإنَّما حينَ يكون الذينَ اتقوا قد مسّهُم الشَّيطان، فكأنَّ رابطةً قد حصلت فيما بينهم وبين الشَّياطين، والروايات تقول بأنّ الجِنُّ والشَّياطين سنخيةٌ واحدة-وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ-وأنا لستُ بصددِ تفسيرِ الآيات فقط أريد أن أشير إلى أنَّ للشَّيطانِ تأثيراً على المؤمنين وعلى الصالحين-… (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ…)- إلى آخرِ الآيات، هذا في سورة الأعراف . في سورة يوسف في الآية المائة: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ…)-حينَ جاء يعقوب والعائلة إلى يُوسف- (…وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ…) وأولاد يعقوب من الصّالحين ولكن لم يكونوا معصومين. الكلام واضح ولا حاجةَ لشرحٍ طويل فإنَّني أتنقّلُ بينَ آياتِ الكتابِ الكريم، وبينَ سُوَرهِ أتناولُ آياتٍ تتحدّثُ عن هذهِ الحقيقة بأنَّ الشَّيطانَ لهُ من التأثيرِ ما له على الصالحين، فليسَ بالضرورةِ أنَّ ما يصدرُ من الصالحينَ والمؤمنين لابدّ أن يكونَ دائماً رحمانياً، فلربّما يصدرُ منهُم القولُ الشَّيطاني والفعلُ الشَّيطاني. ومن هُنا فنحنُ في دائرةٍ ليست معصومةٍ، لا هذا الَّذي يتحدَّثُ بمعصومٍ ولا أولئكَ الذينَ سأتحدَّثُ عنهم بمعصومين، فيُمكن أنْ يكونَ منطقي منطقاً شيطانياً ويُمكن أنْ يكونَ منطقهم منطقاً شيطانياً، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّه إذا نطقنا منطقاً شيطانياً فلا بدّ أنْ نكونَ شياطين. في سورة النحل -: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ…)-من الذي يقرأ القُرآن؟ بطبيعة الحال هم الصّالحون المؤمنون- (…فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)-لماذا لأنَّهُ في هذا الجوّ وفي هذهِ الساحة له تأثيرٌ، والحديثُ هنا عن مؤمنٍ صالح وعن قرآنٍ كريم . في سورة الكهف في الآية الثالثة والستين والحديثُ بينَ موسى وفتاه وهو بحسب الروايات وصيُّه يُوشع: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ…)-يوشع يقول لموسى-(…فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ…)-يعني السمكة المشوية الَّتي كان يحملها يوشع في متاعهِ في سفرهم هذا-(…وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)-وما أنسانيهُ إلَّا الشَّيطان، فنحنُ هنا في أجواءِ الصالحين والشَّيطانُ قد يصنعُ جوّاً في مكانٍ قريبٍ من الصّالحين وفي بيئتهم. في سورة طه في قصَّة أبينا آدم وهو نبيٌّ-(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ…)- وإنْ كانَ هذا الكلامُ قبلَ النزولِ إلى الأرض، وسوس يعني أدخلَ في أفكارِه، وألقى في رُوعهِ-(…قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى). وفي سورة الحج: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ…)-في أُمنيَّتِه أي في الواقعِ الخارجي المُحيط، لأنّ الشَّيطانُ لا يستطيع أنْ ينفذَ إلى قُلوبِ الأنبياء والرُّسل، ولكنّهُ يستطيع أنْ يتحرَّك في الوسط المحيط بالرَّسولِ وبالنَّبي. ولا أريد الوقوف عند كُلِّ هذه الآيات وتفاصيلها، فالهدفُ من إيرادِ هذه الآيات هو فقط من جهة أنَّ الشَّيطان يُمكن أن يُؤثِّرَ في الأجواءِ المحيطة بالصّالحين-(…فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } . وفي سورة القصص في قِصَّةِ موسى وهذا الَّذي من شيعته: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)- يعني أنَّ الشَّيطان هو الَّذي رتّبَ هذا الأمر، وهو الَّذي صنعَ مسرحَ الأحداثِ هذا. وفي سورة ص في الآية الحاديةِ والأربعين: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)-مَسَّنِيَّ الشَّيطان، أي لم يستَطِع أنْ ينفذَ إلى داخلِ عقلِ أيّوب ولكنّهُ استطاعَ أن يتحرّكَ ويسبّب أشدِّ وأقسى ألوانِ الألمِ فيما حولَ حياةِ النَّبيّ أيوب . وفي سورة فُصّلت في الآية السادسة والثلاثين: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).. والمقصود بهذا الخطاب هم المؤمنون. وفي سورة المجادَلة وهُناك من يقرؤها المُجادِلة: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)-النَّجْوى من الشَّيطان ليس للطالحين، بل ليُحزِنَ الذينَ آمنوا، وهم الصالحون. آياتٌ وفيرةٌ وكثيرةٌ كما لاحظتُم واستمعتُم كُلُّها تتحدَّثُ عن هذهِ الحقيقة، حقيقة تأثيرِ الشَّيطانِ على الإنسان المؤمن الصِّالح . • أمّا أساليبُ الشيطان : مناجاةُ الشّاكين عن إمامنا السّجاد صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه: (إِلَهِي أَشْكُو إِلَيكَ عَدُوَّاً يُضِلُّنِي وَشَيْطَانَاً يُغْوِينِي قَدْ مَلَأَ بِالوَسْوَاسِ صَدْرِي وَأَحَاطَت هَواجِسُهُ بِقَلْبِي يُعَاضِدُ لِي الهوَى وَيُزَيِّنُ لِي حُبَّ الدُّنْيَا وَيَحُولُ بَيْنِي وَبَينَ الطَّاعَةِ والزُّلْفَى(-هذه نماذج من أساليبهِ وهذهِ الأدعيةُ نسجَها أهلُ بيتُ العصمةِ(ع) للصالحينَ من شيعتهِم ولأوليائِهم-(…إِلَهِي أَشْكُو إِلَيْكَ عَدُوَّاً يُضِلُّنِي…)-قطعاً ليس الحديث عن الضلالةِ هُنا في أصلِ الوَلايةِ العلَوية، فالشَّيطانُ ليس مُسلَّطَاً على أولياءِ أهل البيتِ في ذلك، ولكنَّهُ يستطيع أن يأخذهم في المتاهةِ يميناً وشِمالاً–(…وَشَيْطَانَاً يُغْوِينِي قَدْ مَلَأَ بِالوَسْوَاسِ صَدْرِي)-هذا هو كلامُ الصّالِحين وهُم يتحدَّثون عن الأساليبِ الَّتي يُمارسُها الشَّيطانُ ضدّهم ومن خلالِهم . في أدعيةِ شهرِ رمضان النهارية نقرأُ في هذا الدُعاء: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد وَأَعِذْنِي فِيه…)-..في هذا اليوم.. في هذا النهار من نهارات شهر رمضان-(…مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْم…)-لاحظوا الأساليب-(…وهَمْزِهِ ولَمْزِهِ ونَفْثِهِ ونَفْخِهِ وَ وَسْوَسَتِهِ وتَثْبِيطِهِ وَبَطْشِهِ وكَيْدِهِ ومَكْرِهِ وحَبَائِلِهِ…)-والحبائِل كثيرة وهي أنواع-(…وخُدَعِهِ…)-والخُدَعُ كثيرة وهي أنواع-(…وأمَانِيِّهِ…)-والأمانِيُّ كثيرة وهي أنواع-(…وغُرُوْرِهِ وَفِتْنَتِهِ وَشَرَكِهِ…)-وأمَّا أشراكُ الشَّيطانِ فَحَدِّث ولا حَرَج-(…وأَحْزَابِهِ…)-عنده أحزاب كثيرة-(…وَأَتْبَاعِهِ وأَشْيَاعِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَشُرَكَائِهِ…)- كُلُّ هذهِ الإمكانيّات والأساليب-ثُمَّ يقولُ الدعاء بعدَ ذلك-(…وَجَمِيْعِ مَكَائِدِهِ)-هذا الكلامُ في الدّعاء هو كلامُ الصّالحين وما هو بكلامِ الطّالحين، والَّذي يقرأُ هذهِ الأدعية هم الصالحون والمؤمنون، وهم أولياءُ أهل البيت(ع)، ومع هذا فهم مُهدّدون ومُحاطُونَ بكلِّ هذه الأساليب الشيطانيّة، لذا حينَ الحديثُ عن منطقٍ رحماني وعن منطقٍ شيطاني، ليسَ بالضرورةِ مثلاً إذا كان منطقي منطقاً شيطانياً أنْ أكونَ شيطاناً، فلربّما ينطقُ الشَّيطانُ من خلالي، وكذا ليسَ بالضرورةِ إذا كانَ منطقي رحمانياً أنْ أكونَ حقيقةً رحمانيةً. وكما بيّنتُ في المثالِ السابق بأنَّ الشَّيطانَ قد يُلقي في رَوعِ الإنسان حقائق تكون من الرَّحمانية الحقيقية، ولكنَّه بعد أن يستحكمَ في أمرهِ، فإنّه يُلقي تلك الإلقاءات الَّتي هي من الشَّيطان، ويُلقي ما يريد من المضامين الشيطانيّة. وهنا مسؤوليةُ العالِم الفقيهِ الحكيمِ، إذ عليهِ أن يتقصّى الحقائقَ ويكون على حذرٍ تامٍّ، ولا نجاةَ إلَّا باللجوءِ إلى إمامِ زمانِنا صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه . • والآن تعالوا معي أُلقي نظرةً على أحاديثِ أهل البيت كما ألقيتُ نظرةً على آياتِ الكتابِ الكريم : (عَن جَعفرِ ابنِ مُحَمَّدٍ الخُزاعِي، عَنْ أَبيهِ…)-والرواية يرويها العيّاشي في تفسيرهِ وها أنّي أقرأُها من الجُزء الستين من بحارِ الأنوار-(…قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله يَذْكُرُ فِيْ حَديثِ غَديرِ خُمّ أنَّهُ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِه لِعَلِيٍّ عَلَيهِ السَّلام مَا قَال وأقَامَهُ لِلنَّاس صَرَخَ إِبْلِيسُ صَرْخَةً فَاجْتَمَعَت لَهُ العَفَارِيت…)-العفاريتُ هم المجموعةُ الأَهمّ في قُوّاتِ إبليس، والنُخبة من قُوّاتهِ وهُم الأكثر سُرعةً في الحركة بينَ أتباعهِ، لذا حتَّى في قِصّةِ عرشِ بلقيس، الَّذي أرادَ أن يأتي بالعرش هو عِفريتٌ من الجن كما في التعبير القُرآني-(…فَقَالُوا يَا سَيِّدَنا مَا هَذِهِ الصَّرْخَة ؟!…)- لماذا صَرَخت؟-(…فَقَالَ: وَيلَكُم يَومُكُم كَيَومِ عِيْسَى واللهِ لَأُضِلَّنَّ فِيهِ الْخَلْق، قَالَ: فَنَزَلَ القُرآن وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ…)-أنا لستُ بصددِ شرحِ الرواية، الرواية بحاجةٍ إلى شرح والوقتُ لا يكفي وليسَ البرنامجُ منعقداً لشرحِ هذه الروايات، إنّما هي جولَة سريعة في الأحاديث-(…قَالَ : فَصَرَخَ إِبْلِيسْ صَرْخَةً…)-صرخة ثانية بعدَ أنْ نزلت الآية-(…فَرَجَعَت إِليهِ العَفَارِيت فَقَالُوا يَا سَيِّدَنا مَا هَذِهِ الصَّرْخَةُ الأُخْرَى ؟! فَقَالَ : وَيْحَكُم حَكَى اللهُ واللهِ كَلَامِي قُرْآنَاً وأَنْزَلَ عَلَيه…)- أنزلَهُ على مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وآله-(…ثُمَّ رَفَع رَأْسَهُ إلى السَّمَاء…)-أي إبْليس-(…ثمَّ قَال: وَعِزَّتِكَ وجَلَالِكَ لَأُلْحِقَنَّ الفَرِيقَ بِالجَمِيع…)-ماذا قالت الآية؟(…فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ…)-فماذا قال إبليس يُخاطِبُ الله؟ قال-(…وَعِزَّتِكَ وجَلَالِكَ لَأُلْحِقَنَّ الفَرِيقَ بِالجَمِيع…)-حتّى هذه المجموعة الَّتي استُثنيت في الآية، إبليس يوجّه تمامَ جُهدهِ إليها ويحاول أن يخترقُها ، فينفثُ في العقول، في عقول العلماء وعقول الفقهاء وفي عقولنا جميعاً…)-(…قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِه: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحْيِم إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ…)- ليسَ لكَ عليهم سُلطان في أصلِ الوَلاية، لا في التفاصيل، كما مرّت الآيات واضحة وستأتينا الروايات والأدعية صريحةً في ذلك-(…قَالَ : ثُمَّ صَرَخَ إِبْلِيسُ صَرْخَةً فَرَجَعَت إِلَيه العَفَارِيت فَقَالُوا : يَا سَيِّدَنَا مَا هَذِهِ الصَّرْخَةُ الثَّالِثَة ؟! قَالَ: واللهِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيّ، وَلَكِنْ وعِزَّتِكَ وجَلَالِكَ يَا رَبّ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ الْمَعَاصِي حَتَّى أُبَغِّضَهُم إِلَيْك ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْد الله عَلَيهِ السَّلَام:…)-هذا كلامُ الإمامِ الصَّادق وهذهِ هيَ النتيجة-(…وَالَّذِي بَعَثَ بِالْحَقِّ مُحَمَّدَاً لَلْعَفَارِيتُ والأَبَالِسَةُ عَلَى الْمُؤْمِن أَكْثَرُ مِن الزَّنَابِيرِ عَلَى اللَّحْم…)-وأنتُم تصوّروا، الإمام يتحدَّث عن البيئة الَّتي هو فيها في جوِّ الحجاز الحار حينما يكونُ اللحمُ معروضاً في الخارج، فتأتي الزنابير من كُلِّ مكان تتجمّع عليه، ويستمرُّ الإمام فيقول-(…وَالْمُؤْمِنُ أَشَدُّ مِنَ الجَبَل والْجَبَلُ تَدْنُو إِلَيهِ بِالفَأس فَتَنْحَتُ مِنه…)-يعني يُمكن أنْ يُؤثِّرَ الفأس فيه،كذلك يُمكن أنْ يُؤثِّرَ الشَّيطان في المؤمن-(…وَالْمُؤْمِنُ لا يَسْتَقِلُّ عَنْ دِينِه)- أي أنّ الفأس يؤثّر في الجبل ولكن يبقى الجبلُ جبلاً، كذلك المؤمن يبقى ثابتاً على وَلايتهِ برغم تأثير الشيطانِ عليه. ومرّت علينا الآيات القُرآنية التي تُحدِّثنا عن أبينا آدم وإبليس، وعن النبيّ أيوب-(أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ)، وعن يوشع الوصيّ-(وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ)، وعنّا-(وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ)- فهناك تأثيرٌ للشيطانِ. صحيحٌ هو لا يخترقُ قلوبَ الأنبياء والأولياء، ولكن يؤثّر في الأجواء المُحيطة بهم من سائر الناس.. يخترقُ قلوبنا نحن، ولكن بحدود. الروايةُ في كامل الزيارات في حديث طويل عن إمامنا السَّجاد(ع) وهو أساساً عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله، ينقلهُ السَّجاد(ع) عن عمَّتهِ العقيلة، في هذهِ اللحظات الحسّاسة، بعدَ أنْ ضُرِبَ الأميرُ على رأسهِ الشريف وفي الساعات الأخيرة الَّتي ودّعَ فيها عائلتَهُ، وحديثٌ بينَ الأميرِ(ع) في تلك اللحظات وبينَ العقيلةِ زينب، يقولُ لها سيِّدُ الأوصياء: (وَلَقَد قَالَ لَنَا رَسُولُ الله حِينَ أَخْبَرَنَا بِهَذَا الخَبَر أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ الله فِيْ ذَلِكَ اليوم…)-أي اليومِ الَّذي ركضت فيه الخيول على جسدِ الحُسين(ع) وهو يومِ عاشوراء-(…يَطِيرُ فَرَحَاً فَيَجُولُ الأَرْض كُلَّهَا بِشَيَاطِينِهِ وعَفَارِيتِه فَيَقُول يَا مَعَاشِرَ الشَّيَاطِين قَدْ أَدْرَكْنَا مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ الطَّلِبَة…)-ما كُنّا نطلبهُ أدركناه-(…وَبَلَغْنَا فِي هَلَاكِهِم الغَايَة وأَوْرَثْنَاهُم النَّار إِلَّا مَنْ اِعْتَصَمَ بِهَذِهِ العِصَابَة…)-يُشير بالعِصَابة إلى آلِ مُحَمَّد فمَن اِعْتَصَمَ بِهِم فَقَد اِعتَصَمَ بِاللّه-(…فَاجْعَلُوا…)-يُخاطِب الشَّيَاطِين-(…شُغْلَكُم بِتَشْكِيكِ النَّاسِ فِيهِمْ وحَمْلِهِم عَلَى عَدَاوَتِهِم وَإِغْرَائِهِم بِهِم وَأَولِيَائِهِمْ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ ضَلَالَةُ الخَلْقِ وَكُفْرُهُم ولا يَنْجُو مِنْهُم نَاج وَلَقَد صَدَقَ عَلَيْهِم إِبْلِيس وَهُو كَذُوب…)-هذا كلامُ النَّبِيِّ(ص)،كلامُ أمير المؤمنين(ع)، كلامُ العقيلة(ع)، كلامُ الإمام السَّجاد(ع)-(…أَنَّهُ لا يَنْفَعُ مَعَ عَدَاوَتِكُمْ عَمَلٌ صَالِح ولا يَضرُّ مَعَ مَحَبَّتِكُم ومُوالَاتِكُم ذَنْبٌ غَيرُ الكَبَائِر ، قَالَ زَائِدَة…)-زائدة هو الَّذي روى الحديث عن إمامِنا السَّجاد-(…ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ ابنُ الحُسَين عَلَيهِما السَّلَام بعدَ أنْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الحَدِيْث: خُذْهُ إِلَيك أمَا لَو ضَرَبْتَ فِي طَلَبِهِ إبَاطَ الإِبِل حَوْلَاً لَكَانَ قَلِيلَا )-أي لو ركبتَ الإبل وضربت إباطها لتُسرعَ في المسير لمدّةِ سنةٍ كاملة كي تصلَ إلى مكانٍ تسمعَ فيه هذا الحديث، لكانَ ذلك الجهد قليلاً في مقابل ما تنتفع به منه. الروايةُ عن إمامنا الصّادق، والروايةُ هذهِ رواها زيدُ النرسي، وزيدُ النرسي يعرفهُ المُطّلِعونَ على حديثِ أهل البيت، فهو أحدُ أصحابِ الأصول الأربعمائة، وأصلُ زيد النرسي هو ممّا بقيَ في أيدينا من الأصولِ الَّتي نُقلت بشكلٍ مباشر عن أئمَّتنا(ع)، ضمن مجموعة من هذهِ الأصول بقيت وهي قليلةٌ جداً، وإلَّا فهي قد نُقلت في كتابِ الكافي، وفي كُتب الصدوق، وفي كتب الطوسي، وفي كتب المحدِّثين الآخرين. الرواية أقرأُها من كتابِ أو من أصلِ زيدٍ النرسي، يقول إمامنا الصَّادق(ع): (إنَّ شَيْطَانَاً قَدْ وَلَعَ بإبْنِي إِسْمَاعِيل…)-وإسماعيل هو من خواصِّ أولادِ الأئمَّة(ع) ومن أقربِ النّاسِ إلى إمامنا الصَّادق(ع)-(…يَتَصَوَّرُ في صُورَتِه لِيَفْتِنَ بِهِ النَّاس وأَنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ فِي صُورةِ نَبِيٍّ وَلَا وَصِيِّ نَبِيّ…)- كما قُلت قبلَ قليل الشَّيطانُ لا يستطيعُ اختراق الأنبياء والأوصياء، وإنَّما يجولُ حولهم وفي الأجواءِ القريبةِ منهم-(…فَمَنْ قَالَ لَكَ مِن النَّاس إنَّ إِسْمَاعِيلَ إبْنِي حَيّ لَم يَمُت فَإنَّمَا ذَلِكَ الشَّيْطَانُ تَمَثَّلَ لَهُ في صُورَةِ إِسْمَاعِيل…)-أيَّةُ فِتنةٍ هذه ؟! إلى أنْ يقول-(…وَلَو جَهَدَ الشَّيْطَانُ أنْ يَتَمثَّلَ بِإبْنِي مُوسَى…)-يعني موسى الكاظم(ع)-(…مَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ أبَدَا)-فالشيطانُ لا يتمثَّلُ بصورِهم عليهم السلام، ولكنّهُ يمكنه أن يتمثَّلُ بصورةِ إسماعيل مثلاً، وقد جاءَ لبعضِ الشِّيعة بعدَ موتِ إسماعيل بصورته ليقنعهم بأنّه هو الإمام بعد أبيه الصادق(ع)، وحقّاً أيّةُ فتنةٍ هذه!!سأتحدَّثُ عن هذهِ المضامين في الحلقات القادمة، فالبرنامج طويل وحديثي معكم طويل أيضاً . روايةٌ أيضاً أقرأُها من البحار من الجزء الستين: (عَنْ بَكْر ابنِ مُحَمَّدٍ الأَزْدِي، عَن عَمِّهِ عبدِ السَّلام، عَنْ أَبي عَبْدِ الله…)-إمامُنا الصّادق يتحدّث معَ عبدِ السلام أحدِ أصحابهِ-(…فَقَالَ : يَا عَبْدَ السَّلام إِحْذَر النَّاسَ ونَفْسَك ، فَقُلتُ : بَأَبِي أَنْتَ وأُمِّي أمَّا النَّاس فَقَد أَقْدَرُ عَلَى أنْ اَحْذَرَهُم وأمَّا نَفْسِي فَكَيْف؟! فَقَالَ: إِنَّ الخَبِيْثَ…)-يعني الشَّيطان-(…يَسْتَرِقُ السَّمْعَ يَجِيْئُكَ فَيَسْتَرِق…)-حتَّى لو كُنتَ تتَحدَّث مع نَفسِك بصوتٍ عالٍ-(…ثُمَّ يَخْرُجْ فِي صُورَةِ آدَمِي فَيَقُولْ قَالَ عَبْدُ الْسَّلَام، فَقُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي هَذَا مَا لا حِيلَةَ لَه…)-أي هذا شيء لا عِلاج له-(…قَالَ : هُو ذَاك)-إذن، الشيطان يسترق السّمع، وهذا موضوع بِحاجة إلى تفصيل، ولا أريد الخوض في كُلِّ التفاصيل، وأرى الوقت يجري سريعاً، وبقيت عندي مطالب لابُدَّ من الإشارة إليها كي أشرعَ في المقصود وتتوالى حلقاتُ البرنامج بحسبِ ما رُسِمَ لها . لاحظتُم الآيات والأدعية والمناجيات ولاحظتم الروايات تتحدَّث عن نشاطٍ شيطانيٍّ واسع، وهذا المطلب بحاجة إلى بيان وإلى شرح، ورُبّما وعدتُ المشاهدينَ في برامج سابقة بأنَّني سأفتحُ ملفَّاً كاملاً عنوانهُ: “المَلفُّ الإبليسي” إذا سنحت الفرصة إنْ شاءَ اللهُ تعالى، سأفتَحُ هذا الملفّ بينَ أيديكم، وهذا الَّذي عرضتهُ بينَ أيديكم هو لمحةٌ وصورةٌ ممّا جاء في آيات الكتاب الكريم، ومِمّا جاء في أدعيتهم ورواياتهم وأحاديثهم الشريفة. الأمان الأمان يا صاحب الزمان، فالأمان عنده عجّل الله فرجه: (وإِنِّي لَأمَانٌ لِأَهْلِ الأَرْض كَمَا أنَّ النُجُومَ أمَانٌ لِأهْلِ السَّمَاء)-ما هي وظيفةُ النجوم؟ القُرآن يُحدِّثُنا في سورة المُلْك الآية الخامسة: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ…)-والمصابيحُ هي النجوم والكواكب-(…وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ)- ترجمهم أي تطردُهم بعيداً فلا يقتربون، وفي سورة الجن هم يقولون: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً)- أي بعدَ مَولِد النَّبيِّ صلّى الله عليه وآلهِ وسلّم. لا أريد الوقوف عندَ كُلِّ آيةٍ من هذه الآيات الكريمة، ولكن هذهِ النُجوم هي أمانٌ لأهل السماءِ من تِلكم الشياطين… وإمامنا هو أمانٌ لنا إذا ما لجأنا إليهِ، وأيُّ أمانٍ أجملُ من هذا الأمان ونحنُ نُخاطِبهُ في زيارتهِ الشريفة: (أَشْهَدُ أَنَّ بِولَايَتِكَ تُقْبَلُ الأَعْمَال وتُزَكَّى الأَفْعَال وتُضَاعَفُ الْحَسَنَاتْ وتُمْحَى السَّيِّئَاتْ فَمَنْ جَاءَ بِولَايَتِكْ واَعْتَرَفَ بِإِمَامَتِك….)-يَا بَقِيَّةَ الله-(…قُبِلَت أَعْمَالُه وَصُدِّقَتْ أَقْوَالُه وتَضَاعَفَت حَسَنَاتُه ومُحِيَت سَيِّئَاتُه وَمَنْ عَدَلَ عَنْ وِلَايَتِك وجَهِلَ مَعْرِفَتَك وَاَسْتَبْدَلَ بِكَ غَيْرَك كَبَّهُ اللهُ عَلَى مِنْخَرِهِ فِي النَّار وَلَمْ يَقْبَل اللهُ لَهُ عَمَلَا وَلَمْ يُقِمْ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ وَزْنَا -: أيُّ أمانٍ أقوى وأَثبَت وأوضح من هذا الأمان؟!-(فَمَنْ جَاءَ بِولَايَتِكْ واَعْتَرَفَ بِإِمَامَتِك قُبِلَت أَعْمَالُه وَصُدِّقَتْ أَقْوَالُه ) من جاء بولاية الإمام الحجّة فقولُهُ ما هو بقولٍ شيطاني أبداً. إذن الأمان هُنا، حيثما لزمانهم لزمونا، هذا هو القانون: (مَنْ لَزِمَنا لَزِمْنَاه)–في الحديث الشريف-و(اِذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)-في القرآن الكريم- فحيثُما تَعلّقَ القلبُ بهِ حقيقةً-بإمام الزمان(ع)- وحيثما التزمتْ العقول به حقيقةً فهو يلتزمها. هُنا يُمكننا أنْ نُشخِّصَ المنطقَ الرَّحماني من المنطق الشَّيطاني، ومع ذلك اُعيد وأُكَرِّر لئلّا يُساء فهمُ كلامي، فإنِّي حينَ أتحدَّثُ عن منطقٍ رحماني وعن منطقٍ شيطاني، فإنا لا أتحدَّثُ عن الأشخاص، إذ قد يكون الشَّخص رحمانياً ولكنَّ الشَّيطان يستغلّهُ بسببٍ وبآخر، فلقانونِ التوفيق والخُذلان تطبيقات وتفريعات كثيرة، وربّما أجدُ مجالاً بين حلقاتِ هذا البرنامج كي أتحدّثَ عن هذا القانون، لكنَّني الآن لا أمتلك وقتاً للحديثِ والدخولِ في تفاصيلِ هذا العنوان، لذا حينَ أتحدَّثُ عن منطقٍ شيطاني وعن منطقٍ رحماني فإنَّني أتحدَّثُ عن المنهج وعن الفِكرة، أتحدَّثُ عن المبنى، أتحدَّثُ عن الآراء والأفكارِ والمُعتقدات، ولا علاقة لي بالأشخاص، وإذا أرادَ أحد أنْ يحملَ كلامي على الأشخاص فذلك شأنهُ وتلك مشكلتهُ وما هي بمشكلتي ولا أعبأ بهذا، لكنَّني بيَّنتُ الحقيقة كما تعتملُ في نفسي، وبيَّنتُ المطلبَ كما أنوي أنْ أطرحهُ وأنْ أبيّنهُ، تلكَ هي نيّتي وذلك هو مقصدي ومن أرادَ أنْ يُحَرِّف كلامي فيُحوِّل الحديثَ عن المناهج إلى حديثٍ عن الأشخاص فتلك هي مشكلتهُ، وأنا لا أخشى كلامَ المتكلّمين، ألا يقولون في أمثالنا: المبلّل ما يخاف من المطر؟ أنا لستُ مبلّلاً فحسب، بل أنا غائصٌ في الماء، نعم، أنا غائصٌ في قعرِ بحرٍ من الافتراءاتِ والدعاياتِ المغرضة، والكلام الكثير الَّذي لا أعبأُ به أبداً. نذهب إلى فاصل وبعد الفاصلِ أعودُ إليكم كي أُكملَ الحديث… المشكلةُ الَّتي أريدُ الحديثَ عنها فيما بقي من الوقت مشكلةٌ عويصةٌ ومعقَّدةٌ جدَّاً ؟! هذا البرنامجُ والسلسلةُ السابقة وما بقيَ من هذه السلسلة من البرامج، كلّ ذلك يدورُ في هذا الجوّ، وهو: الثقافةُ الشِّيعيةُ المختَرَقةُ بالفكرِ المُخالف. وكما بيّنتُ سلفاً بأنّ الاختراقَ لم يكن من قِبَل المخالفين أنفسهِم، وإنَّما علماءُ الشِّيعة هم الَّذين قاموا بهذا الأمر، حينما جاءوا بالفكرِ المخالف فحشروه وبنحوٍ واسعٍ جدَّاً في ساحة الثقافة الشِّيعية.. المشكلةُ الكبيرة أين، وهذا الداءُ الكبير أين ؟ هذا الداءُ يكمن في هذا العنوان : “عِلمُ الرّجال”. تحدّثتُ عن “علم الرجال” الشِّيعي في البرامج السابقة وفي أكثرِ من برنامج، وربّما أسهبتُ بعض الشيء في العديدِ من مطالب ما يسمّى بعلمِ الرّجال، لنْ أُطيلَ هذهِ المرّة ولكنَّ الكلام كما يقولون يجرُّ الكلام، سأتحدّث في حلقتين، أقل أو أكثر، لا أدري بحسبِ تضاعيفِ الحديث، فمشكلتنا هي هنا، وإنَّما أركِّزُ الحديثَ على هذا العنوان لأمرين : الأمرُ الأوّل: أظنُّ أنَّ كثيراً مِمَّن يُشاهدونَ البرنامج الآن لم يكونوا قد استمعوا لأحاديثي السابقة عن علم الرّجال الشِّيعي، وهي موجودةٌ بكلِّ تفاصيلها على موقع “زهرائيون” وعلى “اليوتيوب” وعلى مواقع كثيرة وعديدة على شبكة الانترنت، هذا من جهة . ومن جهةٍ ثانية -: أجعلُ حديثي منطلقاً من هذا العنوان: “علم الرّجال”، ذلك لأنَّ الطامّة الكُبرى الَّتي ابتُليت الثقافة الشِّيعية بها هو هذا الداءُ العُضال وهذا المرضُ الخبيث وهذا الفكر الَّذي جِيءَ بهِ من ساحةِ المخالفين وحُطِّمَ به حديثُ أهل البيت(ع) . أوّلُ نقطةٍ أقفُ عندها وبشكلٍ مُجمل، وستتضح لكمُ الصورة، هي كيفَ أنَّ علم الرّجال قد حطّمَ فِكرَ أهلِ البيت(ع) وذلك من خلالِ الحلقات الطويلة والموضوعات الكثيرة الَّتي سآتي على شرحِها وبيانِها إنْ شاء الله تعالى، لكنّني وبالمُجمل سأتحدّثُ عن الأضرار الكبيرة التي ألحقها علمُ الرِّجال بفكرِ أهلِ البيت وبحديثِ أهلِ البيت(ع) وبالمنطقِ الرَّحماني، فما هي تلك الأضرار؟ عدّوا معي… : أولاً: علمُ الرّجال هو الَّذي دمّرَ الثقافة القُرآنية، فأحاديثُ أهلِ البيت(ع) في تفسيرِ القُرآن وُضِعَت جانباً في ساحة الثقافة الشِّيعية. نعم، الذينَ كتبوا تفاسيرَ القُرآن من علماءِ الشِّيعةِ ومراجعهم وفقهائهم وضعُوا أحاديثَ أهل البيت في تفسير القُرآنِ جانباً، وأهملوها غايةَ الإهمال، وراحوا يركضونَ خلفَ المنهجِ العُمري في تفسيرِ القُرآن، لماذا؟ لأنَّ جنابَ علمِ الرّجال هو الَّذي قامَ بهذا الأمر، وبالأحرى ما هو جناب علم الرّجال، وإنّما جناب الرِّجاليين من علمائنا هم الذينَ فعلوا ذلك، فطبّقوا هذا العلمَ الَّذي هو في حقيقتهِ جهلٌ وجهالة، وحينَ دُمّرت الثقافة القُرآنية بواسطة علم الرجال دُمِّر كلُّ شيءٍ عندنا؛ لأنَّ القُرآنَ هو قاعدةُ المعلومات الَّتي وضعها لنا أهلُ البيت(ع)، وذلك بحسبِ تفسيرهِم، لا بحسبِ تفسيرِ المخالفين ولا بحسبِ آراء علمائِنا واستحساناتهم الخَرقاء الَّتي لا قيمةَ ولا معنى لها، هؤلاء العلماء يتركونَ حديثَ أهلِ البيت(ع) ويركضونَ مهرولينَ وراءَ المخالفين، إمَّا ينقلون تفسيرَهم بالنّص وإمّا يتبّعون منهجهم في التفسير، ودونكَ تفاسيرُ علماء الشِّيعة من أوّلها إلى آخرها. قطعاً لا أقصد التفاسير الَّتي جَمَعت حديثَ أهل البيت(ع) فهذهِ ما هي بتفاسير العلماء. إنَّني هنا أتحدَّثُ عن التفاسير الَّتي كتبها العلماء بأقلامِهم ومن فكرِهم وفهمهِم، وهي التفاسيرُ الأكثر شيوعاً في الساحةِ الثقافيةِ الشِّيعية. وخطباؤنا الكِبار على المنابر لا يرجعونَ إلى تلك التفاسير، بل يعتمدونَ على تفاسير المخالفين كي يكونوا أُمناء في نقل الثقافةِ المخالفة لشيعة أهل البيت. نعم، كِبارُ خطباء الشِّيعة لا يأخذونَ بالواسطة ، بل يذهبونَ بشكلٍ مباشر إلى تفسير الفخر الرازي والآلوسي وأمثالهم، فينقلونَ تفسير القُرآن على المنابر للشيعةِ عبرَ العشرات والعشرات من السنين، إلى أن بُنيت الثقافةُ الشِّيعية من ثقافةٍ قُرآنية مخالفةٍ لأهل البيت(ع)، وتحوّل الأمر أنْ إذا ما طُرحت ثقافةُ أهل البيت القُرآنية على الشيعة، فإنّها تُرفض.. تُرفض على مستوى الحوزةِ العلمية ، وتُرفض على مستوى الحسينيات، وتُرفض على مستوى المثقّفين، والَّذي يُقبَل هو ما قد سمعوه، فإنّهم قد أصغوا إلى ناطقٍ ينطقُ عن الشَّيطان، وأنا لا أتحدَّثُ عن شخصٍ واحد، أتحدَّثُ عن الجميع، عن الساحةِ بكلِّ تفاصيلِها ومفرداتِها ورموزِها وهذا هو الواقع. تريدون أنْ تُصدِّقوا، فعليكم أنْ تبحثوا أوّلاً، لا تُصدِّقوا كلامي هكذا بدون بحثٍ وتحقيق. أو تريدون أنْ تُكَذِّبوا هكذا من دونِ دليل رفضاً لي شخصياً، أو لحديثي، أو ترقيعاً لأصنامٍ تعبدونَها-“من أصغى إلى ناطقٍ فقد عَبَدَه” كما يقول جوادُ الأئمَّة(ع)- فذلك أمرٌ راجعٌ إليكم وهو لا يُضيرُني في شيء كما أنّه لا ينفعني في شيء. فعلمُ الرّجالِ أوّلُ طعنةٍ طعنَ فيها أهلَ البيت(ع) هي أنْ ألغى تفسيرَهم، وما يسمى بتفسيرِ أهل البيت في الحوزة لا علاقة لهُ بالأحاديثِ التفسيريةِ لهُم صلوات الله عليهم، فأهلُ البيت(ع) وضعوا منهجاً للتفسيرِ وفسّروا آياتِ القُرآن، وما أخذ علماؤنا المُفسِّرونَ للقُرآن إلَّا نزراً يسيراً ويسيراً جدَّاً من حديثِ أهل البيت(ع) وتركوا القدر الأعظم، وذلك لأنَّ علم الرجال حكم على هذهِ الروايات وهذه الأحاديث بالإعدام، وذلك عن طريق تضعيف أسنادها. ثانياً -: الكثيرُ والكثير من الزِّيارات المرويّة عن أهلِ البيت(ع) ومن الأدعيةِ المعصوميّة وُضِعت جانباً، أو قيل للناسِ اقرأوها برجاء المطلوبيّة-وهو عنوان اصطنعهُ العلماء ومعناه: لعلَّ الله يكون قد طلبها فهيَ غيرُ ثابتة- مع أنَّ القضية واضحة وهي أنّ الأدعيةُ والزِّيارات نسجها أهلُ البيتِ بأسلوبٍ يصعُب التزوير فيه، لكنَّ المشكلة أنَّ المخالفين لا يملكون زيارات ولا أدعية، وما عندهم من أدعيةٍ هي من تعابير الصحابة، وهي أدعية ركيكة، فهم لا يمتلكون هذا اللون من التعبير في الزيارات والأدعية المعصوميّة، فبما أنَّ المخالفين لا يمتلكون الزيارات والأدعية كي تكون مصدراً علمياًّ وفكريّاً، علماؤنا أيضاً-والذين يدينون بالتبعيّة الفكريّة لهم- ساروا على نفسِ هذا المنهج فتركوا الزّياراتِ والأدعية جانباً وما اعتمدوا عليها، إلَّا القليل الأقل منهم، والذين لا يُمكن أنْ يتركوا أثراً واضحاً في ساحة الثقافة الشِّيعية، أمّا الذين تركوا الأثر الواضح فهم الذين وضعوا الزّيارات والأدعية جانباً أوعلى الحاشية ، بل أخرجوها من الحاشية أيضاً . ثالثاً -: ما جاءَ عن أهلِ بيت العصمة(ع) من أحاديثِ أسرارِهم ومنازلهِم ومعارفِهم ومقاماتِهم وشؤوناتِهم الغيبيّة، في الأعمِّ الأغلب بلْ أكثر من ذلك، حَكَم عليه علمُ الرّجال بالإعدام ولذا طُرحَ جانباً، فلا من عينٍ ولا من أثر، لا في كتبِ علمائنا حين يتحدّثون في الجانب العقائدي، ولا على منابرنا، والروايات الَّتي يُردّدُها خطباء المنبر ويكرّرونها على نحو الاجترار، إنّما هي من قبيل ِنصوصٍ، صحيح أنّها وردت في كتُبنا، لكنَّها تتطابقُ لفظاً ومضموناً مع نصوص المخالفين، لذلك يُحبّونَها وشبيهُ الشيءِ منُجذبٌ إليهِ وتلك هي الحقيقةُ الواضحةُ الجليّة . رابعاً -: ما جاء في مناقبِ الأئمَّةِ من كراماتهم ومعجزاتهم هو الآخرُ أيضاً حكم علمُ الرّجال على أكثرهِ بل على أكثرِ من أكثرهِ بالإعدام . وماذا أُحدِّثُكم وخامساً وسادساً وسابعاً وثامناً.. الأحاديث التي تذكر مصائبَ أهل البيت(ع)، وما جرى على الزَّهراء(ع) من ظُلامةٍ، وحتَّى ما جرى في كربلاء، وما جرى على باقي الأئمّةِ(ع)، أكثرُ هذهِ الأحاديث حَكَم عليها علمُ الرّجال بالإعدام. والقضيةُ طويلة حتَّى يصل الأمر إلى أنَّ جميع ما جاءَ من أحاديث في الكافي الشريف عن وِلادة إمام زماننا(ع) حَكَم عليها مراجعنا وعلماؤنا الرجاليون، بحسبِ قواعدِ علم الرّجال، بالإعدام فالأحاديثُ كُلُّها ضعيفة! باللهِ عليكم أيُّ علمٍ هذا إذا كانت هذهِ هي آثارهُ القاتِلَة؟! وأكثر من ذلك وستتّضح لكم الحقائق. نعم،عِلمُ الرّجال هو الَّذي دمّر كُلَّ ذلك، وعِلمُ الرّجال هو الَّذي لَه مدخليةٌ أيضاً فيما يُحكَمُ به على الأحاديثِ من صحّتها أوعدمِ صحّتِها، والَّتي يؤسَّسُ عليها علمُ الأصول ومن خلالهِ يتمُّ الاستنباط، استنباطُ الأحكام الشرعية، وكذلك علمُ الكلام، وما يُسمَّى بعلومِ القُرآن، وما يسمَّى بعلمِ الدراية، وما يتعلَّق بعلمِ الأخلاق. فلِعلمِ الرجال مدخليةٌ مباشرةٌ وكبيرةٌ في التأسيسِ لكلِّ هذهِ العلوم وعلى أساسهِ تُميَّزُ الأحاديث الَّتي ستكونُ مُؤسِّسةٍ ومُبوّبةً ومُصنِّفَةً لِكُلِّ هذهِ العلوم، فكَم لهُ من الضرر! بل الضررُ الأكبر هو هنا. البعض يُشخّص بأنّ علم الأصول له الضرر الأكبر، نعم له الضرر الأكبر في ساحة الاستنباط، لكن في الساحة الكليّة علمُ الرّجال هو الوسيلة القاتلة الَّتي قَتلَت فِكرَ أهل البيت(ع) وحكمت عليه بالإعدامِ ، ودمّرت الثقافة الشِّيعية بالكامل. هذه هي مشكلتنا ومصيبتنا..باللهِ عليكم إذا كان علمُ الرّجال هذهِ نتائجهُ: يدمّر التفسير، ويدمّرُ كلَّ شيء، وكلَّ هذهِ العناوين الَّتي مرّت علينا، فما نفعهُ إذاً ؟! وحين نقول يا جماعة علمُ الرّجال لا نستطيع بسببهِ أن نؤسِّس العقيدة الصحيحة لأهل البيت(ع)، يقولون: لا، لإنَّ الأحاديث الَّتي يُضَعِّفُها عِلمُ الرّجال يُمكن أن تَثبُتَ من طريقٍ آخر.. إذاً ما فائدةُ علمِ الرّجال، إذا كانت النتيجة المباشرة هي تحطيمُ حديثِ أهل البيت؟! وإذا كانَ العلماءُ يريدون في بعضِ الأحيان أنْ يقبلوا بعضَ الأحاديث الَّتي ضعّفها علمُ الرّجال فإنّهم يجدون لها ترقيعاً من جهةٍ أخرى، وهو كلامٌ هزيلٌ جدّاً وسخيفٌ جدّاً وتافهٌ جدّاً. وإذا كانوا بحاجةٍ إلى التّرقيع إذاً ما فائدةُ علمِ الرجال؟! أَوَليس ذلك دليلاً واضحاً على سفاهةِ هذا العلم وخطأِ هذا العلم وضلالةِ هذا العلم، وخطأِ من يتّبع هذا العلم؟ إذا كانت النتائج المباشرة هي إلغاءُ كلِّ ما هو صحيح من تفسير أهل البيت(ع)، ومن أحاديثِ مقاماتهم ومراتِبهِم ، ومن أحاديثِ كراماتِهم ومعجزاتِهم، ومن أحاديثِ مصائِبهم وما جرى عليهم، مِمّا جاء في زياراتهم وأدعيتهم، وحتَّى مِمّا جاء في تفاصيلِ حياتِهم كأحاديثِ ولادةِ إمامِ زمانِنا(ع) الَّتي يُضعِّفها علم الرّجال كُلَّاً ومن دونِ استثناء، فما فائدةُ هذا العلم إذا كانت هذهِ هي النتائج ؟! أوليسَ الأمور بخواتيمها؟ هذه هي الخواتيم، وإذا أراد البعض أن يُرقِّع كي يستر هذهِ العورة الفاضحة، هذهِ العورةُ الكريهةُ الرائحة، النتنة القذرة، إذا أراد أن يستر هذهِ العورة فيقول بأنَّ الأحاديث الَّتي ضُعِّفَت من طريقِ علم الرّجال، وهي أكثرُ أحاديثِ أهل البيت(ع)، يمكن أن يقبلها العلماء من طريقٍ آخر، إذاً لماذا يستعملون علم الرّجال إذا كان هذا العلم لا تُقبَلُ نتائجهُ؟! لكنَّ الحقيقةَ هي أنَّنا مولَعون بالمنهجِ المخالف، لأنَّ المنهج المخالف لأهل البيت(ع) قد اجتاحنا وبأيدينا وبرغبتنا، ونحنُ الذين دفعنا الأموال لأجلِ ذلك!! نعم، شبيهُ الشيء منجذِبٌ إليهِ، فنحن الذين نرغبُ في تقليدهم واّتباعهم، وكلماتُ أهل البيت(ع) واضحةٌ في ذلك. وستأتينا التفاصيلُ تِباعاً كما قُلتُ لكم، اِصبروا عَلَيَّ واصبروا على البرنامج، فحديثنا طويل. وقتُ الحلقةِ قارب على الانتهاء بل ربّما انتهى، وتَتِمَّةُ الحديث في حلقةِ يومِ غَد.. مُلتقانا غداً نفسُ الموعِد.. نفسُ الشاشة.. القمرُ الفضائيّة. أتركُكم فِي رِعَايَة القَمَر .. سَلامَاً يَا قَمَر.. أسألُكُم الدُّعَاء .. فِي أَمَانِ الله .. ملخـّص الحلقة تاريخ البث : يوم السبت 12 ربيع الثاني 1437هـ الموافق 23 / 1 / 2016م وصلَ الحديث في الحلقة الماضية إلى الكيفيّة الّتي سأعرضُ فيها ومِن خلالها تفاصيل المطالب والمباحث الَّتي سأتناولها في حلقاتِ هذا البرنامج وقلت بأنّني سأعرض الكلام وفقاً لمنهجين: 1- المنهج الأوّل: منهج أزعم أنّني استللتهُ واستخرجتهُ مِن الكتاب والعترة، وهو المنهج الّذي عنونتهُ بمنهج (لحن القول). 2- والمنهج الثّاني: هو المنهج التّقليدي المُتّبع في مُؤسّستنا الدّينيّة. قد يلتقي هذا المنهجان في جهات، وقد يتباعدان في أكثر المطالب. هناك منطقان (منطق رحماني ومنطق شيطاني) والحُكم إليكم، فأنتم المُكلّفون بالتّمييز. عقولكم ووجدانكم السّليم هو الميزان الّذي تستطيعون أن تُميّزوا به بين المنطق الرّحماني والمنطق الشّيطاني. مسألة مهمّة لابدّ مِن بيانها لأجل مواصلة هذا الحديث ومُتابعته، وهي: أنّني حين أتحدّث عن (منطق رحماني ومنطق شيطاني) إنّني لا أتحدّث عن الأشخاص، فقد يكون الإنسان مُؤمناً ولكنَّ الشّيطان يستغلّهُ، في ظل وجود قانون التّوفيق والخذلان الّذي يحكمنا في كُلّ ثوني الحياة، وإنّما أتحدّث عن منهج وعن أفكار ولا علاقة لي بالأشخاص، فعواقب النّاس ومصائر النّاس لا يعلمها إلّا إمامُ زماننا عليه السَّلام . جولة في آيات الكتاب الكريم تُحدّثنا عن أنّ الشيطان قد يتّخذ الصّالحين، وقد ينفث ما يريد أن ينفثه مِن خلالهم وحولهم وفي أجوائهم. ليسَ بالضّرورة أنَّ ما يصدر مِن الصَّالحين ومِن المُؤمنين أن يكونَ دائماً رحمانياً .. وليسَ بالضّرورة إذا نطقنا بمنطق شيطاني أن نكونَ شياطين (ففارقُ كبير بين أن يكون الإنسان حقيقةً شيطانية، وبين أن يكون مُستغَــلّاً مِن الشّيطان عن طريق تسرُّب أفكار وقناعات شيطانية إلى ذهنه). لمحة وصور ممّا جاء في آيات الكتاب الكريم، وممّا جاء في أحاديثهم وأدعيتهم صلوات الله وسلامهُ عليهم عن النّشاط الإبليسي، وأساليب الشّيطان المُختلفة مع الصّالحين. إمامُ زماننا عليه السلام أمانٌ لنا إذا ما لجأنا إليه، فهو الأمان الأقوى مِن مكائد إبليس ومصائده. هذا البرنامج، وسلسلة البرامج السّابقة، وما بقي مِن سلسلة البرامج، كُلّها تدور في هذا الجو (الثّقافة الشّيعيّة المُخترقة بالفكر بالمُخالف) وهذا الاختراق كما بيّنت جاء مِن علماء الشّيعة .. هم الّذينَ أتوا بالفكر المُخالف وحشروه في ساحة الثّقافة الشّيعيّة. المُشكلة الكبيرة والطامَّة الكبرى هي في هذا العنوان (علم الرّجال).. وسأركّز في الحديث على هذا العنوان لأمرين: ● الأمر الأوّل: أنّي أظن أنّ الكثيرين مِمن يستمعون لهذا البرنامج لم يستمعوا لحديثي في البرامج السّابقة بخصوص علم الرّجال الشيعي. ● والأمر الثّاني: لأبيّن الضّرر الكبير الّذي ألحقهُ علم الرّجال بحديث أهل البيت عليهم السَّلام . نماذج وصُور إجمالية للضّرر الّذي ألحقهُ علم الرّجال بحديث أهل البيت عليهم السَّلام . علم الأصول، علم الكلام، علم الدّراية، علوم القرآن، علوم الأخلاق، كلُّ هذهِ العلوم تأسسَّت على أساس (علم الرّجال). علم الأصول لهُ الضَّرر الأكبر في (ساحة الاستنباط)، وعلْمُ الرّجال هو الوسيلة الَّتي دمّرت الثقافة الشّيعية.